إسلام آباد- يكاد الحراك الدبلوماسي غير الاعتيادي في باكستان، وتحول البلاد إلى محور لجهود وقف الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية، أن يصرف الأنظار، بشكل ظرفي، عمّا يواجهه هذا البلد، الذي يتجاوز عدد سكانه ربع مليار نسمة، من أزمات داخلية سياسية واقتصادية طاحنة، ومشكلات حدودية مع جارتيه الهند وأفغانستان، والتي كثيرًا ما تحوّلت إلى توترات ميدانية وضعته على حافة الحرب مع كلٍّ منهما.
وتبحث القيادة الباكستانية، من خلال انخراطها بقوة في رعاية المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة، عن إنجاز يعوّض حالة الارتباك في إدارة الشأن الداخلي، ومعالجة التعقيدات المتزايدة في الوضعين الاقتصادي والمالي. لكنها تسعى أيضا إلى تحسين صورة البلاد، ووضعها في مصافّ الدول المهمة للاستقرار الإقليمي والدولي، والجديرة بثقة المستثمرين والممولين ومانحي القروض والودائع.
وفي وقت يدور فيه الحديث عن استفحال الأزمة المالية لباكستان، وتراجع احتياطياتها النقدية إلى حدودها الدنيا، جنبًا إلى جنب مع مواجهتها التزامات تسديد قروض وودائع في آجالها المحددة، جاءت المساعدة المالية العاجلة من المملكة العربية السعودية، وهو حلّ تقليدي كثيرًا ما تلجأ إليه إسلام آباد في مثل هذه الظروف.
وأعلنت وزارة المالية الباكستانية، مساء الثلاثاء، أن السعودية ستقدم لباكستان ثلاثة مليارات دولار كودائع إضافية لدعم احتياطياتها.
وذكرت الوزارة في بيان: “أفاد وزير المالية والإيرادات الاتحادي، السيناتور محمد أورنكزيب، بأن المملكة العربية السعودية تعهدت بتقديم 3 مليارات دولار كودائع إضافية، ومن المتوقع صرفها خلال الأسبوع المقبل”.
وأضاف الوزير، الموجود في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع السنوية لصندوق النقد الدولي، أنه سيتم أيضا تمديد وديعة سعودية قائمة بقيمة 5 مليارات دولار لفترة غير محددة.
المساعدات المالية السعودية العاجلة لباكستان حل تقليدي دأبت إسلام آباد على اللجوء إليه عند استفحال أزماتها، كما هي الحال في الوقت الراهن
كما أعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في بيان الأربعاء، أنه من المقرر أن يغادر، في اليوم نفسه، في زيارة رسمية إلى جدة بالمملكة العربية السعودية، “برفقة وفد رفيع المستوى”.
وزار وزير المالية السعودي محمد الجدعان، السبت، إسلام آباد، التي كانت تستضيف آنذاك محادثات بين الولايات المتحدة وإيران تهدف إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، “لإظهار الدعم الاقتصادي لباكستان”، وفق ما أفاد مصدر مطّلع لوكالة فرانس برس.
وتعتمد باكستان على برامج دعم صندوق النقد الدولي، وقروض من دول صديقة، لسداد ديونها الضخمة التي تستنزف نصف إيراداتها السنوية.
وتحت عنوان تكثيف الاتصالات لتهدئة الوضع في المنطقة ومعالجة تداعيات الحرب، يواصل كبار المسؤولين الباكستانيين حراكهم في دول الإقليم، بحثا عن متنفس اقتصادي ومالي لبلادهم.
وأُعلن، في هذا الإطار، عن بدء رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف جولة تستمر أربعة أيام تشمل السعودية وقطر وتركيا، بحسب ما أعلن مكتبه.
وقالت الخارجية الباكستانية في بيان إن الزيارتين إلى كلّ من الرياض والدوحة ستُجرَيان “في إطار ثنائي”، بينما سيشارك شريف في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا، وسيعقد اجتماعات ثنائية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعدد من القادة الآخرين على هامش المنتدى.
وعقدت واشنطن وطهران أول جولة مفاوضات مباشرة بينهما منذ عقود في إسلام آباد نهاية الأسبوع، بينما تتواصل الجهود لوضع حد للحرب.
وانتهت محادثات إسلام آباد من دون اتفاق لإنهاء النزاع، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال الثلاثاء إن المفاوضات يمكن أن تُستأنف هذا الأسبوع في العاصمة الباكستانية. وما زال اتفاق هش لوقف إطلاق النار قائما حتى الأسبوع المقبل، رغم أن الولايات المتحدة فرضت حصارا على إيران.
ويرافق شريف وزير الخارجية إسحق دار، أحد الوسطاء في المحادثات الأميركية – الإيرانية، إلى جانب عدد آخر من كبار المسؤولين، بحسب ما أفاد مكتبه بعد ظهر الأربعاء.
وتقيم إسلام آباد والرياض علاقات وثيقة تشمل مجالات الأمن والدفاع، حيث أعلنت وزارة الدفاع السعودية، قبل أيام، عن وصول قوة عسكرية من باكستان إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالقطاع الشرقي، ضمن اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك الموقّعة بين البلدين.
وبوصول تلك القوة، يأخذ التعاون الدفاعي الباكستاني – السعودي طابعا عمليا في مرحلة إقليمية حرجة، تتميّز بنشوب حرب في المنطقة طالت تداعياتها بلدان الخليج، بما في ذلك السعودية، التي تعرّضت العديد من منشآتها ومرافقها لضربات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في إطار ما تقول الجمهورية الإسلامية إنه “ردّ” على الحرب التي تشنّها ضدها واشنطن وتل أبيب.
لكن دور القوات الباكستانية في المملكة يطرح أسئلة عن المدى الذي يمكن أن يبلغه توظيفها، وما إذا كانت الطائرات المُعلن عن وصولها إلى القاعدة السعودية يمكن أن تُستخدم ضد إيران، التي تجمعها أيضا بالباكستانيين علاقات جيدة، يحرص هؤلاء على الحفاظ عليها، في ظل خوضهم صراعات لا تكاد تهدأ مع الجارة الكبرى الأخرى الهند، فضلا عن دخولهم مؤخرا في صدامات مسلحة ضد أفغانستان.