عرفت مصر وبلاد الشام، منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، مفكّرين عرباً كباراً ومثقّفين نوابغَ، وأفكار تلك النُّخبة العربية يكاد النسيان يطويها، والإغفال المدلهم يواريها؛ فلم يتبيّن لها أثر، ولم يظهر عنها خبر، منذ دهمها العصف المأكول بالعصبيات الحزبية والانقلابات العسكرية التي باغتت المشهد العربي العام وامتدّت في طوله وعرضه طوال النصف الثاني من القرن الماضي.
من بين كبار المفكّرين الإصلاحيين الذين أنجبتهم سورية في تلك المرحلة يبرز الشيخ عبد الحميد الزهراوي، المولود في مدينة حمص عام 1855، والمعلّق على مشنقة جمال باشا السفاح عام 1916 مع مجموعة من النهضويين العرب الذين ثاروا على الاستبداد والتعنصر. وفي مسعاه إلى تصويب الفعل السياسي أصدر مجلة الحضارة في إسطنبول، وكتب في “ثمرات الفنون” البيروتية، وفي “المؤيّد” و”المنار” المصريَّتَين. وبعد شيوع خبر شنقه، نشرت “المنار” (30/8/1916) مقالةً منقولةً عن صحيفة الأهرام القاهرية توجز منظومة تفكيره تجاه الطوائف والمذاهب المختلفة، وجاء فيها: “يمتاز الزهراوي وأمثاله من رجال الدين المصلحين أنهم خير صلة بين طوائف الشعب وفرقه؛ فهم يحترمون التقاليد المقدّسة لكل طائفةٍ، وفي الوقت نفسه يؤيّدون المصلحين في إصلاحهم”.
ومن شواهد ما فعله الزهراوي مصداقاً لتفكيره، مثلما كتبت “الأهرام” ونقلت عنها “المنار”، أن “الطائفة الإسماعيلية في سورية كانت تجمع العشور والنذور وترسلها إلى آغا خان في الهند، وحدث أن هذه الطائفة جمعت عشرة آلاف ليرة فصادرتها الحكومة (العثمانية)، لكن الزهراوي، الذي كان من أعضاء مجلس النواب، انتصر لتلك الطائفة وقاوم الحكومة وجاهد في هذا السبيل حتى قرّر مجلس النواب أن تُنفق تلك الأموال في تعليم تلك الطائفة”.
وللشيخ الزهراوي موروث فكري رفيع الشأن وعالي المقام يتوزّع بين الفقه والاجتماع والسياسة، ولا ينفصل أحدها عن الآخر. ولعلّ أهمّ ما كتبه في المجال السياسي منشورٌ في مطبوعته الحضارة ضمن سلسلة “تربيتنا السياسية”، وقد جمعها جودة الركابي وجميل سلطان في كتاب عنوانه “الإرث الفكري للمصلح الاجتماعي عبد الحميد الزهراوي”، وصدر في دمشق عام 1963 عن “المطبعة الهاشمية”. في هذا الكتاب، يشرح الزهراوي علّة التعدّد في الخلق والمخلوقات فيقول: “الدنيا ليست لشخص أو قوم، وليعلم المسكين المُفرِط (المتطرّف) أن الخالق العظيم قد خلق غيره مثلما خلقه، ولم يخلق ذلك الغير عبثاً، ولم يجعله مبايناً له سدى. وصيرورة البشر جنساً واحداً قد تكون من الأحلام اللذيذة، أما وقوعها في عالم الحقيقة ففوق تصوّرنا. هل يكون ذلك أقرب إلى الإبداع لو صار البشر هكذا؟ أنا مسرور أمام حكمة المبدع الذي جعل من آياته العظمى اختلاف ألسنتنا وألواننا. وصيرورة البشر على دين واحد حالها كحال صيرورتهم جنساً واحداً؛ ولذا ينبغي أن نتذكّر دائماً هذه الحقائق، عسى أن نعلم جيّداً أن البشر الذين كتب الله عليهم الخلاف الجنسي (القومي) والديني لم يكتبهما عليهم لتعذيبهم بهما، بل قد يسّر لهم أن يعيشوا مع وجود هذَين الخلافَين، بحيث يجاور بعضهم بيتاً بيتاً، ويعاون بعضهم بعضاً كتفاً بكتف”.
