يعرف السوريون جيدًا جرائم نظام الأسد البائد وسجن صيدنايا سيء الصيت، الذي ما زالت دماء المعتقلين والشهداء تحت التعذيب على جدرانه الرطبة، وزنازينه، وغرف الموت والإعدام والملح فيه، وما زالت صرخاتهم وآهاتهم المتعبة تدوّي بين أرجائه الموحشة القاسية، بعد أن انتُهكت أرواحهم وأجسادهم وأعمارهم على يد الجلادين العسكر الماضين دائمًا إلى القتل والمذابح بدم بارد بلا تردد أو شفقة.
تابع المشاهدون في أنحاء مختلفة من العالم عملًا دراميًا سوريًا في الموسم الرمضاني الفائت تحت عنوان “الخروج إلى البئر” يحكي عن هذا السجن، والاستعصاء الشهير الدامي الذي قام به السجناء السياسيون الإسلاميون، وانتهى بمجزرة في تموز/ يوليو عام 2008، بالاعتماد على شهادات حيّة عاش أصحابها لسنوات طويلة بين الأقبية وظلام الزنازين والموت، وعلى الخيال أيضًا الذي يدعم ويخدم الحكاية الحقيقية. وقد كان هذا العمل، برأيي، بطل الدراما بلا منازع لهذا العام، ومن أهم المسلسلات التي عُرضت إن لم يكن أفضلها على الإطلاق.
يفضح الظلم والقمع والإرهاب الذي تعرض له السجناء، ويغوص في تفاصيل إنسانية واجتماعية عميقة، كاشفًا أسرارًا سوداء وحقائق صادمة عن أكثر الأنظمة إجرامًا في العصر الحديث.
المسلسل من تأليف سامر رضوان، الكاتب الذي قدم أبرز الأعمال الدرامية السورية خلال سنوات (ابتسم أيها الجنرال؛ الولادة من الخاصرة؛ لعنة الطين؛ دقيقة صمت)، وإخراج الأردني محمد لطفي، وبطولة مجموعة من الفنانين السوريين، منهم: جمال سليمان، وعبد الحكيم قطيفان، ومازن الناطور، وكارمن لبّس، وواحة الراهب، ونضال نجم، وقاسم ملحو، وخالد شباط، ومصطفى سعد الدين، وغطفان غنوم، ونانسي خوري، وغيرهم. إضافة إلى فنانين عراقيين منهم: جواد الشكرجي، وباسم قهار. والمسلسل من إنتاج شركة ميتافورا للإنتاج الفني.
تدور حلقاته الأولى بين عامي 2005 و2008، ويشكل سجن صيدنايا واستعصاؤه الشهير مسرحًا للجزء الأكثر سخونة ودراماتيكية فيه. تبدأ الحكاية من تمرد السجناء على إدارة السجن والانتهاكات التي يتعرضون لها يوميًا، وعلى غياب حقوقهم بالكامل، فيسيطرون على المكان ويعتقلون عددًا من حراسه وأمنه كرهائن، ويقتلون أحد الضباط المجرمين في مرحلة حساسة كان نظام الأسد المخلوع فيها يسعى لتجميل صورته وقلب الحقائق، واختراع الأكاذيب مع قرب انعقاد مؤتمر القمة العربية بدمشق، وأمام هذا التحدي يقرر رئيس شعبة المخابرات العامة اللواء ناصيف بدران (عبد الحكيم قطيفان) إجراء مفاوضات مع المعتقلين كسبًا للوقت وللقضاء على هذا التمرد، وهنا تبرز شخصية سلطان الغالب (جمال سليمان) القادر على إدارة ملف التفاوض بحنكة وذكاء، هو المنتمي لتيار قومي عروبي، وسبق له أن ذهب للقتال في العراق ضد المحتل الأميركي، وانتهى به المطاف إلى سجن صيدنايا بعد اعتقاله في إحدى المدن السورية. يجد ضابط الأمن في سلطان مكسبًا لإدارة الملف الآخر المتعلق بالتواصل مع الفصائل الجهادية الإسلامية التي تقاتل الحكومة العراقية والأميركان، في صفقة يستفيد منها النظام، وذلك مقابل خروجه من السجن وعودته لعائلته. يذهب الغالب لتنفيذ المهمة، ويواجه تحديات كبيرة هناك، ولكنه ينجح في النهاية، ويعود إلى أسرته التي كانت تعتقد أنه متوفي بعد غياب أي خبر عنه لسنوات، ليجدها مفككة ومحطمة، تعيش ظروفًا معيشية صعبة، بعد أن استولى شريكه على أمواله وشركاته وأراضيه، وليجد ابنه الأكبر قد ترك الجامعة لمساعدة العائلة، وابنه الأوسط قد تحول إلى شخص متشدد وسلفي، وليجد زوجته قد تزوجت من رجل آخر. بعد ذلك، يطلب اللواء بدران منه العودة إلى السجن لتهدئة السجناء، والمساعدة في إيقاف الاستعصاء، مقابل مكتسبات له ولعائلته، فيعود مرغمًا ليكتشف أنه خُدع، وأن النظام اعتقل ولديه وزجّ بهما معه في سجن صيدنايا، بعد تعذيبهما وإهانتهما، وليتعرض لاتهامات بالخيانة من المعتقلين المختلفين بالآراء في ما بينهم، فيقرر الانتحار والعودة إلى البئر المظلم.
