ملخص
يكشف الكاتب والصحافي الفرنسي كليمان غيس في مقالة طويلة له وفي صفحات عديدة، ضمتها مجلة “لوموند” الأسبوعية ( أغسطس/ آب) تفاصيل جديدة ومجهولة عن العلاقة التي قامت بين الشاعر محمود درويش في عام 1962 وكان في الـ22، والراقصة الإسرائيلية تامار بن عامي التي كانت في الـ16. هذه العلاقة الإشكالية التي ظلت محط سجال سياسي وشعري، عادت إلى الواجهة بعدما توفيت تامار في فبراير (شباط) الماضي عن 78 سنة. وهنا ملخص لبعض التفاصيل التي وردت في المقالة الفائضة.
كتب كثر عن العلاقة بين محمود درويش والراقصة الإسرائيلية تامار بن عامي التي أطلق عليها اسم “ريتا” وكتب عنها قصائد عدة تمتد بين ديوانه “آخر الليل” عام 1967 حتى ديوان “أحد عشر كوكباً” عام 1992، وبدت أكثر من كونها حبيبة أولى، عاشت معه وفي وجدانه، بين الإقامة والمنفى، فهي مثلت رمز صراع وجودي عميق عاشه الشاعر بينه وبين نفسه، وبينه وبين “الآخر” الذي هو العدو والمحتل، لا سيما بعدما التحقت تامار في صباها بصفوف الجيش الإسرائيلي.
البندقية وعيون ريتا
استوحاها محمود درويش في قصائد عدة، تنطلق من واقع الحب الذي نشأ بينهما، وما لبث أن اكتسب بعداً رمزياً، بعدما اختار لها اسماً مستعاراً هو ريتا. اختار محمود اسماً مسيحياً ذائعاً في الأوساط الكاثوليكية، كي يحفظ ما يمكن تسميته “ماء الوجه” إزاء الراقصة الإسرائيلية، إذ كان من المستحيل أن يحتفظ باسمها الحقيقي اليهودي التوراتي. وقد شاع اسم ريتا عبر قصيدة “ريتا والبندقية” التي لحنها وغناها الفنان مارسيل خليفة، وجعلها تتردد على شفاه الأجيال العربية، بما تحمل من زخم وغنائية.
ولعل ورود كلمة البندقية مقابل العينين في القصيدة، منحها بعداً وطنياً وسياسياً يُخفي في باطنه استحالة السلام بين اليهود والعرب:” بين ريتا وعيوني بندقية/ والذي يعرف ريتا ينحني/ ويصلي لإله في العيون العسلية”. وترد فيها أيضاً هذه المقاطع الرمزية: “آه ريتا/ بيننا مليون عصفور وصورة/ ومواعيد كثيرة/ أطلقت نارا عليها بندقية”. وصرح درويش متسائلاً في هذا الصدد: “ماذا لو كان النص تعبيراً عن صراع، بعد أن يمنع الاختلاف القومي جسدين من ممارسة الحب أو من مواصلة قصة الحب؟”.
يقول الروائي الفرنسي المعروف ماتياس إينار ،المتخصص في الشرق الأوسط، في هذا الصدد: “أياً يكن البلد العربي الذي تزوره، فالجميع يعرف فيه هذه القصيدة”. ويضيف، ” انهم مأخوذون بقوة صورة البندقية التي تنتصب بين عاشقين، وبالطاقة الروائية التي يتمتع بها النص”.
بداية ونهاية
يستعرض الكاتب الفرنسي قصة هذه العلاقة من ألفها إلى يائها، منذ أن بدأت حتى وفاة درويش ووفاتها بعده بـ18 عاماً، وكان هو في… ولئن كان ما كتبه معروفاً بمعظمه فهو يورد أمرين ظلا مجهولين في المعنى العام، ومقتصرين على قلة قليلة، ولم يُخرجا إلى الضوء ويُنشرا. الأمر الأول يتمثل في اتصال أجراه محمود درويش من باريس بحبيته الإسرائيلية السابقة تامار بن عامي في مايو (أيار) شاكراً إياها بدعمها له إزاء الحملة التي قامت ضده في إسرائيل، عقب كتابته قصيدته الشهيرة “عابرون في كلام عابر”.
