-
حسن القصاب…. الجمهورية .نت
-
-
كحال مدنٍ سوريةٍ عدة، تطوق «العشوائيات» أطراف مدينة الرقة وتتمدد بلا خطة أو تخطيط، مُشكِّلةً سياجاً يلفُّ المدينة، ويعكس واحدةً من أقسى الصور عن فقرها وبؤس سكانها. هناك، في تلك التجمعات غير المرخصة، تتكدّس الحكايات الثقيلة لسكانٍ لم يختاروا العوز طوعاً، بل فُرِضَ عليهم قسراً، وما يزالون حتى اليوم يدفعون الثمن، جيلاً بعد جيل، في واقعٍ لا يترك لهم سوى البقاء على الهامش.
يُطلق مصطلح شمال السكة على أجزاء مدينة الرقة الواقعة شمال سكة قطار خط حلب – الرقة – دير الزور، ويقابلها في التسميات الرسمية للأحياء: حي الأندلس الممتد من دوار الفروسية حتى دوار حزيمة، وجزء من حي البعث (المنطقة الممتدة من دوار حزيمة إلى دوار الصوامع شرقاً)، إضافةً إلى أجزاء حيّي الثورة والحرية الواقعة بين سكة القطار جنوباً وطريق الصوامع – حزيمة شمالاً.

«كانت هذه المنطقة أرضاً زراعية، تضم بعض البيوت الخاصة بالمُلاك والفلاحين، إضافةً إلى بعض الآبار الارتوازية، وقد كانت تُزرَع بالخيار والبندورة والجبس والإجاص والقمح والقطن، وكنا نسميها ‘السيلة’» يقول ناصر الكاطع (من مواليد عام 1962) ابن أحد المالكين السابقين في هذه المنطقة، إذ كانت أرضهم جنوب موقع النخيل حالياً. ويتابع: «لقد كان موسم القطن لعام 1974 وفيراً، وكنا أول من وَرَّدَ القطنمن المزارعين، ومنحتنا الدولة وقتها شلول قطن كجائزة تشجيعية».
في 27 من آذار (مارس) عام 1974، صدر قرار استملاك هذه المنطقة من قبل المؤسسة العامة لاستثمار وتنمية حوض الفرات، وفق ما يتضح في بيانات القيود العقارية لكثير من المالكين، إلا أن بعض المزارعين استمروا في زراعة أراضيهم وحصادها في عام 1975، ووصلتهم وقتذاك أقنية الري، مُنذرةَ بضرورة الإخلاء، كما يخبرنا الكاطع.
لاحقاً، تم ضم هذه الأراضي إلى ملاك المشروع الرائد، أكبر مشاريع الري في محافظة الرقة، بمساحة إجماليّة (تصميمية) بلغت 24040 هكتاراً، استُثمِر منها 18731 هكتاراً، في حين تُركت المساحة الباقية كمبانٍ ومساكن ومنشآت.
المشكلة
في 22 من أيار (مايو) الماضي، شهدت منطقة شمال السكة مظاهرة شعبية واسعة نظمها وشارك فيها المئات من أهالي هذه المنطقة، سبقتها وقفات احتجاجية أخرى، غير أنها كانت أقل عدداً وزخماً. ويتمحور سبب هذه التظاهرات حول المشروع السكني الجديد الذي تنوي محافظة الرقة تنفيذه في هذه المنطقة عبر شركة استثماريّة صينية – سعودية، وذلك بعد نقل أهاليها إلى شقق سكنية في موقع شركة التعمير جنوب سكة القطار، الأمر الذي قوبل برفض واسع من الأهالي، واصفين إيّاه بـ«الكارثي».