احترم العمل الحقائق التاريخية وآلام الناس، ودمج أزمنة مختلفة في نص ومكان واحد وشخصيات واحدة، وسلط الضوء على استبداد النظام وإرهابه وفساده، وكشف أن أجهزته كانت مهترئة ومتناقضة في ما بينها، ولكنها تملك صلاحيات واسعة لممارسة التعذيب والقتل وانتهاك حرمة المنازل والأعراض، والسرقة والنهب والاغتيالات، والعبث بأمن وسلامة دول الجوار.
تكمن قيمة هذا المسلسل في توثيقه لمرحلة كانت داخل صندوق أسود لا يمكن الاقتراب منه، وفي رصده العميق لتحول السجن إلى دولة داخل دولة، وفي انتقاده لازدواجية بعض التيارات الإسلامية داخل المعتقل، ولتشدد بعضها الذي يصل إلى حد قتل الآخر، أو سجنه وتعذيبه، بينما يقف البراغماتي والمعتدل داخله عاجزًا عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتكمن أيضًا أهمية هذا العمل في محاولته أرشفة مذبحة كبيرة تعرض لها السجناء على أيدي أجهزة النظام التي لا تكترث حتى بعناصرها، وتُلقي بهم في المجهول من دون رحمة، وفي رصده للمؤامرات التي كان يحيكها النظام ضد دول الجوار، مستخدمًا الإسلاميين، وغيرهم، من أجل مصالحه وألاعيبه.
|
|
| عبد الحكيم قطيفان وجمال سليمان وكارمن لبُّس في مسلسل “الخروج إلى البئر” |
وقد أكد النقاد أن أهم ما يُحسب للعمل واقعيته وموضوعيته التي وصلت إلى درجة أن يقدم النظام كقوة تمتلك أدوات وأذرعًا قادرة على إدارة لعبة معقدة من المصالح والتحالفات، إضافة إلى تركيزه على الجوانب الإنسانية للسجناء وعائلاتهم التي لم تسلم من بطش النظام وفساده وقمعه. وقال بعض النقاد إن هذا المسلسل من أنضج نصوص الكاتب سامر رضوان الذي قدم للدراما أعمالًا جريئة وهامة وخارج الصندوق.
والحقيقة أن نص “الخروج إلى البئر” مكتوب بحب وشغف وحرفية عالية، ومستند إلى موقف الكاتب المناهض للاستبداد وقمع الحريات واستباحة البلاد وأهلها، ودول الجوار. قدم شخصيات مركبة من لحم ودم، وتحدث عن الفقر وقلة الحيلة والخوف والرعب والانحطاط الإنساني والأخلاقي عند رجال أمن النظام ومن يواليهم، وذلك ضمن تحليل عميق وناضج لأسباب ما وصلت إليه شخصيات العمل بأسلوب غامض أحيانًا ومشوق أحيانًا أخرى.
نجح الكاتب نجاحًا متميزًا ببناء حبكة مترابطة تجمع بين الواقعية المفجعة والتشويق الدرامي، واستطاع رسم صورة للملف السياسي السوري عمومًا، ولسلطة تعمل على إبادة معارضيها، وكل من يمت لهم بصلة، من دون ذنب اقترفوه، وكان جريئًا في كشف ملفات مغلقة بمفاتيح من دم، واستطاع مع فريق العمل أن يجعلنا نعيش مع الشخصيات وكأننا نعرفها، نبكي لألمها المتواصل، ونفرح لفرحها العابر البسيط، وذلك بعد أن نبش قاع الظلام الذي فاق كل التوقعات والكوابيس. وأكد سامر رضوان في تصريح له أن العمل رواية تلفزيونية لمرحلة دقيقة مرت فيها سورية، ومقاربة لواقع التيارات الإسلامية مع النظام الأمني البائد، وشرحٌ لأسباب الرعب: “صحيح أن مرحلة الأب والابن تحتاج إلى مئات الأعمال لشرح المآسي التي خلفها النظام المستمر في تدمير البلاد منذ عقود، إلا أنه العمل الأخير الذي أتعرض فيه للشأن السياسي والاجتماعي لتلك الحقبة السوداء، وأترك الباقي للكتاب السوريين الآخرين، عساهم أن يسدوا العجز في ما قلته عن تلك المرحلة”.
