انعكاسٌ أول

فيلٌ ضخم يتسكع في أروقة معرض الكتاب؛ هذا أول ما جاء في خاطري عند الوصول إلى ذلك المكان المكتظّ بشرياً، إذ لطالما رأيت نفسي هكذا بحركة غريبة تحاول التحايل على الحجم الذي تنتمي له، والذي يصبحُ الشعور به أكثر ثقلاً في أي مكان مزدحم. بدأتُ أتنبّه لذلك منذ صار ظلي يتراءى على الحافلات الكبيرة هناك في إسطنبول، وقد كنتُ أدير وجهي كي لا أرى كيف يبدو حجم الظل ضخماً. ساعدني هذا الهاجس كثيراً في رغبتي بالاختفاء وراء شاشة لسنوات، أعمل وأعيش وأحب وأنجو مختبئة. أُفكر ملياً؛ إلهي لماذا جعلت هذا الجسد كبيراً لهذه الدرجة؟ قلبي صغير جداً، أعاني من ضيق تَنفّس عند الغضب بسبب حجم رئتي الصغيرتين. لماذا يبدو كل شيء أضخم مني؟ لمن هذا الجسد؟

يؤرقني هذا التساؤل منذ سنوات، قبل أن تتشكل معالم أنوثتي في داخله، وقبل أن أدخل في مرحلة التبليغ بعد البلوغ، إذ يترتب علينا كنساء في المجتمع الذي نشأتُ فيه، أن نغطي أجسادنا بأقمشة أكثر لنستره أمام/عن العالم الخارجي بعد أن نصل مرحلة البلوغ، وهنا تبدأ رحلتنا في الاختباء.

طفولة ممتلئة

في عالمي الداخلي، تتردد أغنية «يا سمينة يا سمينة.. وقعت فيك السفينة» التي كانت شريكة سنوات مراهقتي الأولى. في تلك الفترة، أي منذ حوالي 18 عاماً، لم أكن أرى نفسي بشكل مختلف عمّا أرى نفسي عليه الآن، لم أستطع رؤية صورتي في المرآة حينها عندما كنتُ بوزن أقل بحوالي 45 كيلوغراماً، لم أرَ نفسي يوماً بجسد أنحف، أجمل، أقل ثقلاً. أذكر أنني كنتُ أرى فخذَيَّ عندما أَسترقُ النظر إليهما ضخمتين إلى درجة أن لا يتسعا داخل عيني، كانا مُرعبَين حقاً. لطالما رأيتُني تلك الفتاة السمينة التي تتحاشى الجلوس على المراجيح الصغيرة في الحدائق كي لا تقع بها، الفتاة التي لن يحملها أحد، ولن يحتضنها أحد… كانت أصواتهم عالية في عقلي وهم يرددون «قد ما بِكون جسمك حلو بتكوني مرغوبة»، والجسم الجميل هنا هو الأنحف والذي يُناسب معايير الموضة، وتكتشف-ين عندما تكبر-ين أن هذه الرغبة الوهمية التي زُرِعَت فيكِ، هي كذبة، وأن كل ما شَكَّلته من مشاعر نحو ذاتك في ذلك الوقت لا يعدو أن يكون سلسلة ضخمة تربطك من رقبتك وتمنعك من التفاعل.

في زمن عمّاتي وخالاتي كانت الربربة والامتلاء أجمل من العصمصة. كانت خالتي الصغيرة، التي قيلَ لي إنني ورثتُ امتلاءَها، تلفتُ أنظار الآخرين بجسدها الممتلئ، بينما يُنظَر لأمي على أنها «خطيّ مين رح يخطبها؟ تقولي ما عم يطعموها». تقول خالتي لي مُواسية في حديث عابر: «لو كنتِ ولدانة بزماني أنا وأمك كانو شافوك أحلى وحدة بالحارة، لأنك معباية وجسمك مكنز بشكل حلو». لم يسألني أحد ما الذي يعجبني أو أحبه في نفسي، أو أين ومتى وكيف أريد أن أولد. ولدتُ ببساطة، ولدتُ في مكان تم رفضي فيه أصلاً، والتقليل مني ومقارنتي مع النحيفات دائماً، حتى صنعتُ لنفسي حاجزاً ضخماً من الدهون نفسها التي أكرهها ليُبعدني عنهم.

لم أنظر إلى جسدي بشكل مباشر سابقاً، لم أره في حياتي أمام المرآة، كنتُ أتخيّلُهُ تحت قطع الملابس التي تُخفيه ضخماً ومرعباً. النساء في محيطنا يعتدنَ أن يُخبّئن أجسادهن، أن يَخفنَ منها، العار الذي يأكلنا يمتد ليجعل الأمر أصعب، نحن لا نعرف من أجسادنا إلا حجم القماش الضروري لتغطيتها فحسب. بالمقابل، كثيرة هي القصص واللعنات التي كنا نُهدَّدُ بها إن حاولنا النظر إلى أنفسنا في المرآة عاريات؛ الجنُّ الذي سينظر لأجسادنا ويمسّنا إن قُمنا بخلع لباسنا الطويل أثناء الاستحمام، والنار التي ستحرقنا إن لمسنا جسدنا سنُصلى في موضع ما نلمسه. كنت أكتشفُ جسدي باستراق النظر، أخافُ عليه دينياً، وأخافُ منه حجمياً، لا أعرف إلّا أنه ليس نحيلاً كما هو مطلوب. لا أذكر أول مرة رأيت فيها جسدي على المرآة دون حدود، لقد فعلتها مراراً ربما بخوف وحذر وفضول، ولكني أعرفُ متى بدأت أُحبه وأَقبله وأتعرّف عليه دون شروط أخرى؛ منذ ثلاث سنوات أو أكثر قليلاً.