يستهدف المشروع المنطقة الممتدة من دوّار الصوامع وصولاً إلى دوّار الفروسية، بعمق يُقارب 1.2 كيلومتراً، حيث يُخطَّط لهدم المنازل فيها، وإقامة منطقة سكنية على الطراز الحديث بدلاً عنها، تشمل وحدات سكنية منظّمة ومزارع، إلى جانب حدائق وساحات عامة، ومدارس نموذجية، ومساجد، ومولات تجارية، ومطاعم، وممرٍّ نهري. وذلك وفق ما ورد على لسان محافظ الرقة عبد الرحمن السلامة خلال اجتماعه مع وفد من أهالي منطقة شمال السكة، بحسب أحد الحاضرين في الاجتماع. وأكد المحافظ لاحقاً، في تصريحاته لوسائل الإعلام أن المشروع «يهدف إلى تطوير المنطقة عمرانياً وإعادة تنظيمها ضمن رؤية حضرية حديثة».
وعلى إثر هذه المظاهرة، شهد الشارع الرَّقِّي حالة انقسام بين مؤيد لقرار المحافظة وآخر رافض له؛ فالرافضون للقرار يَرون ما يحدث جزءاً من مشهد أوسع يتعلّق بنمط تعامل جديد مع العشوائيات في معظم المحافظات السورية، قد يُهدّد أملاك الفقراء ومأواهم، ويرون أيضاً أنَّ في المدينة أولويات أخرى أشد حاجةً إلى الحل وأكثر إلحاحاً. أمّا الفريق الثاني، فينظر إلى هذه المنازل والمحلات التجارية على أنها عشوائيات بُنِيَت في أراضٍ من أملاك الدولة، وهي بذلك مخالفة قانونياً، ويرون في المشروع فرصة استثمارية تطويرية لا تُعوَّض.
إلا أنّ النظر إلى القضية بمعزل عن أوضاع الأهالي ودوافعهم ومبرراتهم يُساهِم في تأزيم المشكلة بدل الشروع في حلها؛ فالبقاء في حي غير منظّم، وبحدٍّ أدنى من الخدمات، لمدة أربعين عاماً أو أكثر، والعيش تحت خطر الهدم في أي لحظة، لم يكن أمراً سهلاً على الأهالي، وإن هم اعتادوه. لكن ما الحلول التي كانت متاحة وقتها؟ وما هو سبيل إنهاء هذا الواقع الآن؟
تُرجع سوسن أبو زين الدين، الباحثة المختصة بقضايا التنمية العمرانية والتخطيط التكاملي الاستراتيجي، المشكلة إلى وجود خلل بنيوي في سياسات التخطيط العمراني، أدى إلى لجوء السكان إلى العشوائيات كحلول سكنيةٍ بديلة، فغالباً ما يجري التعامل مع المخططات التنظيمية للمدن من منظور استثماري لا يضع في الحسبان الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية للسكان. وهذا النهج يُركّز على العائدات المادية واستقطاب رؤوس الأموال، متجاهلاً في كثير من الأحيان واقع الأهالي واحتياجاتهم الفعليّة، الأمر الذي يؤدي إلى تهميش شرائح واسعة من المجتمع ويُهدد استقرارها المعيشي والاجتماعي. كما أن العقلية الاستثمارية القائمة على حسابات الربح والخسارة لا تؤثر في السكان وحدهم، بل تنعكس بشكل مباشر على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
كيف سكن الناس شمال السكة؟
على إثر استملاك هذه الأراضي عام 1974، وفي ظلِّ عدم تناسب التعويض المدفوع آنذاك من الحكومة مع قيمة الضرر الواقع على المالكين (عشرة قروش للمتر الواحد)، ورفض آخرين للتعويض، بادر مالكو هذه الأراضي إلى بيع ما لم تَشغَله الحكومة من أراضيهم المُستملكة، وفق نظام «بيع العرب»، وهو بيع عُرفي، يضمن فيه البائع للمشتري عدم تعرُّض الجوار أو الورثة له، لكن لا يُعفيه من المساءلة القانونية أمام السلطات، وبذلك، يُخلي البائع مسؤوليته منذ لحظة البيع، وتبقى على المشتري مسؤوليةُ تدبّرأمره مع الدولة. وهنا يلجأ المشترون إلى البناء فوراً على هذه الأراضي، كنوع من فرض أمر واقع، وفي حال إجراء كشوف ميدانية من البلدية أو سواها من الجهات الحكوميّة، تُدفع الرشاوى لغض النظر.
