هل داخل فريق الأمن القومي العامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب انقسام في الموقف من الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ وماذا يعني ذلك عملياً في حال صحته؟ عن السؤالين يجيب باحث أميركي آسيوي غير عربي فيقول “كانت إيران دائماً زراً حامياً في الولايات المتحدة، وخصوصاً الآن في ظل التطورات السلبية التي يشهدها العالم اليوم داخلها. فالانقسامات عميقة. من جهة، هناك الرئيس ترامب الذي وعد بعدم حصول تدخلات عسكرية جديدة.
لكن ذلك تغيّر في وضع فنزويلا وبعد العملية العسكرية التي نُفّذت فيها بأمر من ترامب وانتهت بالقبض على رئيسها وزوجته بعد مقتل خمسين الى مئة فنزويلي، وبنقلهما الى السجن في الولايات المتحدة حيث يخضعان للتحقيق والمحاكمة. فضلاً عن أن هناك وجوهاً سياسية داخل الإدارة الأميركية وفي القاعدة الكونغرسية والشعبية المؤيّدة لترامب تريد أن ترى تغييراً للنظام في إيران. في النهاية يتخذ ترامب قراراته بنفسه. لكن صوته وازنٌ جداً ومسلّمٌ به في آن من إدارته ومحيطه وحزبه. وهو يريد أن يرى حلاً ديبلوماسياً أكثر ممّا يريد حلاً عسكرياً لهذه القضية أو المشكلة. يبدو أنه الآن على الأقل قطع الطريق على العمل العسكري أو بالأحرى أقفلها ولكن في صورة موقتة. إلا أنه في الوقت نفسه ألغى أو أوقف الاتصالات كلها بين بلاده وإيران.
وهو بذلك وضع الطابة في ملعبها. السؤال الذي يطرح نفسه هنا أو يطرحه الكثيرون من المعنيين وغير المعنيين هو هل ستوقف إيران ضرب التظاهرات الحاشدة فيها منذ أسبوعين بكل قوة رغم بدء انحسارها؟ السؤال الآخر هو هل سيتصرف نظام إيران بطريقة تجعله قادراً على إيجاد نوع من الأرضية المشتركة مع المتظاهرين في الشارع تجعلهم يتركونه ويعودون إلى منازلهم؟”.
ما الخيارات التي تدرسها الإدارة الأميركية بدءاً من التفاوض مع إيران وصولاً إلى توجيه ضربات عسكرية إليها. الإدارة تدرس مروحة واسعة من الخيارات، تراوح بين زيادة العقوبات وتنفيذ هجمات “سيبرانية” وتوسيع نشر الـ”ستارلينك” وهو نظام الأقمار الاصطناعية الذي وضعه إيلون ماسك وصولاً إلى تنفيذ ضربات عسكرية. وداخل خيار الضربات العسكرية هناك أيضاً احتمالات عدة. قد يكون ذلك ضرباً عن بعد للمؤسسات العسكرية الإيرانية. فضلاً عن أن إدارة ترامب قد تختار استهداف مؤسسات عسكرية في العاصمة والقادة الكبار في قوات “الحرس الثوري الإسلامي”. لذا فإن المجال متسعٌ لخيارات كثيرة.
هل هناك صفقة سياسية واقعية على الطاولة الآن أم أن الديبلوماسية تبقى الموقف؟ الكثير يتوقف على الإيرانيين، يجيب الديبلوماسي الآسيوي غير العربي نفسه. ومهما يكن ما يحصل في اعتقادي فإن التظاهرات الشعبية الحاشدة سوف تُنتج تغييراً في نهاية المطاف. قد يكون هذا التغيير من داخل النظام أكثر مما هو من المعارضة ومن المحتجين أو من “الدياسبورا” أي الاغتراب الإيراني. قد يكون هذا التغيير على الأرجح بقيادة “الحرس الثوري الإسلامي”. لكن في أيّ اتجاه سوف يسير التغيير لا أحد يعرف ولا يستطيع التكهن. هذا الأمر سيبقى سؤالاً مفتوحاً. فهم قد يتبعون النموذج الفنزويلي أي يغيّرون القائد الحالي ويتعاونون مع الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى، أو ينتهجون خطاً أشد قسوةً.