انعكاس مبرر

في العالم الخارجي كنتُ أشعر أنني مذنبة طوال الوقت، وعليَّ تبرير شكل جسدي للآخرين في بدايات تَعارُفنا بعد نظرة التعجُّب من قِلّة أكلي، أو اختياراتي الصحية غير المتناسبة مع شكلي. «لا آكل الحلو ولا أحبه ولكني ممتلئة هكذا، لا أشرب الغازيات، لا أحب الطعام الجاهز. لقد خرج جسدي عن السيطرة خلال شهرين. تقول الدكتورة إنني مصابة بتكيس المبايض وإنه يجب عليّ أن أنحف، ولا يمكنني النحف بطريقة سهلة طالما لدي تكيسات وهي دائرة ملتفة حول ذاتها. لا؛ أنا أحب الرياضة وأقوم بها بين الحين والآخر، أمشي كثيراً، لا أستطيع الالتزام جيداً بسبب نوبات الاكتئاب المفاجئة التي تجعلني غير قادرة على التحرك من السرير، أقسم لك أن هذا الجسد ليس لي». كل تلك التبريرات كانت تخرج مني دون وعي، كأنني أريد للعالم أجمع أن يُنصفني أمام هذا الجسد الذي لم أنتمِ له يوماً، في الوقت الذي أعجز أنا نفسي عن إنصافه. كان ذلك الانفصال هو أسوأ ما اكتشفته في حياتي، عندما عرفتُ أنني أعيش في جسد لا أشعر أنه جسدي.

لسنوات طويلة لم أستطِع الاستمتاع أو الارتياح بما أرتدي، بالنسبة لي كان السوق مكاناً جحيمياً، وبالذات عندما أَصطدمُ بشكل متكرر بالمقاسات التي تنتهي عند رقم معين، وكأنك إن كنت أضخم من ذلك فلا يمكنك ارتداء الثياب التي تفضل-ين؛ أنت لا تُحسَب-ين علينا! وكما أكره السوق كنت أكره الطعام، العدو الذي سبَّبَ مشكلة طويلة الأمد لي؛ هي جسدي. في كانون الأول (ديسمبر) قبل الماضي كنّا على طاولة عشاء رأس السنة، وقبل أن نَعُدَّ الأرقام العكسية لبداية السنة أخبرتني قريبةُ صديقي: «لسانك ووشك حلوين، كتير أحلى من جسمك»؛ لم أستطِع ابتلاع اللقمة جيداً ولا عَدَّ الأرقام في وقتها، كنتُ أحاول بلعَ نفسي. لم تكن هذه الجملة الوحيدة التي سمعتها مباشرة في وجهي؛ مثلاً: «مع إنو صحتك منيحة بس مبينة أصغر من عمرك/طلعة بيتك كارديو بحد ذاتها، معقول كل يوم بتطلعيها؟/لو عندك إرادة شوي كان غيرتي شكلك/ليش عاملة بحالك هيك؟». لقد كانت كل هذه الكلمات مثل سوط يُعلّم على ظهري عندما أعود لمواجهة العالم الخارجي بهذا الجسد. أشعر بها تحرقني في كل مرة.

وكان هذا أحد أهم الأسباب التي تجعلني لا أعترفُ بشكل واضح للآخرين أنني درستُ التغذية على سبيل المثال كي لا أرى نظراتهم المُستغرِبة؛ إذ كيف لم أنجح في إنقاذ نفسي؟ في هذا العالم لا يمكنك أن تكون صحياً أو رياضياً أو راقصاً إن لم تكن ضمن ذلك القالب الضيّق، القالب الذي لن يتسع لك بسبب الغرامات الزائدة ونظرات اللوم. وكم يبدو صعباً أو مستحيلاً أن تواجه النساءُ صاحباتُ الجسد الممتلئ، أو النحيلات جداً، كمَّ الأجساد المنحوتة الفاتنة في هذا الزمن! أنا أحب الرقص على سبيل المثال، وأتمنى كثيراً لو أستطيع الرقص بخفّة وجمال أكثر، دون أن تتحرك كل هذه الكيلوهات معي. يمنعني هذا الجسد من أن أكون أنا، لا أرقص في الشارع ولا أتحرّك بِخفّة. أخاف كيف سينظر إليّ الآخرون مهما أنكرتُ ذلك.

أحياناً يستخدم الأشخاص الذين يعانون من اضطراب صورة الجسد في الغالب السخريةَ من أجسادهم مع الآخرين ليتماهوا مع من يؤنبهم، فلا عدائية في الدفاع عما لا نقبله، بل نقبله بأن نجعله مَثار سخرية أمام الآخرين، ونتجرّع ألمنا وحدنا. أقول لأحدهم أنَّ لدي الكثير من المعارك للوقوف على رأسها، ينزعج من قول «معركة»، لكن هل يُمكنني أن أشرح له كيف أشقُّ روحي كل يوم في كل مرة أُضطر فيها لمواجهة هذا العالم؟ لو كنتُ بجسد أصغر، أقلَّ مشاكلَ من هذا، هل ستكون حياتي أسهل؟ مُرهِقٌ العيش مع أربعين كيلو زائدة، مُخيفٌ الاستمرار مع جسد لا تعرف-ين كيف تغطينه، وكيف تختبئ-ين داخله مُتجاهِلةً المرور بين الناس. مُرهقٌ العيش مع جسد ثقيل إلى هذه الدرجة وروح ثقيلة أيضاً، أنا كائنٌ يصعب عليه التحرك.