عام 1978، سكن محمد علي الجاسم، وكان ابن خمسة أعوام حينها، مع عائلته شمال السكة. وذلك بعد عودتهم من ريف القامشلي بمحافظة الحسكة، إذ كانوا ممّن غُمرِت بيوتهم وأراضيهم جراء بناء سد الفرات. «لم نستطع التأقلم في ريف الحسكة، فعدنا إلى الرقة»يقول محمد. وقد سكنوا في هذه المنطقة لمجاورة أقارب لهم ممن سكنوا قبلهم بثلاث أو أربع سنوات. ويُضيف أن والده اشترى الأرض التي أُقيم عليها بيتهم الحالي من أحد المالكين، وكانت أرضاً زراعية مساحتها 360 متراً مربعاً، بسعر نصف ليرة سورية للمتر الواحد، في حين كان سعر المتر في منطقة جنوب السكة وقتذاك يتراوح بين 2 – 2.5 ليرة سورية.
يذكُر العديد من السكان القدامى في المنطقة أن شبكة المياه وصلت في أواخر عام 1985، وأنهم بدأوا بتركيب العدادات عام 1988، أمّا الكهرباء فدخلت عام 1992، وكانوا قبلها يعتمدون على «اللوكس» (فوانيس الكاز) في الإضاءة، وينقلون الماء بالبيدونات من البيوت الموجودة جنوب سكة القطار.
يُحدّثني أحد مواليد عام 1990 أنه درس في مدرسة أبي جعفر المنصور بين عامي 1996 – 1999، ووقتها كانت المدرسة عبارة عن غرف مسبقة الصنع، موزعة في موقعين: الأول قرب المطار الزراعي، ويضم الصفوف الأول والثاني والثالث، أمّا الثاني فكان مقابل ما يُعرف حالياً بجسر المشاة الأول، ويضمُّ الصفوف الرابع والخامس والسادس. وكانت إدارة المدرسة ضمن أحد بيوت الحي، بعد أن استأجرته مديرية التربية. ويُضيف أنه درس مادة التربية الزراعية، لأن المدرسة كانت ريفية في تلك الأيام، في حين أن رفاقه المُقيمين جنوب السكة درسوا في مدارس حضرية ذات أبنية طابقية لا تُدرِّس التربية الزراعية.
فئة أخرى من القاطنين، هم مالكون بموجب قرارات صادرة عن المكتب التنفيذي لمحافظة الرقة ومجلس مدينة الرقة في أعوام 1993، 1997، 2010، ذلك تعويضاً عن منازلهم التي هُدِمت بغرض تشييد أبنية حكوميّة في مواقع نادي الفروسية، ومثلث البانوراما (مديرية البيئة والصحة حالياً)، وشارع الانتفاضة، على الترتيب. وقد عُوِّض هؤلاء بمقاسم سكنية شرقي دوار حزيمة، مساحتها 300 متر مربع لمتضرري نادي الفروسية ومثلث البانوراما، و150 متراً مربعاً لمتضرري حيّ الانتفاضة. وما هو جدير بالذكر هنا أنّ ما يُثبت ملكية متضرري نادي الفروسية ومثلث البانوراما هو قرار الموافقة على التعويض، ومحضر توزيع المقاسم، ومخططات توجيهية، في حين أن متضرريّ حي الانتفاضة يملكون عقود بيع بينهم وبين مجلس مدينة الرقة، ما يعني أن ملكيتهم تستند إلى إطار قانوني أكثر إحكاماً.
وفي السياق ذاته، يوجد مالكون بموجب بيانات قيد عقارية صادرة عن مديرية المصالح العقارية في الرقة، ومنهم مالكو المقاسم الخاصة بنقابة عمال العتالة وموظفي المؤسسة العامة لحوض الفرات، الواقعة بجوار مجفف الذرة الصفراء.
