ذي قار / حسين العامل… جريدة المدى
يحتفل أبناء طائفة الصابئة المندائيين، اليوم الأحد 17 أيار 2026، بعيد “الدهفة ديمانة”، أو “يوم التعميد الذهبي”، وهي مناسبة دينية يحيي فيها المندائيون طقوس اليوم الذي تعمدت فيه الملائكة في عالم النور، وتعمد فيه آدم والأنبياء شيتل وسام وإدريس، وآخرهم النبي يحيى بن زكريا، عبر طقس الارتماس في الماء الجاري.
وتشهد المناسبة إجراء تعميد جماعي لأبناء الطائفة، ولا سيما الأطفال الذين يؤهلهم التعميد الأول لأن يكونوا مندائيين كأسلافهم الأوائل. وفي هذا اليوم، يتعمد الأطفال عمادهم الأول، ويمنحون الاسم الديني “الملواشه”، ليصبحوا مندائيين، فيما يطلق المندائيون على أول تعميد للفرد اسم “تعميد زهريثة”، وهو التعميد الذي يدخل الفرد ضمن الجماعة المندائية، ومن دونه يبقى “معلقا”، وفق الاعتقاد الديني.
ويستخدم المندائيون اسمين للفرد، أحدهما ديني خاص بالعبادات، والآخر يستخدم في الحياة اليومية.
وقال ممثل طائفة الصابئة المندائيين في ذي قار، سامر نعيم، في حديث لـ”المدى”، إن “الاحتفال بعيد الدهفة ديمانة يجري يوم الأحد في المندي، وهو مركز عبادة الصابئة المندائيين”، مضيفا أن “طقوس التعميد بالماء الجاري تقام في مكان خاص داخل المندي، أو في موضع شريعة عند النهر، بحضور رجل دين، ترميذة، ومساعده الشاهد على طقوس التعميد، إشكندة”. وأوضح نعيم أن “الطقوس الدينية والاجتماعية في هذه المناسبة تتواصل على مدى يوم واحد، وتتخللها مظاهر الابتهاج وتبادل التهاني وإقامة الصلوات وعمل الثوابات، اللوفاني، والدعاء بطلب الرحمة لأرواح المتوفين”.
وأضاف أن “أصل عيد التعميد الذهبي، الدهفة ديمانة، يعود إلى مناسبات وطقوس جرت في عوالم النور، وليس من مناسبات أرضية”، موضحا أنه “في هذا اليوم جرى تعميد الملائكة بالماء الجاري، ثم تعمد فيه أبونا آدم على يد الملاك هيبل زيوا، ومن بعده بقية الأنبياء وصولا إلى أبونا يحيى بن زكريا، مبارك اسمه، عبر الارتماس في الماء الجاري وأداء طقوس دينية خاصة بالمناسبة”.
وأشار إلى أن “إطلاق تسمية يوم التعميد الذهبي على الدهفة ديمانة يأتي من أن الطفل الذي يجري تعميده، الصباغة، لأول مرة في الدهفة ديمانة، ويمنح الاسم الديني، يصبح مؤهلا للدخول في الديانة المندائية”، مبينا أنه “يمكن تعميد الطفل بعمر 30 يوما أو أكثر، وبمساعدة رجل الدين الذي يردد البوث، أي يرتل الصلوات، بدلا عنه”. ولفت نعيم إلى أن “طقوس التعميد في هذه المناسبة لا تقتصر على الأطفال فحسب، وإنما يمكن لبقية المندائيين أن يجددوا تعميدهم”، مشيرا إلى أن “طقوس الصباغة في المعتقد المندائي تدخل ضمن طقوس تنقية النفس وطلب الرحمة والغفران وتجديد العهد”، وتابع: “من خلال الماء الجاري تتعزز الطاقة الإيجابية في الجسد”. ويرى ممثل طائفة الصابئة المندائيين أن “يوم الدهفة ديمانة يعد يوما طاهرا ونظيفا، وأن التعميد فيه له مكانة خاصة تجعل الفرد المندائي على طهارة عالية”.
وتشير مصادر مندائية إلى أن العيد، الذي يأتي بعد 60 يوما من عيد “البنجة”، أي في الأول من شهر “هطية” المندائي، هو عيد “الدهفة ديمانة”، وهو احتفال بتعميد آدم، وفيه يجب على الأتقياء أن يتعمدوا كأسلافهم.