هذه القصيدة كان درويش استوحى فيها “ثورة الحجارة” أو الانتفاضة الأولى التي اندلعت مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1987 داخل غزة، وامتدت إلى الضفة الغربية. وقد خرجت حينذاك عن صمتها، وتحدثت في برنامج تلفزيوني عن حبها السابق لمحمود، وقالت عنه بجرأة إنه “ليس رجل كراهية، بل رجل حب”. وسرعان ما استعادت الصحافة قصة الغرام وحكاية الحب القديمة. وخلال اتصاله بها، دعاها درويش أيضاً إلى لقاء في فرنسا ولكن من غير تحديد موعد.
لم تتلكأ تامار في السفر إلى باريس، تلبية لدعوة درويش، بغية اللقاء به بعد كل تلك الأعوام. فأقامت داخل فندق صغير كما يقول الكاتب الفرنسي غيس في مقالته، واتصلت بالرقم الذي كان أعطاها إياه. ولكن لم يجب أحد. وراحت تتصل يومياً من غير جواب. قررت الانتظار لأكثر من أسبوع قبل أن تدعوها امرأة مجهولة عبر الهاتف إلى الحضور في اليوم التالي. وهناك، في مبنى افترضت تامار أنه يضم مكتباً لمنظمة التحرير في باريس، التقت درويش من جديد. وما إن باشرا في الحديث، رن الهاتف في الصالة، والمفاجأة أن ياسر عرفات كان على الخط. وكان على درويش أن ينسحب متذرعاً بحجة انشغاله، لكنه حدد لها موعداً جديداً في اليوم التالي. ثم اتصل بها لاحقاً، هاتفياً، معتذراً عن عدم قدرته على لقائها، شارحاً لها أن وقتاً طويلاً قد مضى على حكاية حبهما. وعادت تامار إلى إسرائيل حزينة.
شكوك تامار
لكن تامار بن عامي ظلت طوال حياتها تعتقد أن منظمة التحرير هي التي تدخلت لمنع اللقاء، إما للاشتباه في محاولة تجسس، وإما لأن ظهور درويش مع إسرائيلية كان يعد خطراً. حينها كان أصبح شخصية سياسية بارزة وعضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهو كاتب إعلان استقلال فلسطين، “أرض الرسالات السماوية إلى البشر”، الذي أعلنه ياسر عرفات في الـ15 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 في الجزائر خلال دورة استثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني.
الأمر الثاني المجهول أيضاً يتمثل في تردد تامار إزاء المشاركة في جنازة حبيبها الفلسطيني الذي توفي في التاسع من أغسطس (آب) 2008، والانضمام إلى الموكب الجماهيري الذي رافق التشييع. كانت تامار في مطلع أغسطس 2008 تقضي عطلة مع شريكها أندرياس أبلت في قرية على ضفاف نهر إلبه شمال ألمانيا. وعلمت من أقارب لها في إسرائيل أن محمود درويش أُدخل مستشفى في هيوستن بولاية تكساس لإجراء جراحة في القلب. ثم علمت عبر اتصال هاتفي أن الشاعر توفي لتوه في التاسع من أغسطس 2008.
سرعان ما انتشر الخبر في أنحاء العالم، وأعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد الوطني ثلاثة أيام. وبحسب وصيته، دُفن درويش في الأراضي الفلسطينية. وفي رام الله، سار 10 آلاف شخص خلف نعشه المغطى بالزهور والعلم الفلسطيني. وأُطلقت 21 طلقة مدفعية تحية له.
غابت عن الجنازة
بقيت تامار بن عامي في ألمانيا. وكانت تزمع السفر للمشاركة في الجنازة، لكنها عدلت خشية أن يكون وجودها غير مرغوب فيه، أو ألا تحصل على إذن من السلطة الفلسطينية. لكنها تمكنت بعد أعوام من زيارة رام الله والوقوف عند قبر الشاعر. ويقول الكاتب الفرنسي إنها شعرت بالفخر حين رأت متحفاً مكرساً له. ثم عادت مرات عدة وزارت عائلته التي كانت تستقبلها دائماً.