وتضم المنطقة أيضاً أصحاب محاضر التسليم المؤقتة، وهي مستندات بدأت مديرية الزراعة في الرقة منحها منذ عام 2001، بناءً على قرار القيادة القطريّة رقم 83 الصادر بتاريخ 16-12-2000، والقاضي بتوزيع أراضي مزارع الدولة، ومن ضمنها المشروع الرائد في الرقة، الذي كان يضم 17 مزرعةً، هي: اليمامة، الأندلس، الرشيد، الأنصار، العدنانية، يعرب، ربيعة، القحطانية، غرناطة، نجد، حطين، الأسدية، بدر، القادسية، مضر، المحمدية، الغسانية. كما نص القرار على احتفاظ وزارة الزراعة بما تحتاج إليه من منشآت ومساكن وأراضٍ، بنسبة 10 بالمئة من المساحة الإجمالية لأراضي المشروع، ما يعني أن عملية التوزيع لا تشمل كل أراضي المشروع الرائد.
وقتها، وُزِّعت الأراضي على عدة فئات، هي: أصحاب الحقوق (المالكون الأصليون لهذه الأراضي – المنتفعون بها)؛ والعاملون بالمشاركة المقيمون في المزارع؛ والعاملون بالمشاركة من غير المقيمين بالمزارع؛ والعمال الزراعيون المقيمون في المزارع؛ والعمال الزراعيون من غير المقيمين في المزارع؛ والفنيون الزراعيون من العاملين في المزارع في حال استقالتهم وتوفّر مساحات فائضة عن الاستحقاقات السابقة.
وعليه، وُزِّعت أراضٍ زراعيّة، مساحة كلٍّ منها 30 دونماً، على المستفيدين، بموجب محاضر تسليم مؤقتة تتضمن معلومات واضحة عن موقع الأرض، يُبَين فيها اسم المزرعة، ورقم الحقل، ورقم القناة، كما يُعطَى المستفيد مخططاً كروكياً يوضح حدود أرضه.
قانونياً، يُمنع البناء في هذه المحاضر لكونها أراضيَ زراعيةً، كما يُحظَر بيعها أو شراؤها، إلا بعد حصول المستفيد على سند ملكية رسميّ. وكان من المخطط نقل ملكية هذه الأراضي من مديرية الزراعة إلى مديرية المصالح العقارية، بهدف منحها أرقاماً عقارية وتحويل ملكيتها إلى سندات تمليك، إلا أن هذا الإجراء لم يُنفَّذ حتى تاريخه؛ بسبب عدم انتهاء لجنة توزيع أراضي المشروع الرائد من أعمالها، وخروج محافظة الرقة عن سيطرة النظام منذ آذار (مارس) 2013.
ومنذ تاريخ استلام هذه المحاضر، بادر كثير من المستفيدين – على اختلاف فئاتهم – إلى بيع الأراضي المشمول بها، كاملةً أو مجزأة، لعدم رغبتهم في ممارسة العمل الزراعيّ. وفي حالات أخرى، تحولت هذه الأراضي بعد وفاة المستفيد الأصلي إلى محل نزاع بين الورثة، فكان بيعها أحد الحلول التي لجؤوا إليها.
وتُجرى عمليات البيع هذه بموجب عقود عرفية، الأمر الذي يترتب عليه عدم انتقال ملكية المحضر إلى المشتري، وبقاؤه باسم المستفيد الأصلي في مديرية الزراعة. ولضمان عدم إنكار هذه البيوع مستقبلاً بين الطرفين، تُثبَّت هذه العقود لدى محكمة البداية المدنية أو محكمة الصلح المدني. وهو إجراء يُثبِت واقعة البيع بين الطرفين؛ أي أنه إثبات يحمي المشتري ويضمن حقّه لدى البائع، وليس وثيقة رسميّة يُمكنه بموجبها تثبيت الملكية على الوضع القائم أو الاحتجاج بها أمام السلطات. ويُراد من هذا الإجراء – عدا إثبات واقعة البيع – تمكين المشتري تثبت الملكية عندما تسمح الظروف القانونية بذلك.
