
روائي وصحفي
عام 1988 وفدت إلى دمشق قادماً من مدينتي البوكمال القابعة في أقصى الشرق، للدراسة في كلية الآداب، لم تكن دمشق غريبة كلياً، لكن انتقالي إلى جامعتها العريقة، وضعني في قلبها، في قلب تناقضاتها، ويومياتها، وشعوبها المختلفة. وحين أقول شعوبها المختلفة، فلن يكون في الأمر أي نوع من المبالغة، لشاب قادم من بيئة بسيطة غير معقدة، ومن مدينة مهملة، تتعرف على العالم من خلال شاشة التلفزيون الحكومي لا أكثر.
فالبوكمال ليست مدينة سياحية يزورها الآخرون، وليست مدينة ساحلية يقصدها المصطافون، ورغم أنها مدينة حدودية إلا أن الحدود المقفلة بين سوريا وبين العراق، إبان حقبة القطيعة بين النظامين البعثيين في كلا البلدين، جعل منها مدينة مغلقة كلياً.
وكعادة أي غريب، بحثت عمن يشبهني من دون دليل جاهز أحمله بين يدي، فوجدتني أميل إلى “الجزراويين”، هكذا نسمي أنفسنا نحن أبناء الجزيرة السورية، التي صار يطلق عليها هذه الأيام، تسمية “شمال شرق سوريا”، ديريين وحسكاويين ورقاويين. هكذا تجمعنا، وشيئاً فشيئاً، شكلنا تجمعاً صغيراً خاصاً بنا، نتحدث لهجاتنا من دون أن نشعر بحرج، لأن الآخرين لا يفهمون علينا، ونتبادل النكات ونضحك عليها. كنا من دون أي ترتيب عرباً وكرداً وآشوريين، يجمعنا فقر الحال، مهما حاولنا أن نتظاهر عكس ذلك، وفقر الحال لم يكن بمعناه المادي، لكنه كان جهل الآخرين بنا، فلم يكن غريباً أن يسألك زميل لك عما إذا كنت تعيش في خيمة من حيث جئت، أو إذا ما كان أهلك من البدو الرحل، مثلاً.
في تلك السنة، تعرفت على “الأكراد”، بشكل حقيقي. في البوكمال كان ثمة عائلات كردية، أحد أبنائها واحد من أبرع عازفي العود الذين رأيتهم في حياتي، وهو ملحن وفنان مبدع، لكنه كان بوكمالياً بالنسبة لي، ولم يكن كردياً، لكن أن تلتقي الكردي القادم من حيث يقيم الكرد، من حيث يدفنون آلامهم وأحلامهم، وأسماءهم، لأن بعض موظفي النفوس كانوا يرفضون أن يطلق الكرد أسماء كردية على أبنائهم، فهذه كانت المرة الأولى بالنسبة لي؛ أنا الذي نشأت على أفكار يسارية، وحفظت عن ظهر قلب أغنيات الحرية، و العدالة و السلام.
قال لي صديقي حسين الكردي القادم من المالكية إن اسمه في البيت هو شيرو، لكن حسين هو اسمه في الدولة، ساعتها شعرت بالمرارة، لماذا لا يحق له أن يحمل اسمه الحقيقي؟
ربما وقتها بدأت أهتم أكثر بالمسألة الكردية، واعتبرتها جزءاً من نضال شخصي بالنسبة لي، أقله هكذا أقنعت نفسي، في بلد كان محكوماً بقبضة أمنية، لا يستطيع الواحد فيها أن يناضل، سوى لتأمين لقمة عيشه، تعلمت بعض المفردات الكردية، و صرت أرددها: روج باش، سباس، سرجافا.
عام 2004 وخلال الانتفاضة الكردية، التي بدأت في الجزيرة وامتدت إلى بعض مناطق دمشق، وقعت علي كالصاعقة جملة قالها زميل في العمل في وزارة الإعلام آنذاك، خلال حديثنا عما يحدث: هؤلاء يلزمهم حافظ الأسد، يؤدبهم مثلما أدب أهل حماة.
شعرت بهول تلك الجملة، ووحشيتها، فلم أتمالك نفسي، ولم أستطع الصمت، أذكر وقتها أني قلت كلاماً قاسياً، لكني لم أكن أعلم أن ذلك الكلام سوف يوصلني في اليوم التالي إلى فرع الأمن السياسي، حيث خضعت لتحقيق مطول، من قبل ضابط، سألني عن علاقتي بالكرد، وفيما إذا كنت أنسق معهم في دمشق، لم يكن لنفي اتهاماته معنى، والحقيقة أن الضابط قرر عدم توقيفي، لكنه اكتفى بتهديدي، وقال لي حرفياً: هذه فركة إذن.