يسرد كليمان غيس تفاصيل من حياة الراقصة تامار، فهي في مطلع تسعينيات القرن الماضي ذهبت في جولة إلى ألمانيا ثم استقرت هناك. ودرست في مدرسة داخل برلين ووقعت في حب أندرياس أبلت، وهو مدير مسرح من ألمانيا الشرقية. وبعد أعوام، كانت تضحك قائلة: “أنا، اليهودية الإسرائيلية، أحببت رجلين: فلسطينياً وألمانياً”.
يتذكر زوجها الأرمل تأثرها عند توقيع اتفاقات أوسلو في سبتمبر (أيلول) 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وعند المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات وإسحاق رابين على عشب البيت الأبيض في واشنطن. ويقول: “كنا في برلين، وكانت غاضبة لأنها لم تكن في تل أبيب للاحتفال بالسلام الذي طال انتظاره”. ويتذكر حزنها، بعد عامين، يوم اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين.
عاشت تامار بين برلين وتل أبيب، وكانت مكتبات شقتها تحوي طبعات عربية وعبرية وألمانية من كتب محمود درويش. وكانت تتابع حفلات تكريمه في فلسطين.
وينقل غيس عن المخرجة الفلسطينية – الإسرائيلية ابتسام مراعنة، صاحبة الفيلم الوثائقي “سجل، أنا عربي” (2014)، قولها “إن حياة تامار حملت أثر هذه الحكاية الرقيقة والصادمة”. وفي الفيلم، الذي استعار عنوانه من بيت في قصيدة “بطاقة هوية”، إحدى أشهر قصائد درويش، تستعيد تامار شبابها وتعرض رسائل الحب. وتقول المخرجة: “كانت الكلمات تستغرق وقتاً كي تخرج من فمها، وكانت هناك لحظات صمت طويلة. لكنها كانت في حاجة إلى رواية تجربتها.
الحب المستحيل
ويعود كليمان غيس إلى بداية هذا الحب المستحيل، الذي وقع داخل حيفا المدينة العريقة، الفلسطينية، اليهودية والأرمنية واللبنانية والدرزية، عندما تعرف الشاعر الفلسطيني الشاب إلى تامار بن عامي، الراقصة اليهودية الإسرائيلية. كانت قصة حبهما قوية بقدر ما كانت قصيرة ولكن غير عابرة.
كان درويش الشاب يكتب الشعر، خاطياً أولى خطواته على المنصة، قارئاً قصائده منذ ذلك الحين. ونشر في المجلات الأدبية وكتب في السياسة، وهو ما أدى إلى سجنه خمس مرات بين عامي 1961 و1967 بسبب أقوال عدت ثورية. وكان قريباً من الحركات الشيوعية الإسرائيلية التي نظمت تجمعات كثيرة تلتقي فيها مختلف المكونات الاجتماعية.
ويواصل غيس سارداً تفاصيل القصة، ففي أحد أيام عام 1963، شارك في تجمع يساري في شفاعمرو، المدينة العربية الدرزية القريبة من حيفا. قرأ على المنصة بعض القصائد، ثم راح يشاهد عرضاً لفرقة من الراقصين. وكان بينهم شابة لم يرفع عينيه عنها.
كان في الـ22، وكانت تامار بن عامي في الـ16. نشأت في حيفا، وكانت من “الصابرا”، وهو الاسم الذي كان يطلق على اليهود المولودين قبل عام 1948 في فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني. هناك استقر والداها القادمان من بولندا وروسيا قبل المحرقة. كانت العائلة شيوعية. التقى الشابان مرات عدة ووقعاً في الحب.
كتب لها رسائل طويلة، دائماً بالعبرية التي كان يتقنها تماماً ولم يتنكر لها يوماً. كان يشرح أنه إذا كانت العبرية لغة الشرطي الذي يعتقله والقاضي الذي يدينه، فهي أيضاً اللغة التي جعلته مَعلمة يحب عبرها الأدب، والتي اكتشف من خلالها فيديريكو غارسيا لوركا وبابلو نيرودا.
الحب ليس سياسياً، لكنه يصبح كذلك. فبحسب ابتسام مراعنة “كانت عائلة تامار تريد السلام، لكنها لم تكن تريد صهراً فلسطينياً”. وفي عام 1964، أرسلها والداها إلى القدس لدراسة الرقص، لإبعادها من درويش. ظل يكتب إليها رسائل ملتهبة حباً، وأراد اللحاق بها. لكن القانون الإسرائيلي كان يقيد آنذاك حركة المواطنين الفلسطينيين ويلزمهم بالحصول على تصاريح. ذهب الشاعر إلى القدس بصورة غير قانونية وشارك في أمسية شعرية، لكنه لم يتمكن من رؤية حبيبته.
