
بعد كارثة ملعب هيسل سنة 1985، في بروكسل، ومقتل العشرات من المشجعين، تغيرت الملاعب جذرياً. وصل عنف المدرجات إلى أقصاه وما عاد ممكناً التعايش معه في كرة القدم. كانت العصبية الكروية حينها بسوء العصبيات القومية الشوفينية، وبمنسوب عال من العنصرية.
العنف والتعصب والعنصرية كانت تسري بين الفرق واللاعبين أيضاً، أكانوا أندية أو منتخبات وطنية. وكان لا بد من إنقاذ اللعبة.
نجحت الفيفا في وضع سلسلة قوانين ومضبطة عقوبات لكبح العنف في المستطيل الأخضر كما في المدرجات، وتغيرت التدابير الأمنية كما البنية التحتية للملاعب. أما التغيير الأهم، فأتى مع مطلع التسعينات والوحدة الأوروبية التي فتحت الباب للأندية لاعتبار أي لاعب أوروبي كما لو أنه لاعب محلي. فبات ممكناً لنادٍ إيطالي أو ألماني أو فرنسي أن يضم في صفوفه لاعبين من جنسيات أوروبية أخرى أكثر من عدد لاعبيه المحليين، عدا ضمه للاعبين أجانب من خارج القارة. هذا التهجين والخليط بدد العصبية إلى حد كبير. وتزامن هذا مع كثافة حضور المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، الذين سرعان ما سيجد شبانهم في كرة القدم واحدة من أبرز رافعاتهم الاجتماعية والاقتصادية. وهم اليوم الأكثر حضوراً في منتخبات الأوروبية من دون استثناء.
الحملات المتواصلة التي برمجتها “الفيفا” تحت شعار “لا للعنصرية”، نظفت إلى حد كبير الملاعب وغرف الملابس والثقافة الكروية، وجعلتها شديدة التلوّن والتنوع.
أيضاً، لعبت قوانين التحكيم الصارمة المدعومة بالتطور التكنولوجي المستمر، في كبح ومنع اللعب الخشن والعنيف. وصارت حماية اللاعبين أولوية للحكّام.
منذ منتصف التسعينات، تحولت الملاعب تدريجياً من مكان أشبه بميدان الحرب، إلى مكان أشبه بالحفل الكرنفالي. وبعدما كان شبه مستحيل أن يختلط جمهورا الفريقين المتنافسين، أصبح طبيعياً أن يجلس المشجعون مع بعضهم البعض بلا خوف تقريباً.
البث المعولم للمباريات، وسهولة المشاهدة التلفزيونية للدوريات الأوروبية الكبرى (إنكلترا، اسبانيا، إيطاليا، فرنسا، وألمانيا..)، صنعا لهذه الدوريات جمهوراً عالمياً بمئات الملايين. وترافق هذا مع الازدهار غير المسبوق للسفر والسياحة، ما جعل الملاعب الأوروبية تزدحم بجمهور سياحي هجين وعالمي من كل القارات. هذا بدوره بدد آخر ما تبقى من عصبيات هوياتية في المدرجات.
الملعب الآمن واللعب النظيف والمدرجات المعولمة غيّرت من طبيعة الجمهور نفسه. لم تعد المدرجات حكراً على الشبان الذكور المتأهبين للتعارك والشغب. فجأة صار الأثرياء وأبناء الطبقة الوسطى ونخبة المجتمع يواظبون على الحضور. كذلك، صارت العائلات بأطفالها تحضر إلى الملعب بلا خوف، إضافة إلى السياح من الهواة المدمنين على “السفر الكروي” آتين من اليابان مثلاً أو من الخليج إلى ملاعب ريال مدريد أو ليفربول أو برشلونة أو جوفنتوس..
أما الظاهرة الأهم في العقدين الأخيرين، والتي تهيمن الآن على مونديال أميركا الشمالية، فهو هذا الحضور الأنثوي الطاغي. السيدات من كبار السن كما المراهقات والشابات، يكتسحن الملاعب على نحو غير اعتيادي. والجدير بالذكر هنا المشجعات الإيرانيات اللواتي خضن معركة سياسية من أجل اكتساب حقهن بالذهاب إلى الملاعب، كجزء مهم من معركتهن النبيلة من أجل حرية الحضور في الفضاء العام.
تأنيث الملاعب جعلها أكثر كرنفالية ورحابة وبهجة، وبالطبع أكثر تسامحاً. والمدهش هو إحضار الكثير من العائلات لأطفالها الرضع، كدليل على البيئة الآمنة التي تسود في المدرجات.