حلول عشوائية

تُرسل لي قريبتي برنامجاً غذائياً جديداً لألتزم به، بينما تنصحني صديقتي بالتوقف عن تناول النشويات بشكل مطلق. يرسلون لي روابط لعمليات أو أدوية تنحيف أثبتت جدارتها، تنصحني إحدى القريبات أن أستخدم إبر مينجارو على كفالتها الشخصية، يقول لي أخي بطريقة ساخرة «سكَّري تمّك بيمشي الحال». أَتجاهلُ كل الرسائل والتوجيهات تماماً، إذ كيف أخبرهم أنني جربت كل تلك الحلول، وفشلت؟! أمدُّ يدي في محاولة تَلمُّسٍ خجولة لجسدي، أَستخدمُ صوتي العالي لأُخرِسَ كل نصائحهم الصمّاء وأقول لي: «لك يقبرني شكلك».

المعركة في مواجهة المجتمع الذي يُحاول أن يرسم لك صورة مناسبة لمعاييره مرهقة للغاية. ذاته المجتمع الذي يرى زواج الرجل الممتلئ/النحيل بفتاة تمتلك جسداً جميلاً أمراً مقبولاً، ويستشيط غضباً إن وجد امرأة ممتلئة/نحيفة مع رجلٍ بجسدٍ منحوت. يمكنك رؤية ذلك عبر الفضاء الافتراضي، إذ تنهالُ التعليقات مُستغرِبة، مُستنكرة، مُتقززة من ذلك.

أتحدثُ مع صديقي عن فكرة العيش داخل جسد غريب عنا، وكم تبدو هذه الفكرة غير مُنصفة، تزامناً مع فكرة تسويق صورة الجسد المثالي للنساء والرجال التي صارت عائقاً نفسياً وفكرياً أمام العيش والارتباط حتى؛ «فكرة إنو تقييمك بِبلّش بجسمك عم تصير أصعب، يعني القصة مو بس مرتبطة بشخصك وعقلك ومصاريك، لا بل أديش طولك وأديش عضلاتك وإلخ». أُناقش معه تلك الفجوة التي وُضِعنا فيها كجنسين مؤخراً، أمام كثافة حضور السوشال ميديا وتوابعها. وعلى الرغم من أننا خرجنا من المكان ذاته الذي قد يقول أبٌ في مجالسه لطفله الصغير «ورجيهم تبعك يا بابا»، كناية عن عضوه الذكري، بفخر يحمله الشاب حتى يكبر ويُعبّر عن قوته ومتانته ورجولته به بالطبع. يوجد مجلس موازٍ يُعلّم الفتاة الصغيرة كيف تُخبئ نفسها، كيف تُغلق قدميها عند الجلوس، وكيف تُغطي جسدها بالكثير من الأقمشة والقطع خوفاً من الإتيان به، وكيف تتحول كل تلك القطع بالتدريج إلى شعور مُعمَّق بالعار تجاه ما تملكه جسدياً وبالانفصال عنه في آن معاً.

تكبر هذه العقد معنا، عقد الخوف والعار تجاه أجسادنا، خوفٌ من أن يمسّها أحد، وعارٌ إن حدث ذلك حتى لو بنظرة. نحاول الاختباء خلفه تماماً مثلما اختبأتُ سنيناً خلف جسدي ومتاريس الدهون التي صنعها. الأمر بطبيعة الحال يبدأ عندما ترفض جسدك، ترفض ذاتك، وتبدأ الدوران في حلقة مفرغة؛ أنت ترفضينه أكثر وهو يكبر أكثر، أنت تقاومين وجوده وتنفصلين عنه وهو يبني الحواجز الدُّهنية بينكما..

من لديه مشكلة مع جسده بالتأكيد يرى نفسه على المرآة كل يوم، يحاول، ويتألم. الحلول العشوائية المقترحة دون طلب أصحاب المشكلة، أو الملاحظات والتعليقات، ليست مُحفِّزاً جيداً عندما لا يفهم من يطلقونها ما هي المشكلة الحقيقية؛ لا تُخرِّبْ رحلةَ أحدهم! لأنه مع الوقت سيدفع هذا الضغط الاجتماعي بشكل أو بآخر الكثيرين للسقوط في فجوة الحلول السريعة، التي تضجّ بها مواقع التواصل متجاهلة مساوئها تماماً وضرورتها في حالات خاصة ومحددة؛ إبرُ التنحيف، بالونُ المعدة، قصُّ المعدة، شدّ ونحت وشفط، وغيرها الكثير، ولن يُساهم أحد بمتابعة حالك الصحية بعد ذلك.