ومع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على محافظة الرقة في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، بدأ العديد من المستفيدين أو مشتري هذه المحاضر بالبناء على الأراضي المُثبتة فيها. يقول مالك خضر الشحاذة، رئيس لجنة حي شمال السكة: «ازداد عدد البيوت بشكل ملحوظ بعد سيطرةقوات سوريا الديمقراطية، وذلك بسبب حالة الاستقرار النسبي التي سادت، كما أن توافد موجات النزوح إلى المنطقة، وما ترافق معهمن زيادة في الطلب على السكن، إلى جانب رُخص الأسعار في المنطقة، جميعها عوامل ساعدت في تنشيط حركة بناء العقارات وشرائها فيها». ويُضيف أن عدد المنازل المبنيّة على أراضي محاضر التسليم المؤقتة يبلغ حوالي 1000 منزل.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قسماً كبيراً من محاضر التسليم هذه يقع ضمن مزرعتي الأسدية وحطين، المتصلتين مع الأطراف الشماليّة لحيَّي البعث والأندلس، وقد أدّت كثافة البناء ضمن محاضر التسليم في هاتين المزرعتين إلى تحوّلهما تدريجياً إلى امتداد سكني لمنطقة شمال السكة.
ثمة أيضاً عاملٌ آخر تسبّب بزيادة البناء والسكن في منطقة شمال السكة، وهو صدور موافقة اللجنة الإقليمية الفنية العليا في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على المخطط التنظيمي الجديد لمدينة الرقة في تموز (يوليو) 2021، والذي ضُمّت بموجبه المنطقة الممتدة من دوار الصوامع حتى دوار حزيمة (جزء من حي البعث) إلى المخطط التنظيمي. وقد سهّل ذلك عملية البناء في هذه المنطقة عبر استصدار رخص البناء، مما أدى إلى زيادة عدد الأبنية والمنشآت فيها بشكل واضح.

صور أقمار صناعية للمنطقة في أعوام 2013 – 2017 – 2026 توضح الزيادة في عدد الأبنية في شمال السكة و تداخلها مع مزرعتي حطين و الأسدية. شمال السكة الآن
وفقاً لمالك خضر الشحاذة، رئيس لجنة حي شمال السكة، تضمّ المنطقة ما يُقارب 3200 منزل، تستحوذ الأبنية ذات الطابق الواحد (أحواش أو بيوت عربية كما تُسمّى محلياً) على ما نسبته 90 بالمئة منها، في حين تشغل الأبنية الطابقية 10 بالمئة من مجمل المنازل. وفي منازلهم يقوم الأهالي بزراعة الخضروات (بقجة)، ومنهم من يربي الدجاج أو الغنم بأعداد قليلة، فغالبيتهم لا يزال يحمل بساطة الريف ويتمسك بها كجزءٍ من هويته.
تتدرج مساحات البيوت في هذه المنطقة من 100 متر مربع وصولاً إلى 1000 متر مربع (تكون وفق نظام مزرعة)، إلا أن متوسط المساحات يتراوح بين (200 و 350) متراً مربعاً. وتختلف أسعارها بحسب موقعها من الشارع العام؛ فكلما ابتعدنا عن الشارع العام واتَّجهنا شمالاً، انخفض السعر. ويتراوح سعر المتر المربع بين 30 و300 دولار أميركي بحسب الموقع والوضع القانوني. كما تعد المنطقة الواقعة شرقي دوار حزيمة أغلى سعراً وأنشط عقارياً من المنطقة الواقعة غربي الدوار، لأنّ بناءها أكثر تنظيماً، وهي أقرب إلى مركز المدينة، ومخدّمة بالصرف الصحي، إذ ضُمَّت إلى المخطط التنظيمي خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية عام 2021.
أمّا شوارعها، فهي بالمجمل ترابية، ويعاني أهلها صيفاً من الغبار، وشتاءً من غرقها في مستنقعات الأوحال إذا ما هطلت الأمطار. كما أنها تتفاوت في عرضها بين خمسة أمتار واثنين وثلاثين متراً في بعضها، ولعل أبرز الأماكن التي تُجسّد العشوائيات هي الحارات المجاورة لمدرسة أبيجعفر المنصور، الواقعة قرب المطار الزراعي.