خلال سنوات الثورة، لم يغب الكرد عن مشهدها منذ يومها الأول من عامودا إلى عفرين، وإلى ركن الدين، كما لم يكن مشعل التمو رجلاً عابراً في مسيرة الثورة في بداياتها، وكانت جمعة آزادي رداً عظيماً من الشعب السوري، على محاولات النظام البائد السخيفة لاستمالة الكرد إلى طرفه، باعتباره حامياً لمن يسميهم الأقليات، وقال الكرد: نحن لسنا أقلية، نحن سوريون، قبل أي شيء.
لكن شيئاً ما تغير بعد ذلك، ليس لدى الكرد وحدهم، بل لدى السوريين كلهم، وجدنا أنفسنا، نبتعد عن مركز فكرة الثورة وثقلها، ونتبدد تباعاً، بنزعات مختلفة، في ظل وحشية النظام البائد، ودخول منظمات دولية، وأفكار مختلفة، ومشاريع بدأت تنشأ هنا وهناك، من بينها ما بات يعرف لاحقاً باسم “الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا” التي هيمنت مدعومة بطيران التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، على ثلاث محافظات رئيسة في البلاد، هي الرقة والحسكة ودير الزور.
وبرز الذراع العسكري لذلك المشروع كقوة مهابة، ويبدو أن حالة التشتت دفعت الكثيرين للتمسك بذلك المشروع باعتباره خلاصاً، في وقت كان اليأس قد غلب الكثيرين، فاعتقدوا أن الثورة فشلت، وأن سوريا آيلة للتقسيم لا محالة، وخاصة حين بدا أن النظام البائد بدأ يستعيد ثقته بنفسه، بعد الدعم الروسي الهائل له، والذي مكّنه من استعادة السيطرة على مناطق كثيرة، فيما بدت المناطق التي تسيطر عليها “قسد” وكأنها خارج الحسابات كلها.
ففي الوقت الذي كانت الحمم والبراميل المتفجرة تنهال على إدلب ومناطق الشمال السوري المحرر، باعتبارها آخر قلاع الثورة، كانت تلك المناطق تنعم بالهدوء، ظاهرياً على الأقل، وقد ظلت كذلك حتى في أعقاب إسقاط النظام، ففيما كانت المدن السورية كافة تحتفل بالتحرير، لم تسمح قسد للمواطنين بإظهار فرحهم.
لن أستطرد في حديث تاريخي بات يعلمه الجميع، لكني شخصياً استقبلت توقيع اتفاق العاشر من آذار بفرح كبير، لأني كنت أعتبر نفسي، ومازلت، نصف كردي، وفاء لقضية دافعت عنها طيلة سنوات عمري، لكن الاتفاق ظل حبراً على ورق.
للأسف، ماطلت قسد محاولة كسب الوقت، ولا أدري ما الذي كانت تراهن عليه، سوى أنها كانت تؤمل نفسها بأن تفشل الدولة السورية الجديدة، رغم أن المعطيات كلها كانت تشير إلى أن الدولة في طريقها للنجاح، مشفوعة بدعم عربي وإقليمي ودولي، وقاعدة شعبية تكبر يوماً بعد يوم. واستمرت المماطلة حتى بدا أننا وصلنا إلى حالة استعصاء، لا حل لها.
ولكن، حين أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم 13، والذي يشكل خطوة استثنائية في التاريخ السوري، بحيث يعيد للكرد حقوقهم التي حرموا منها على مدى عقود، توقعت، بسذاجة، أن هذا المرسوم سوف يسد الذرائع كلها، فكتبت على صفحتي الشخصية على الفيسبوك، تهنئة من القلب لأهلنا الكرد، لكن تهنئتي تلك قوبلت بعاصفة من ردود غاضبة، من أصدقاء كرد أعلم أنهم ميالون إلى قسد، فاضطررت لحذف التهنئة، والاعتذار عنها. أحد التعليقات الغاضبة على منشوري كانت لشاب يضع علم قسد صورة شخصية له، وهو حر طبعاً، كتب: إذا كنتم تعتقدون بأنني ساذج لأخدع بهذا المرسوم، فأنا لست كردياً، بل أنا قسدي، فهل تغلب الأيديولوجيا الوطنية؟
لست متحاملاً على قسد، فأنا أفهم الظرف الذي وجدت فيه، وربما كنت في وقت ما ألتمس العذر لبقائها، لكن ما هو مبرر عنادها، ومحاولاتها إفشال تجربة سورية، نتمنى جميعاً أن تتقدم إلى الأمام، فقد تعبت سوريا وتعب السوريون كثيراً، وآن لهم أن يستريحوا؟، هل هي فعلاً تناضل لأجل حقوق الكرد؟