مواجهة الانعكاس

ذات مرة سألني المحلل النفسي: «إن لم يكن هذا الجسد لك، لمن إذن؟ ما الذي تخبئينه خلفه؟»

ما هي الحقيقة التي أُخفيها خلف طبقات الدهون؟ ما الذي أُحاول الهرب منه؟.. لا أنكر أنني أردتُ أحياناً أن أكسر هذا الحاجز الدُّهني في جسدي بالتحليل النفسي وجلسات تحرير المشاعر والميتاهيلث والرياضة، ولكني ما زلتُ أخاف، أخاف أن تخرج من وراء هذا الجسد حقيقةٌ لست جاهزةً لمواجهتها. الوضوح الذي أخفيته لعشر سنوات أو أكثر وراء كل هذه الدهون هو طفلةٌ صغيرةٌ جداً تختبئ وهي تبتلع ذاتها وصوتها، طفلةٌ تلعب في الحارة وتضحك بصوت عالٍ وتتغنج على أبناء عمومتها وهي تمشي بينهم. هذا الغنج مع الوقت أصبح مكروهاً بالنسبة لها ومقززاً، مع الوقت بدأت تُشكل شخصيتَها بالقوة والسيطرة وتدفن تلك الفتاة الصغيرة، تحولت تلك الفتاة إلى حسن صبي في الحارة، لا تبكي، لا تخاف، لا تهرب، تواجه الآخرين جميعهم، تصرخ حينما يستدعي الأمر، تمشي بثقة ورجولة. هل لاحظتم الانفصال؟ تلك الفتاة ليست أنا.. كيف لتلك الأنثى المجنونة اللطيفة بشعرها المربوط على شكل «دَنبين» صغيرين بشرائط حمراء أن تخرج إلى هذا العالم المرعب؟ ماذا لو تعرَّضَ لها أحدٌ مرة أخرى ولمسها؟

أعتقدُ أنني قتلت أنوثتي في تلك اللحظة التي لم أتمكن فيها من حماية الصغيرة التي كُنتها، اللحظة التي اعتدى أحدهم على تلك الطفلة باللمس. أصبح الخوف بالنسبة لي هو ما يُعيقني كأنثى. خفتُ من جسدي في ذلك الوقت، الجسد الذي يضعني في مواقف وأماكن سيئة فقط لأنه أنثوي. خفتُ عليه أيضاً، لأنه طالما كان مُلفتاً فإنه سيتعرّضُ للأذى مِراراً. حاولت حمايته إذن، هربت من حقيقته سنيناً. رغم أني كنت صغيرة جداً على أن أفهم، إلا أنني تعاملت بقوة لا تتناسب مع كوني أنثى، وتلك القوة تركت في داخلي كائناً منفصلاً عن أنثويته، ومنذ ذلك الحين لم أَعُد أمتلك صوتي.

بعد ذلك استطعتُ أن أتعامل بقسوة في الخارج، استخدمتُ صوتي العالي في المواجهة وتحدثت، ولكن.. تغيرتُ حينها. كرهتُ حقيقة أنني أنثى لسنوات طويلة، ولم أكن أدرك الأمر قبل هذا، لم أكن أعرف لماذا يُشكّل جسدي كل هذه الدهون فوقي، من أُخبِّئ تحتها؟ لقد كنتُ أنا. لوقت طويل اعتقدتُ أن القوة في أيديهم، تمنيتُ أن أحصل على امتيازات الشباب وراحتهم، ولطالما ارتبط الأمر في داخلي بأنني يجب أن أكون قوية لأستطيعَ العيش في الخارج، في المدرسة، في الحارة. لن أعتمد على أحد، وسأكون على قدر ذلك، لأن العالم في الخارج لا يُشبه العالم الذي أَختلقه مع ذاتي ودهوني الكثيرة. هذه الدهون تجعلني مرفوضة، وبالتالي محمية.

عن الميتاهيلث والتغذية

مثل كثيرين، لطالما اعتقدتُ أن الحل يجب أن يكون بالتركيز على أكلي ورياضتي، ولم أفكر مرة أن السرَّ هو أن الطريق إلى هذا يبدأ من الداخل، من المكان الذي أتحاشى الاستماع له. «لا تستني تمرضي حتى تضطري تنحفي»، كنتُ أردد هذه الجملة خائفة دائماً، وطوال سنيني الماضية كنت أُحاول التقليل من وزني، ولم أنجح لمرة واحدة كما أريد. في الحقيقة لا يمكننا أن نُسمي الأمر فشلاً تاماً كما يحب صوتنا الداخلي إقناعنا. نحن ببساطة نحاول أن نخوض رحلة طويلة وصعبة، رحلة تغيير هويتك من الداخل وأفكارك حول الطعام والصحة ونفسك. جسدك الذي يعني كل هذا، ليس طعامك فقط. أنت تسعى-ين للانتقال من جسدك الحالي (المرفوض) إلى جسدك المثالي (ideal body)، وبين هذا وذاك لا تحاول-ين أن تفهم-ي نفسك. نحن نتحرك نحو هذا التغيير بخوف وثقل، كأننا نواجه معركة واضحة، غالباً ما نخسر هذه المرحلة لأننا ندخلها ونحن نكره أن نفعل ذلك، لا نحب جسدنا لنُساعده ببساطة.

حضرت دورات كثيرة تتعلق بالصحة والتغذية، دخلت فرعاً يختص بالتغذية لأفهم، مراراً ومراراً حاولت استيعاب ما الذي يحدث ضمن هذا الجسد الضخم، لماذا تزيد الكيلوات دون أن يتغير شكل حياتي، دون أن آكل بشراهة كالآخرين، دون أن يكون لي عادات غير صحية؟ «طيب وإن لم آكل؟ طيب وصديقتي التي تأكل الأخضر واليابس ولكنها نحيفة؟ أين المنطق؟». قلّما يتطرق أحد للجينات أو الوراثة والاستقلاب داخل الجسد. وبطبيعة الحال قلّما يتحدث أحد عن علاقة الأمر بالعامل النفسي. كل تلك المحاولات لم تُجدِ نفعاً، الأمر أعمق من أن يكون ظاهرياً لهذه الدرجة.