ويسكنها خليط من عرب وكرد، فحيُّ الأكراد الواقع قرب مجفف الذرة الصفراء، يُعدّ أكبر تجمع سكني للكرد في المدينة، حتى أنّ عيد نوروز في كل عام كان يقام شمال السكة. إلى جانب الكرد، يُشكّل المغمورون نسبة وازنة من عرب المنطقة. وإضافةً إلى ما سبق، يوجد نازحون من عفرين ورأس العين وتل أبيض ودير الزور وحمص وحماة، حتى إنها كانت وتزال ملاذاً آمناً للقرباط.
ويُلاحظ في المنطقة نشاط تجاري متنوع، يتمثّل في عشرات المحال التجارية من بقاليات، ومطاعم، وورشات تصليح سيارات، ومعارض سيارات، ومكاتب عقارية، وخياطين، إضافةً إلى مستودعات توزيع كبيرة لشركات غذائية، ومعمل بطاطا شيبس، ومعامل ثلج، وأخرى لتصنيع بلوك البناء، وعشر صيدليات، وستة مساجد، وثلاثة مخابز، ومحطتي وقود.
أيضاً، تضم المنطقة مؤسسات حكوميّة عديدة، منها صوامع الحبوب، ومديرية النقل، وكراج الانطلاق الشمالي، ومستوصف، ومكتب الدور، ومجفف الذرة الصفراء، ومستودع المؤسسة الاستهلاكية، والمعهد الصناعي، وكليتا الزراعة والصيدلة، فضلاً عن أربع مدارس.
ما الذي استجد بعد سقوط النظام؟
تفيد العديد من المصادر المحلية أنّ محاضر تسليم مؤقتة تحمل تواريخ حديثة بدأت تُتداول بين الناس منذ منتصف عام 2022، واستمر تداولها حتى سقوط النظام نهاية عام 2024. مما تسبب في تنشيط حركة البيع والشراء بشكلٍ ملحوظ ، كما أن هذه المحاضر كانت تُطرَح بأسعار أقل من المتعارف عليه، بغرض الترغيب في شرائها. وتبين لاحقاً، بعد سقوط النظام، أنّ هذه المحاضر مزورة، ولا تحمل أي قيود رسميّة في سجلات مديرية الزراعة، فضلاً عن أن غالبيتها يقع ضمن أراضي أملاك الدولة المشغولة (غير مشمولة بالتوزيع)، أشهرها موقع النخيل، والمطار الزراعي، والفرقة 17 العسكرية. وقد كانت هذه العملية تجري عبر منظومة فساد متكاملة، تضم قيادات من قوات سوريا الديمقراطية، وموظفين في مديرية الزراعة التابعة للنظام البائد، وتجار عقارات من أهالي المنطقة.
وفي صيف عام 2024، أقدم بعض القادة العسكريين في قوات سوريا الديمقراطية على اقتلاع أشجار النخيل من موقع النخيل (جزء من الحقل /2-2/ على القناة nr6 في مزرعة حطين)، وهو أحد مواقع المشروع الرائد التي لم تُوَزعها مديرية زراعة الرقة. وبعد اقتلاع الأشجار، رُدِم هذا الحقل، ثم جرى تقسيمه إلى مقاسم بِيعَت، وأُقيمت عليها العديد من المنازل والمنشآت.
لاحقاً، وبعد سيطرة الحكومة الانتقاليّة السورية على محافظة الرقة في 18 كانون الثاني (يناير) 2026، هدم مجلس مدينة الرقة بعض هذه التجاوزات باعتبارها تعديات على أملاك حكوميّة، كما أبلغ أصحاب العديد من هذه المخالفات بضرورة إزالتها.