عند عودته إلى حيفا، اعتُقل الشاعر الشاب وحوكم وسُجن مرة أخرى لانتهاكه حظر التنقل. وفي القدس، لم تكن الشابة تعرف ماذا تفعل بهذا الحب الثقيل والمعقد. قالت لاحقاً لابتسام مراعنة: “كان في قلبي، لكنه لم يكن في حياتي”. وكتب إليها أنه بدأ قصيدة طويلة عن حكايتهما. ثم اندلعت حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967، فاحتلت إسرائيل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، إلى جانب سيناء المصرية والجولان السوري.
تامار في الجيش
بعد ذلك يروي غيس، كان على تامار بن عامي أن تؤدي خدمتها العسكرية في فرقة سلاح البحرية الإسرائيلي، وهي مجموعة من المغنين والراقصين كانت تقدم عروضاً لدعم مجندي الجيش. لم تكن إسرائيل قد أتمت عامها الاحتلالي الـ20، وكانت الحرب تشد أواصر الشعور القومي. وتحولت الأغاني ذات الإيقاعات الشبابية التي قدمتها الفرقة، محتفية بعظمة الجيش والبلاد والمشروع الاستيطاني الرائد، إلى أعمال ناجحة.
وفي تسجيلات بالأبيض والأسود، تظهر تامار وسط راقصات أخريات يؤدين حركات راقصة متعاقبة على متن سفينة حربية. تقول صديقتها، الكاتبة والمخرجة المسرحية أورنا أكاد، إن تمار المسالمة “كان في إمكانها أن ترفض الخدمة العسكرية بدافع الضمير، لكن الانتماء العائلي الشيوعي كان يعني احترام مؤسسات البلاد، بالتالي الجيش”.
كان على محمود درويش أن يشعر بالمرارة حين رآها ترتدي الزي العسكري الإسرائيلي، وكتب لها: “لم أعد أستطيع أن أرى فيك سوى المجرم. اضطررت إلى أن أنسى جمالك ورقتك”. وفي إحدى المقابلات في كتاب “فلسطين كاستعارة”، أوضح محمود أن حرب عام 1967 “استقرت، مجازاً، بين الجسدين، وفاقمت تناقضاً كان حتى ذلك الوقت غير واعٍ. تخيل أن تكون صديقتك جندية في جيش احتلال يعتقل فتيات شعبك في نابلس أو القدس. هذا لا يثقل القلب وحده، بل الضمير أيضاً”.
لم يعد الحبيبان السابقان موجودين، أحدهما في حياة الآخر. شاركت تامار بن عامي في نشاطات فرقة باتشيفا للرقص، التي أسهمت في تأسيسها رائدة الرقص الحديث الأميركية مارثا غراهام. واهتمت بالطليعة الفنية في نيويورك وبالتاي تشي واليوغا. وصممت رقصات لبرامج تلفزيونية منوعة ودرست في أكاديمية القدس للموسيقى والرقص.
ويروي غيس عن زيارة تامار في يونيو (حزيران) 2024، مدينة باريس لحضور عرض راقص في مسرح المدينة.
عبرت نهر السين وتوجهت إلى ساحة محمود درويش على امتداد رصيف مالاكي في الدائرة السادسة. وهناك، أمام اللوحة التي تكرم “شاعر فلسطين”، والتي دشنها عام 2010 رئيس بلدية باريس برتران دولانويه ومحمود عباس، تأثرت كثيراً وجدانياً وعاطفياً.
كانت مريضة جداً حينذاك، بعدما أُصيبت عام 2019 بسرطان الثدي وعُولجت بعد جراحة أُجريت لها. لكن في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، اليوم الذي نفذت فيه “حماس” هجومها الشهير، قالت لزوجها: “أنا واثقة من أن السرطان عاد”. وكانت تبتسم بمرارة لهذه المصادفة، ولهذا المصير المرتبط بمصير بلدها.