منذ سنتين أرسلت لي صديقتي فيديو عن الجذر النفسي لتكيّس المبايض طبقاً للميتاهيلث (الطب النفسي الشعوري)، أذكر أنني شاهدته وأرسلتُ لها مستنكرة: «شو هالعلاك ولو!». مرّت سنتان وتغيّرت الكثير من الأشياء بشأن كل ما حاولت العمل عليه واستيعابه وتغييره في نفسي. اليوم أتابع عدة حسابات أخرى متخصّصة بـ الميتاهيلث. الذي يربط بين كل عرض جسدي وجذره النفسي، ورغم عدم رفضه المطلق للعلاج الطبي التقليدي، يعتقد العاملون في هذا المجال أنه من الممكن تسريع عملية الشفاء، وحتى جعلها ممكنة في الحالات المستحيلة، إن تمَّ التعامل مع الجذر الشعوري للمشكلة بالجدية ذاتها التي يجري التعامل فيها مع العلاج الدوائي. بدأ هذا الطرحُ مجدداً بالانتشار في السنوات الأخيرة، ومثله مثل كثير من الأشياء التي تُقدَّم عبر السوشال ميديا اليوم، تبدأ بوصفها طروحات بديلة تجريبية ولا تلبث أن تصير موضة. يعمل أخصائيو الميتاهيلث على جلسات تحريرِ الشعور، الحديث عنه، العودة إلى لحظة قديمة عند أول مرة حدث الموقف الصادم، تَذكُّرِهِ والتعاملِ مع ذلك الموقف عبر جلسات من التحدّث والتنفّس وبعض التقنيات لتكرار الشعور وفهمه وجعله أقل تأثيراً. الرابط بين هذا الطرح والتحليل النفسي واضحٌ طبعاً، لكن المجال ما يزال يفتقد إلى الأدلة التجريبية التي تجعله علماً أو طبِّاً، وهو يختلط بالكثير من المزاعم التي لا دليل علمي عليها، لكن ما لا شكّ فيه أن انفعالاتنا النفسية تؤثر في أجسادنا بطرق لا نعرفها بشكل جيد.

لقد وصلتُ إلى هذا المجال نتيجة البحث عن أي قشّة لأتعلَّق بها، بعد محاولات كثيرة لأفهم ما الذي يحدث داخلي. لوقت طويل كنت أبحث وأحلل وأحاول أن أصل مع جسدي إلى برّ الأمان. يؤثر العامل النفسي بالتأكيد على جسدنا، كما يؤثر على تركيزنا وجهدنا. كنت أبحث في متلازمة المبيض المتعدد الكيسات (تكيس المبايض) عن وضع هذه الحالة الشعوري والجسدي والصحي وغيرها. أستمع اليوم لبعض معالجي الميتاهيلث الذين يعزون الحالة إلى غياب السند في حياة الأنثى، وأركز مع مدربة رياضية تربط الأمر بوضع جيني خاص وتُكثر من نصائح الصبر والتغذية السليمة والرياضة، ثم يمر معي فيديو عابر حول الحالة الشعورية التي تدفعنا لحماية أنفسنا بدهون زائدة، وكيف أن غياب الأمان يجعل خسارة الدهون أصعب.. وبالتدريج أعتقد أن كل هذا يرتبط وينفصل مع بعضه البعض ولكن لا شيء سيمنحك حلاً سحرياً كما تريد.

أعلاه صورة مقطعيّة لشخص ذي وزن زائد وآخر نحيل، تُقارن توزع الدهون في كليهما، ويبدو واضحاً كيف تخترق الدهون كل شيء، حتى دماغنا.

في علم التغذية، يهدفُ وجود الدهون في الجسم إلى حماية جسد الإنسان وأعضائه الداخلية، وفي الوقت نفسه هي مصدر الطاقة التي يستخدمها الجسد في حال لم يكن هناك مصدر طاقة خارجي من الطعام. ولكن ماذا لو أصبح مصدر الطاقة سُمّاً؟ تتخزن الدهون بالطبع عندما نستهلك كمية أكبر من حاجتنا من الطعام، وتتجمع الزائدة منها رويداً رويداً في أنحاء الجسد. والعوامل المساهمة في كمية وكيفية تخزين الدهون ترتبط بالهرمونات والجينات والوراثة والحركة، وبالطبع بكمية الطعام، كما يتعلق الأمر بعدد الخلايا الدهنية في جسدك وحجمها. الحرمان المستمر من الطعام الذي يتَّبعه الأشخاص لتقليل وزنهم – وأحياناً معاقبة أجسادهم – يؤدي مع الوقت إلى حاجة ورغبة مستمرة بالطعام مع رفض تناوله، لا يلبث الشخص بعد أن يوقف ريجيمه حتى يعود إلى كلِّ عادات الأكل غير الصحية، فيستعيد وزنه وفوقه حبّة مسك، وتُصبح عملية إنزال الوزن القادمة أكثر صعوبة. الجسم في هذه الحالة يقوم بتقليل معدّل الأيض، أي أنه يُخفف من استهلاك الدهون لخلق الطاقة التي يحتاجها، ويحتفظ بها تحسباً لعدم وجود مصدر طاقة في أيام قادمة. لذلك في الغالب يثبت وزن الأشخاص الذين يقومون بأنظمة قاسية، أو ينخفض ببطء حتى مع الريجيم القاسي. من الممكن أن يفقد البعض وزنهم بالتأكيد، ولكن بالتأكيد ستتراجع قدرة أجسادهم على تفعيل آلية توليد الطاقة والحرق مع الوقت. يظن الشخص الممتلئ أنه كلما خفَّفَ طعامه وبالغ في حميته وتحاشى الاستمتاع بالأكل، سينحف أسرع، وهذه هي الدائرة التي تأخذه إلى عالم سفلي، حيث لا وصول ولا انتهاء.