صور أقمار صناعية لحقل النخيل ماذا يريد أهالي شمال السكة؟
لا شك في أنّ ضم منطقة شمال السكة إلى لمخطط التنظيمي وإعادة ترتيبها على أسس عمرانية صحيحة، هو مطلب لمعظم أهاليها، وهو أيضاً يتقاطع مع رؤية المحافظة ومجلس مدينة الرقة، كما أنه يصب في مصلحة المدينة ككل؛ بحكم أن ضم مناطق جديدة إلى المخطط التنظيمي سيُخفف الضغط الحاصل على المناطق التي يتركز فيها العمران حالياً، ويزيد مساحة المناطق المخصصة للبناء على مستوى المدينة، وبالتالي تُصبح أسعار البيوت والعقارات أكثر عقلانية. إذاً أين الخلاف؟
يكمن الخلاف في كيفية تنفيذ ذلك، فبحسب ما عرضه محافظ الرقة في لقائه مع منصة سوريا الآن، تقوم رؤية المحافظة على نقل أهالي حي شمال السكة إلى شقق سكنية جاهزة في موقع التعمير، مع سندات تمليك تثبت ملكيتهم للشقق. وفي حال رغبتهم في العودة بعد انتهاء المشروع، فسيكون بإمكانهم ذلك، لكن من خلال شراء مساكن جديدة ضمن المشروع.
إلا أنّ المحافظ عاد وطرح رؤية مختلفة خلال لقائه التلفزيوني مع تلفزيون سوريا، تقوم على نقل ما يقارب 2000 عائلة إلى موقع التعمير، مع تعويض ما تبقى (بحدود 1200 عائلة كون العدد الكلي 3200) بشقق سكنية ضمن الحي نفسه بعد إنجاز المشروع ، مع التأكيد أن الكل سيحصل على سندات تمليك.
وهذا ما يشير إلى وجود تباين في مصير الأهالي، فبينما يشير الطرح الأول إلى نقل كل الأهالي واشتراط العودة بالشراء، يتضح من الطرح الثاني أن النقل سيشمل ما يقارب الثلثين ، فيما يعوض الثلث المتبقي من الأهالي ضمن المشروع نفسه بعد الانتهاء منه.
إلا أنّ هذين الطرحين لم يلقيا أذاناً صاغية لدى الأهالي، فالتعويض بشقة من وجهة نظرهم، مجحف، ولا يُلبي الطموحات ولا الاحتياجات. فالحل، وفق رؤيتهم يقوم على أن تُضم المنطقة إلى المخطط التنظيمي، مع اقتطاع ما يلزم اقتطاعه من بيوتهم في سياق التنظيم (فتح الشوارع وتنظيمها، إنشاء مدارس والحدائق وأماكن محولات كهربائية،…إلخ)، يلي ذلك دفعهم للرسوم المترتبة عليهم جراء المصالحة، وبعدها يبقى ما تبقى من بيوتهم كمقاسم بسندات تمليك رسميّة، على غرار ما حصل أثناء ضم منطقة رميلة (حي تشرين) إلى المخطط التنظيمي. ويبرّر الأهالي وجهة النظر هذه من منطلق أن المقاسم تُتيح لهم هامشاً للتوسّع في البناء والاستثمار أكبر من الشقق التي تعد ملكية محدودة.
يقول أحمد البحري، أحد سكان الحي، إن التنظيم، وإن اقتطع جزءاً من بيته وقلَّت مساحة عقاره الإجمالية، إلا أن ذلك سيرفع من ثمن ما تبقى، وسيتيح له ذلك مستقبلاً مشاركة مستثمر عقاريّ يقوم بتطويره وبنائه طابقياً،على أن تكون حصته نصف شقق البناء المُشيّد، الأمر الذي يتيح له إسكان أبنائه أو الاعتياش من ريع هذه الشقق، وهو ما يراه خياراً أفضل من الحصول على شقة جاهزة.
وهذا يصطدم برؤية المحافظة؛ بحكم أن الجهة المنفذة لهذا المشروع هي شركة استثمارية، وبالتالي فإن العائد المالي والجدوى الاقتصادية هما أول ما يوضع في الحسبان لديها.
فريقٌ آخر من الأهالي يتساءل عن الضمانات لتنفيذ هذه الوعود والإيفاء بها، لا سيما وأن قضايا الإسكان والتعويضات المرتبطة به تعد من أكثر القضايا شيوعاً في سوريا، حيث مازال السكان يعانون من تبعات هذه القضايا حتى الآن كما هو الحال في مشروعي ماروتا سيتي وباسيليا سيتي. كما أن الفترة الزمنية المقترحة لتنفيذ المشروع، والمقدرة بخمس سنوات، تُشكِّل عامل قلق إضافياً لدى الأهالي، وتفتح الباب أمام احتمال ظهور عوائق سياسية أو اقتصادية أو إدارية تجعل من الاستمرار في تنفيذ المشروع غيرممكن. يضاف إلى ذلك، غياب المعلومات حول الشركة المنفّذة ومدى قدرتها على تخطيط مثل هذه المشاريع وتنفيذها، الأمر الذي يقوّض الشفافية، ويُشكّل عامل قلق أيضاً لدى الأهالي، ويُثير الشكوك حول مدى نجاح المشروع.