ماذا عن الدياسبورا الإيرانية؟ وماذا عما يُقال وهو أنها تسعى الى إعادة ابن الشاه المخلوع رضا بهلوي الى إيران وتسليمه السلطة فيها. هل ذلك أمرٌ مُحتمل؟ كيف تُقيّم الوضع اليوم؟ أجاب الباحث الشرقي الآسيوي غير العربي بالقول إن ذلك أمرٌ غير محتمل. فليست الدياسبورا الإيرانية كلها تؤيّده. وللشاه المخلوع قليل من التأييد داخل إيران. وفي حال وجوده فإن ساحته هي الفرس من الإيرانيين الذين تبلغ نسبة عددهم من الشعب الإيراني خمسين في المئة فقط. الشاه، خلافاً للخميني عام 1979 الذي أخرجه من السلطة والبلاد، لا يمتلك بنية تحتية شعبية واسعة في بلاده. وليست لديه شبكة مؤسسات قادرة على الترويج له وتأييده. أكثر من ذلك ليست عند ابن الشاه رؤية لمرحلة ما بعد الثورة على النظام الإسلامي وكيف يجب أن تكون إيران الجديدة. لذا من المرجح أن تكون لمن يتحدثون عن ابن الشاه وعودته إلى بلاده قيمة رمزية فقط.
ماذا سيكون الهدف الاستراتيجي للعمل العسكري ضد إيران؟ وهل يكون قابلاً للإنجاز الناجح؟ يمكن أن يكون هدفه إقناع النظام الإسلامي بتغيير مساره وبالانخراط مع المحتجين في حوار جدي ووقف محاولات قمعهم لا بل ضربهم بقوة وتفريقهم ومنعهم من العودة إلى الشارع. خطورة هذا التوجه تكمن في أنها ستكون ولادة لمحاولات شعبية وربما غير شعبية فقط للقضاء على النظام. من شأن ذلك إدخال إيران في حلقة عنف جهنمي طويل الأمد كالذي دخلته سوريا أيام رئيسها بشار الأسد. الجميع يرون الآن أقليات إتنية مقاتلة وتشتبك باستمرار مع قوات السلطة. مشكلة النظام تكمن في عدم وجود حلول بنيوية للأزمة الاقتصادية التي لا بد من أن تستفحل من جديد وتحرّك الشارع بعد مدة. لا حل للأزمة الاقتصادية في إيران من دون اتفاق مع إدارة الرئيس ترامب. ولإعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني ولمواجهة المشكلات الاقتصادية التي أنزلت الجماهير الشعبية إلى الشارع تحتاج إيران إلى رفعٍ ما للعقوبات المفروضة عليها. لكن ذلك لن يكون مجانياً ولا بدّ من ثمن له.
ماذا ستكون ردود فعل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في حالتي الحرب أو الديبلوماسية وكيف سيتصرفون؟ حلفاء أميركا، باستثناء إسرائيل، يريدون حلاً بواسطة الديبلوماسية وإسرائيل لا تريد ذلك، بل تريد تغييراً للنظام. لكن دول الخليج قلقة جداً وذلك يحدّ من الخيارات العسكرية للولايات المتحدة. فدول الخليج لا تريد أن ترى تدخلاً أميركياً. يعني ذلك قلة احتمال أن ينطلق أي عمل عسكري ضد إيران من القواعد العسكرية الأميركية في الخليج. والولايات المتحدة ليست لديها مجموعة حاملات طائرات في الخليج. سيكون عليها تنفيذ كل ضربة عسكرية جوية من قواعد قائمة على مسافات بعيدة جداً من مسرح القتال. مثلاً طائرات تتوجه من قواعدها في جزيرة غوام (المحيط الهادئ) لقصف إيران. لكن أميركا لا تستطيع استمرار استخدام قاذفات “غوام” لقصف إيران نظراً إلى بعد المسافة.