أسباب ومسببات

نُعاني نحن الممتلئون من مشكلات حقيقية مع الطعام: إما أننا نستمتع به كثيراً ممّا يُصعّبُ علينا تركه في الحميات الغذائية، أو مشكلة أعتقد أنها أصعب وهي أننا نعتبر الطعام عدواً نكرهه فلا نستمتع به أو نأكله، أو على العكس نهرب إليه كما يحدث في الأكل العاطفي. العلاقة السيئة مع الطعام والمشاعر المرافقة لها تؤدي إلى خلق نمط حياة سيئ، وبالتالي جسد سيئ، مثلي أنا ومنذ سنوات طويلة يعتريني الذنب حيال ما آكله لأنني أراه شيئاً كبيراً سيستقر في جسدي ويجعله أضخم. أنا أعيش تحت دهون مُخزَّنة لسنين طويلة، دهون الرفض والإنكار والجوع، دهون اللاحقيقة… دهون الخوف التي أغرق بها وبي..

ليست المشاعر وحدها التي تُشكّل علاقتنا مع الطعام والجسد، الهرمونات أيضاً لها دورٌ رئيسي في عملية خفض الوزن، تكون في أحيان كثيرة كنتيجة وفي أخرى تكون سبباً. مثلاً يؤدي انخفاض مستويات هرمون اللبتين – وهو هرمون الشبع، الذي ينخفض مع فقدان الدهون بسبب عمليات التجويع المتبعة من الأفراد – إلى زيادة الشهية والتقليل من صرف الطاقة، وبالتالي عندما يتوقف الأفراد عن الريجيم، تضعف لديهم إشارات الشبع عندما يعودون إلى نظام حياتهم السابق. ويدخل الجسم في حالة دفاعية تجعل استعادة الوزن أسهل بعد ذلك. كما يؤدي التوتر المزمن إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول الذي بشكل أو بآخر يُساهم في زيادة مقاومة الأنسولين في الجسم. كما ترتبط الكتلة الدهنية الكبيرة في الجسد بانخفاض إفراز هرمون النمو، وهو الهرمون المسؤول عن نمو العضلات وكفاءة الاستقلاب في الجسد. غالباً ما تُحاول الأنظمة الغذائية الصحيّة والتمارين الرياضية استعادة التوازن في الهرمونات السابقة. فالأمر يتعلق بتنظيم النمو، وكمية الطعام ونوعه، والتمارين الرياضية، وبالطبع الحالة الشعورية والنفسية. وتظهر الآن كثيرٌ من الأنظمة السريعة أيضاً، منها نظام الكيتو، والصيام المتقطع، والتغذية الحدسيّة، وغيرها. ولكن الأمر الوحيد المهم هنا أن تجد-ي بنفسك ما يناسبك أنت صحياً، لأنه فيما يتعلق بالجسد، فإن ما يناسب الآخرين ويساعدهم ليس بالضرورة أن يفعل ذلك معك. فلكل منا رحلته.

في العالم، بعين خارجية اليوم، يُرى الشخصان الممتلئ والنحيف على أنهما مريضان، وعليهما تَحمُّلُ ألسنة الناس حولهما، التي تُذكرهما كل لحظة بما يحملانه، كأنَّ العالم يريد أن يكون المرآة التي نخافها كل يوم. بمقارنة سريعة بينهما دون حالةٍ وسط، فإن الشكل الخارجي بالطبع هو جزءٌ من الأمر المتعلق بالصحة، ولكن هناك فجوة يقع فيها أغلب الذين يحملون جينات تجعل أجسادهم عصية على التغيير الشكلي بسهولة، وهي فجوة الركض في مارثونات اجتماعية طويلة، لملء أجسادهم بكيلوهات إضافية أو إنقاص كيلوهات زائدة، دون امتلاك رفاهية البحث عن الحل الذي يناسب المرء وحده. الحياة الصحية ليست حكراً على الذين يرغبون بتغيير شكل أجسادهم الخارجية، بل هي الشيء الوحيد الذي سيحميك مع تَقدُّم العمر بصرف النظر عن مسألة الشكل الخارجي؛ ما تُعمّره في جسدك وما تعتني به سيعتني بك.