كما أن التعويض يستوجب منهج عمل متكاملاً يأخذ في الحسبان التناسب بين حجم الخسارة وقيمة التعويض، بحيث لا يكون موحداً أو شكليّاً، فالحالات هنا مختلفة لاختلاف مواقع المنازل ومساحاتها ومواصفاتها ووضعها القانوني. وهذا غير موضح – على الأقل حتى الآن – في طريقة عرض المحافظة التي اكتفت بالقول «إننا سنعوضكم بشقق جاهزة» دون أي توضيحات إضافيّة.
يقول عمار عزوز، الدكتور والمحاضر في الهندسة المعمارية في جامعة أكسفورد: «إنّ أولوية المشاريع السكنية في مراحل ما بعد الحروب يجب أن تنطلق من مفهوم التعافي الحضري، الذي لا يتحقق دون وضع السكان في صلب العملية التخطيطية، وضمان عدم تهميشهم أو اتخاذ قرارات مصيرية بالنيابة عنهم. فالمشاريع التي تُقترح دون إشراك المجتمعات المحلية، أو دون مراعاة احتياجاتها الاجتماعية والثقافية، تُشكِّل حلقات جديدة من الإقصاء والتهميش، وتحرم السكان المعنيين من حقهم في تشكيل مدينتهم».
ويُضيف: «قد تفشل هذه المشاريع اللمّاعة في تحقيق وعودها. فالفشل في هذا السياق لا يعني خسارة استثمار فحسب، بل تغيّراً جذريّاً في حياة الأفراد والعائلات التي هدمت بيوتها وهُجِّرت، وانقطاعاً قسرياً عن بيئاتهم الاجتماعية التي هي حوامل للذاكرة و جزء أصيل من هويتهم الجماعية. هل نحن اليوم بحاجة إلى دوامات جديدة من التدمير والتهجير؟».
يتضح من سياق ما سبق أن تنظيم شمال السكة هو مطلب شعبي وحكومي مشترك، تفرضه اعتبارات التخطيط العمراني وحالة عدم الاستقرار التي سئمها أهالي المنطقة. غير أنّ تعدُد الملكيات والحيازات فيها، يجعل من السياق القانوني والتنظيمي والاجتماعي لها أكثر تعقيداً. ولذلك، لا يمكن المضي في مثل هذه المشاريع بمنطق القرارات الأحادية الجانب، بل يتطلب نهجاً تشاركيّاً مدروساً، ضمن إطار واضح يحدد الأدوار والمسؤوليات بين أصحاب المصلحة.
وهنا، لا يُصبح النقاش العام ترفاً أو رفاهيّة، بل مساراً يُنتج فيه أصحاب المصلحة، مجتمعين، حداً أعلى من التوافقات التي تُحصّن المشروع أمام أي مطبات مستقبلية، وتُضفي عليه مشروعيّة مجتمعية تضمن سلامة تنفيذه، وتؤسس لحالة ثقة مستدامة بين المجتمعات والسلطة.
فالنقاش أداة ضرورية في استباق المخاطر غير الظاهرة للعيان، والتي ربما تصبح عوائق أو عقبات لاحقاً. ومن خلاله تتبدَّد المخاوف وتُحمى الحقوق، وتتحقَّق العدالة الاجتماعيّة، كما أن المراد من مشاريع الإسكان والتوسّع العمرانيّ ليس البناء وتحقيق المكاسب فحسب، بل إنتاج الاستقرار وقطع الطريق أمام التوترات والنزاعات التي قد تبقى خامدة طويلاً، لكنها سرعان ما تشتعل مع أول هبوب رياح.
-