كما استطاع الممثلون إبهارنا بالأداء المتقن عالي المستوى، وقدموا شخصيات لامست المشاهدين الذين صدقوها بانفعالاتها وحضورها الصامت والصاخب، ومنهم الفنان جمال سليمان، الذي جسد شخصية “سلطان الغالب”، الرجل المكسور الذي يحمل في عينيه آلام سنوات طوال، من دون مبالغة أو استعراض، وبهدوء داخلي عميق ومتقن، والذي ظهر من خلال حركة جسده المنهك، رجلًا مثقلًا بتاريخ طويل من العذاب والفقد والحنين للعائلة، ونجح في تجسيد التناقض الداخلي لهذا المعتقل الذي كان مقاتلًا شجاعًا ضد المحتل، ثم أصبح أداة بيد نظام مجرم وغادر، وقدم أيضًا مشاهد لا تُنسى مع ابنيه في السجن، ومع اللواء ناصيف، عندما اكتشف خداعه وألاعيبه، وكان وجهه في مشاهد كثيرة يثور ويتألم ويتوجع ويصرخ وينكسر من دون أن يتكلم. وصف العمل بأنه دراما إنسانية اجتماعية مشوقة، ويقدم صورة لعائلة تمزقها التحولات السياسية في إسقاط رمزي على بلد عاش انقسامات حادة واختيارات صعبة، مشددًا على أن الشخصية التي أداها شديدة التعقيد.
كما جسد الفنان عبد الحكيم قطيفان دور اللواء “ناصيف بدران” بأداء متقن ودقيق، معتمدًا على الصدق الداخلي والأبعاد النفسية للشخصية، وكانت انفعالاته المتصاعدة مع الحدث مقنعة، صدقها المشاهد وتفاعل معها بجبروتها وظلمها وألاعيبها، وقدم مشاهد لا يمكن أن تُنسى مع الفنان جمال سليمان من خلال تفاصيل مدروسة، وأداء محسوب بدقة، وقد أكد في تصريح له اعتزازه بالمشاركة في هذا العمل، مشيرًا إلى أن المسلسل يعالج ملفات حساسة وواقعية من المعتقلات السورية، التي عرفها جيدًا كسجين سياسي قضى في غياهبها سنوات طويلة.
وعمومًا، كان الأداء في أفضل حالاته، وكان الجميع نجومًا في هذا العمل، ومنهم الفنان مازن الناطور، الذي وصف العمل بأنه واحد من أضخم وأهم الإنتاجات الدرامية السورية. والفنان خالد شباط الذي جسد شخصية “فهد” المتشدد دينيًا ونجح فيها نجاحًا لافتًا، بعد أن أظهر تفاصيلها بنبرة الصوت ولغة الجسد وملامح الوجه، وأثبت مجددًا أنه من أبرز ممثلي جيله. إضافة إلى الممثل مصطفى سعد الدين، الذي جعل المشاهد يصدقه ويتعاطف معه بأدائه المتميز والعفوي البعيد عن التكلف والناضج والعميق. وقاسم ملحو الذي أدى شخصية المعتقل الإسلامي بكاريزما عالية بعيدًا عن الصخب والضجيج والمبالغات. وغطفان غنوم المتشدد السلفي، الذي أدى الدور بحرفية عالية. ونضال نجم الإسلامي المعتدل الذي استطاع أن يكون بطلًا من أبطال العمل بأدائه وحضوره اللافت. والفنانات كارمن لبّس، وواحة الراهب، ونانسي خوري، اللاتي سجلن حضورًا قويًا ومتنوعًا، والفنانين العراقيين الذين قدموا أداءً مبهرًا، ومنهم جواد الشكرجي، وباسم قهار.
واستطاع المخرج محمد لطفي أن يجعل التشويق حاضرًا في العمل رغم المآسي والوجع، وكانت الفكرة عنده هي الأساس، وليس الإبهار البصري في غير مكانه، ورغم البطء أحيانًا فقد اعتمد على التصوير الداخلي المكثف، والألوان الخافتة التي تعكس الجو العام للسجن، والاختناق والقمع، مع التركيز على التقاط انفعالات الممثلين من خلال ملامح الوجه وحركة الجسد لكشف الانهيار النفسي والمعاناة أو التحدي والقوة، وقد أكد أن هذا العمل ليس توثيقًا لما حدث، لكنه محاكاة له، وفيه قصص درامية خارج السجن، لكنها تصب كلها داخله.
انتقد بعضهم الموسيقى التصويرية التي جاءت صاخبة أكثر مما يتحمله العمل، إضافة إلى بطء التمهيد للأحداث، ووجود بعض الخطوط الدرامية غير الضرورية، وعدم تصوير الأحداث في سورية وفي سجن صيدنايا بالذات، والاكتفاء بلقطات عامة وجوية للعاصمة السورية، وهذا ما جعل بعض المشاهد تفتقد روح وتفاصيل المكان. وتوقف آخرون عند الحلقة الأخيرة، التي أنهت العمل على عجل ــ على حد قولهم ــ بعد تكثيف شديد فيها وما سبقها، وهذا جعل النهاية مفتوحة وغير واضحة.
كان “الخروج إلى البئر”، من وجهة نظري، البطل الأكثر نضجًا وجرأة في دراما رمضان 2026. كان مؤلمًا جدًا، لكنه حقيقي، يحكي عن عشرات الآلاف من السوريين الذين دفعوا أثمانًا باهظة لمعارضتهم النظام الأسدي المجرم، والذين اختفى غالبيتهم ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن، في الوقت الذي ما زال فيه السوريون يحلمون بالخروج من البئر إلى وطن يتسع للجميع.