وعلى صلة بما تقدّم، يتطرّق الزهراوي في “التربية السياسية” إلى عوامل النزاع وعناصر الصراع بين البشر، وإذ يقرّ بأن بعض أسبابها دينية وأخرى قومية “فإننا، في الإمعان والتتبّع، نجدها في الحقيقة أثراً للخلاف السياسي”. ويوغل الزهراوي في الشرح والتفصيل والتنقيب إلى أن يقول: “على عراقة الخلاف الديني في القدم، لم نرَ أنه وقف الدهر كلّه حائلاً دون تعاون المختلفين بما لهم من فائدة مشتركة، كعمران المزارع وإقامة المتاجر والمصانع والتوسّع في الاختراع وتكثير أنواع البضائع، والاختلاف الجنسي لم يحل دون هذه الفوائد، ولم يمنع أن يتساكن المتخالفان في بلد واحد”.
وحيال ذلك، لا يبقى في ميدان الاختلاف والنزاع سوى المجال السياسي. وللزهراوي مقولة ساطعة وباهرة في تعريف السياسة، فهي: “تآلف بين المتنافرين”. وعلى حدّ مقولته فالتآلف أصل السياسة. وعلى هذه الحال، فإذا كانت الاختلافات طبيعية بين البشر، والاختلاف السياسي في مقدمها، “كان العلاج الوحيد الذي ترجع إليه كل أنواع العلاجات أن نفهم، قبل كل شيء، أن تجمُّع الجماعات وتأليف الأحزاب نعمة لا نقمة، فهو يقلّل الاختلاف قدر الإمكان بشرط أن يكون للجماعة زعماء حكماء”.
المفكّر السوري الثاني سابق على الأول، وهو الشيخ عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902). وفي كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” يعطي تعريفاً للسياسة بأنها “إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة”. أما “الحكومة فيجب أن تكون تحت المراقبة والاحتساب الشديد، وعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر، فتُلجئ حاكمها للخير رغم طبعه. وعلى الرعية أن تعرف مقامها: هل خُلقت خادمة لحاكمها تطيعه إن عدل أو جار، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها؟”.
في هذه النصوص ينادي الكواكبي الرعية (الشعب) لأن تكون رقيباً على الحكومة، وينبذ كل النبذ أفكاراً شائعة تتضمّن خلطاً مفاده بأن الاستبداد السياسي وليد الاستبداد الديني. فتلك الشائعات المغرضات من آفات غير العارفين، ومن العواقب المرذولة في سير السلاطين الأقدمين المروية في كتب التاريخ وأخبار الأسلاف. فالدين ليس على هذا النحو والمضمون، بل يناقضهما ويضادّهما، وما قول الأقدمين بذلك إلا لأنهم “يسترهبون الناس ويذلّونهم بالقهر والقوة، وهذه الحال هي التي سهّلت في الأمم الغابرة المنحطّة دعوى بعض المستبدّين الألوهية على مراتب مختلفة حسب استعداد أذهان الرعية”.
وفي استعراض أنواع النظم والحكومات لا يتحرّج الكواكبي من الإشارة إلى أن “الأمم الموافقة للخير خصّصت منها جماعات باسم مجالس النواب، وظيفتها السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية: السياسية والمالية والتشريعية”. والسياسة الإسلامية كما يراها الكواكبي “مؤسّسة على أصول الحرية، وقد جعلت أصول حكومتها: الشورى والأرستقراطية، وأصول الإدارة العامة: التشريع الديموقراطي”.
ومسك الكلام مع الكواكبي في هذا النصّ المستنير الذي يستحضر فيه أديان وطوائف الشرق بعمومها وعوام جمهورها، إذ يقول: “ما أحوج الشرقيين أجمعين، من بوذيين ومسلمين ومسيحيين، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء المرائين، فيجدّدون النظر في الدين نظر من لا يحفل بغير الحقّ الصريح، وبذلك يعيدون النواقص المعطَّلة في الدين ويهذّبونه من الزوائد الباطلة”.
أخيراً لا بدّ من سؤال: من يقرأ عبد الحميد الزهراوي وعبد الرحمن الكواكبي في هذه الأيام؟