اليوم، أبتسمُ تلقائياً كلما شاهدت شخصاً ممتلئاً حولي، عند الكاشير، أو في الباص باحثاً عن مكان ما. أشعرُ أنني أبتسم لأشخاص أعرفهم. ألسنا نعرف الآخرين من جراحهم؟ أنا أعرف ما يشعرون به تماماً، وأعرف أن ذلك اللطف الذي يُبادلونني به مباشرة هو لطف شخص يحاول أن يثبت لهذا العالم أن هذا الحجم يمكن أن يُرى ويُحَبَّ ويكون جيداً. أنا أحب جسدي أمام المرآة في المنزل، وما أن أُضطرَّ للخروج حتى يُصبح غريباً عني، كأنه يعود ليصبح جسد الآخرين الذين يُعلّقون نظراتهم عليه.. وكأنني أبتعدُ عنه، وأكرهه..

السُّمنة والجنس:

أُشعل سيجارتي بعد أن حلفتُ للمرة الألف ألا أعتادَ التدخين، ثم أستحضرُ في ذاكرتي كل المرات التي رُئي فيها جسدي بعين شهوة أو بعين رغبة، وكل مرة تم تجاهل ما أتحدث عنه والتركيز على حجم أجزاء جسدي التي لا أعرف كيف أستطيع لملمتها لتصغر، تلك الأجزاء التي تضايقني وتزعجني وتغريهم! وكيف كانت عيونهم النهمة تُحاول التهامي. كيف أُلاحق عيون الذين أحدثهم مراراً كي لا تذهب عن وجهي وعينيَّ إلى مكان آخر، وكيف يُفهَم لطفي غباءً، وكيف يغطي أحدهم حركاته المشبوهة أمامي عبر الهاتف وهو يفرغ حاجاته الجسدية ناظراً لي، وأنا أُقنِعُ نفسي أنني منفصلة عن هذه الرؤية التي تخصّه، وأنني أُحدث صديقي، صديقي الذي يرغب في أن ينام معي. أتجاهل كذلك عندما يُرسل لي صديقي رسالة دافئة بعد منام غريب رآني فيه، أخشى سؤاله عنه، لأني سمعتها كثيراً، أعرف جيداً تلك المنامات التي تُعرّيني أمام رغباتهم. لقد شعرت أنني غير مرئية في الخارج بالشكل الذي أريده كثيراً، لذا حاولت الخروج من القمقم، وفي الوقت الذي ظننت أنني صرت مرئية أكثر، كنت مرئية بطريقة لا أريدها من بعضهم. أتحاشى أن أكره جسدي مجدداً، بعد كل هذه الرحلة، بسبب عابر أحبَّ أن يلمس هذا الجسد الضخم ليأتي ظَهرُه.

يبدو الحب بالنسبة لنا نحن الممتلئات مِنّة من الآخرين أو حدثاً يصعب علينا قبوله وتصديقه، نحن الذين/اللواتي نعيش بأجساد أكبر منّا. لا نستطيع التماهي في حُضن أحدهم بسهولة، دائماً ما تَعلَقُ الأيادي حولنا دون أن تلفّنا. نحن اللواتي يعشنَ علاقة حب غير مكتملة مع شريكهنّ، ويهربنَ بعدها إلى الحمام ليبكين لأنهن يعتقدن أنهن غير كافيات حقاً في السرير. أجزاء كثيرة تكون شريكتَهم في عملية الحب؛ «شي يوم رح يحس إنو هالجسم مُقزّز متل ما أنا بحس هيك كل مرة»؛ تقول صديقتي.

ينعكس المجتمع وصوته في أذهاننا أمام المرآة، إذ تسمع المرأة الممتلئة من المجتمع أنها لا تستحق أن تُرى بشكل جنسي، وأنها لن تكون كافية ولن تكون جيدة بكل الأحوال، ومع ذلك يبقى المجتمع نفسه متربصاً بها بعيونه وأحكامه، ورغبته وشهوته أيضاً. يرتبط الموضوع في رأيي بِبُعد آخر يفرضه المجتمع علينا وإن لم نكن ممتلئات لهذه الدرجة، المشكلة تبدأ منذ الطفولة التي تجعلنا نتحاشى أن نرى أجسادنا ونتعامل معها ونعرفها، إضافة إلى أن جسدنا الضخم هذا غير مقبول اجتماعياً اليوم، وهكذا نصل إلى ذلك المكان الذي يجعلنا نشعر عندما نمارس الجنس أنه عطاء من الآخر لا دخلَ لنا به، ولا قيمة لنا فيه، ولا نستحق حتى أن نستمتع به. ينبع هذا من شعورنا بعدم الاستحقاق؛ نتساءل عندما يحبنا هذا الشخص، على ماذا سيفعل؟ ننظر له بعين شاكرة مهما كانت ثقتنا عالية بذاتنا، أو هكذا نظن. لدي نظرية شخصية عن ذلك؛ أنا أثق بنفسي عشرة على عشرة ولكن عندما يتعلق الأمر بجسدي ورؤيته أَنكمش. هذا الأمر دفعني للاختباء سنوات خلف حاسبي الشخصي، وكلما تحديتُ الأمر وخرجت عن دائرتي الضيقة أشعر في وقت ما بالاختناق.