وفي مثل هذا اليوم، يتوافد أبناء الصابئة المندائيين منذ ساعات الصباح الأولى إلى المندى، مرتدين ثيابهم البيض التي تتكون من خمس قطع، هي “الكسويا”، أي القميص، و”الشروال”، أي السروال، و”البرزنقا”، أي العمامة، و”النصيفة”، أي الوشاح، و”الهميانة”، أي الحزام. والأخيرة عبارة عن حزام من الصوف يتكون من 61 خيطا، ويعد أقدس جزء في الزي الذي يسمى “الرسته”.
ويعد طقس التعميد من أهم الطقوس المقدسة في الديانة المندائية، إذ تشير المصادر المندائية إلى أن الطقس الرئيس في شعائر المندائيين هو الاغتسال في الماء، الذي لا يعد رمزا للحياة فحسب، بل، إلى درجة معينة، الحياة نفسها.
ووفق الاعتقاد المندائي، يمثل التعميد ولادة ثانية، فمن خلال رمز الماء الجاري الذي يغطس فيه المندائي، تتحد نفسه بوحدة الحي في عالم الأنوار، وتقوى وتشمخ في النزاهة والإخلاص والإيمان، ويمكن أن تغفر الخطايا والآثام والذنوب، ويصبح الإنسان طاهرا. ومن خلال الطهارة بالماء الجاري، يمكن أن تستجاب، بحسب الاعتقاد المندائي، جميع الدعوات الصادقة التي يناجي بها المؤمن ربه بقلب نقي، وفيها تتحد ذات المؤمن بمثيله النوراني.
وتذكر الباحثة البريطانية المتخصصة بالشؤون المندائية، الليدي درور، أن بعض الأمهات التقيات يفضلن أن يجري التعميد للطفل بعد اليوم الثلاثين من عمره، لأنه إذا مات من دون تعميد فلن يذهب إلى عوالم الأنوار، وفق ما تورد المصادر المندائية.
وتوضح المصادر التاريخية القديمة أن الارتماس في الماء، بوصفه جزءا من الطقوس الدينية، كان يمارس في العراق قبل ولادة السيد المسيح بآلاف السنين، مع اختلاف واضح في مضمون الصلوات المصاحبة لطقس التعميد، إذ كانت الصلوات تختلف من دين إلى آخر. ويحتفل الصابئة المندائيون، الذين يبلغ تعدادهم نحو 100 ألف نسمة في جميع أنحاء العالم، سنويا بأربعة أعياد ومناسبات دينية رئيسة، هي “البرونايا”، أو عيد البنجة والخليقة، و”الدهفة ديمانة”، يوم التعميد الذهبي، و”الدهفة ربة”، العيد الكبير، و”الدهفة حنينا”، عيد الازدهار، فضلا عن ثلاث مناسبات أخرى لا تقل أهمية عن الأعياد الرئيسة، هي “أبو الفل” و”أبو الهريس” و”شيشان عيد”.
وتعد الديانة المندائية من أقدم الديانات الحية في العراق، وأول ديانة موحدة في تاريخ البشرية، وبحسب مصادر تاريخية مختلفة، فإنها ترعرعت في جنوبي العراق. ولا يزال أتباعها يتواجدون في المحافظات الجنوبية، إضافة إلى إقليم الأحواز في إيران، فيما يوجد الآلاف منهم في الولايات المتحدة ودول أخرى، أبرزها النرويج وأستراليا والسويد وهولندا، حيث هاجروا إليها واستقروا فيها خلال العقدين الماضيين.
ويعد الصابئة آدم، أبا البشرية، أول أنبيائهم، ويأتي بعده النبي شيت “شيتل”، ثم إدريس، وسام بن نوح، وآخرهم يحيى بن زكريا، عليه السلام. ويعتمدون تعاليم كتاب مقدس يعرف باسم “الكنزا ربا”، الذي يجمع صحف أنبياء الصابئة جميعهم، وكتبا وأسفارا أخرى، من بينها “اقلستا الزواج” و”النياني” و”اسفر ملواشه” وغيرها. وقد ورد ذكرهم في ثلاث سور قرآنية، هي البقرة والمائدة والحج.
ويستخدم الصابئة في صلواتهم اللغة المندائية، وهي لغة قديمة لم تعد مستخدمة للتواصل اليوم إلا في نطاق محدود جدا، بعدما حلت العربية مكانها، لكنها بقيت حاضرة في الطقوس الدينية. وقد ورد ذكر “الصابئين”، أتباع الديانة المندائية، في عدد من الآيات القرآنية، من بينها سورة البقرة: “إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.
وعرف عن الصابئة المندائيين عملهم في صياغة الذهب والفضة وتجارة المجوهرات، ولأبناء هذه الطائفة مركز مرموق في هذا المجال.