خاتمة أخفُّ وزناً من اللازم

يُصبح جسدي أثقل في التجمعات، ويثقل أكثر في نوبات الاكتئاب، ويصير غير قابل للحركة عندما تُثقلني العواطف والمشاعر السيئة، ليس الرقم على الميزان وحده بل بما أشعر به. أحياناً بشكل منفصل تماماً يتلاشى ثقله في عقلي، أنفصل عن العالم الخارجي وأرقص بحرية مطلقة، بينما يبقى جسدي ثابتاً، أتمايل في عقلي مع الموسيقا بشكل أخف، أخف من اللازم. يؤلمني هذا الجسد، أحياناً لا أستطيع استيعابه حولي، أحياناً أشعر أنني مُقسَّمة وهناك أقسام أحملها ولا أستطيع فَكَّها عني.. شيء معاكس لما تحاول النساء فعله في الفترة الأخيرة، تركيب خلفية أكبر، أو نفخ الصدر ليبدو مغرياً أكثر، أفكر كثيراً هل يمكنني انتزاع هذه الأقسام عني وتصغيرها وحسب؟

تأكل كثيراً ولا تسمن، أو لا تأكل شيئاً وتسمن. وجهان لعملة واحدة من معركة قبول الذات، إذ يبدو أن الحال لا يتعلق بالرضا أو بمحبة أجسادنا فحسب، بل يتعلق بكيف نكون جيدين دون أن يُبادرنا الآخرون بتقييم غير مطلوب لأجسادنا. الدهون كالحجاب الذي اخترته فيما مضى، فهي تَحجبني بشكل أو بآخر عن العالم، في أوقات كثيرة أفكر أن أحتمي خلفها للأبد كي لا أنازع الآخرين على تلك المكانة الوهمية المُفترضة في هذا العالم. الفتاة الواثقة بنفسها، تُفكر وتشعر – قبل أن تنام – بكل تلك الأعين المُعلقة على جسدها، يقول لي صديقي: ضعي عيوننا عوضاً عن تلك، عيوننا التي تحبك حقاً. أبتسمُ له، ليتني أستطيع أن أَقتلع تلك العيون المزعجة وحسب يا عزيزي، ليتني أفعل. جسد لا يعرف كيف يتّصلُ بذاته، ولا يعرف كيف يستطيع أن يكون آمناً في دائرته دون أن تتكسر على اتساعه العيون، الجسد الذي يختبئ داخل دهونه ويتغطى بثقلها ليبتعد عن أعين الناس.. يتحايل هذا الجسد على الوصول والكون.

لا يمتلك الجميع رفاهية التحكم بأجسادهم، وليس من المنصف أن يقوم أحدهم بإضافة عبء نجاحاته على أولئك الذين يقاومون أفكارهم وثقل أجسادهم واكتئابهم وهم يحاولون يومياً. لا يتعلق الأمر بإرادة أن نختار التغيير فقط، أو بصعوبة القيام بالرياضة أو تنظيم الطعام، بل صعوبة استيعاب أنك تستطيع-ين تغيير قدرك الأسود هذا، هويتك الممتلئة، وأنت تسير-ين بشكل مستمر في هذا الطريق الذي تعلم-ين كم يبدو طويلاً. وأنت تقاوم-ين كل يوم اكتئابك وتشدّ-ين نفسك من السرير وتقنع-ين نفسك أن الأمر متعلق بالثواني الأولى فقط من العمل، تقوم-ين بالرياضة، تُنظم-ين طعامك، تحاول-ين أن تمسك-ي زمام حياتك، وعندما تعود-ين لسريرك يبتلعك شبحك المظلم وهو يُخبرك أن كل شيء أصعب وأبعد وأسوأ!. الجسد هو مفتاحنا للعالم، ومشكلتنا معه تعني أحياناً مشكلتنا مع العالم. النحيف أو الممتلئ يواجهان حرباً مع ذواتهما قبل أن يفتحا الباب ويَخرُجا.

يُولِّدُ هذا الضغط الخارجي رفضاً مستمراً لجسدنا. هذا الرفض وعدم القبول يجعل رحلتنا في الوصول إلى مُستقَرّ نفسي آمن صعباً. إذ تؤدي هذه الدائرة لانفصال أكبر، وإن لم نعرف تَقبُّل جسدنا وحبه لن نستطيع مساعدته. سَاعدَني جسدي وتَغيَّرَ عندما بدأت أحبه، لم تكن الرحلة قصيرة وسريعة، لقد استغرقَ الأمر مني ثلاث سنوات ونصف للحب وما زلتُ أحاول للوصول، لم أنجح بعد ولكني أتعلم في طريقي إليَّ أن وراء هذه الحقيقة التي تُشكل جسدي حكاية، لم يعد يهمني أن أحكيها للآخرين، بقدر ما يعنيني أن أؤمن بها أكثر فحسب. أحاول أن أحب هذا الجسد الذي شاركني كل مراحل الاكتئاب والحزن، كل مواجهاتي في الحياة وتحدياتي، كل محاولات الفرح والرقص والخِفَّة والحب، وكل لحظات اليأس والهرب والثقل. أريد تَقبُّله ومساعدته ليُساعدني، أريد أن نُكمل هذه الحياة بِخفّة. لم أعد أرغب في مشاركة الحكاية أو تبرير ذاتي لتحاشي الحكم. أنا أحب جسدي وأنتم يمكنكم أن تحكموا على ما تشاؤون. أعلم أنني لست وحيدة في هذه الرحلة، كلنا نعيش تحت الثقل نفسه، لدينا الهواجس ذاتها والمخاوف ذاتها، نختبئ خلف دهوننا ونهرب من كل شيء. ولكن يمكنك أن تبدأ اليوم، يُمكنك أن تبتسم-ي لانعكاسك كما اعتدتُ أن أفعل لأنقذ نفسي. انتهى زمن الاختفاء وراء شاشة، أنا اليوم في مواجهة العالم بكل امتلائي وانعكاسي.