قريبٌ.. بعيد عن تخوم الوطن؛ لعلي الكردي.
اخراج: الفوز طنجور – إنتاج: ماهر جاموس.
*- مقدمة:
كان حلم السوريين, على لسان شخوص فيلمنا الأول: “قريبٌ.. بعيد عن تخوم الوطن”, ما برح طرّياً, يانعاً. إذ رغم التعب, والقمع, والألم, وحجم الدمار الذي طال البشر والحجر.. كانت الكلمات جداول تصبُّ في نهر يفضي في نهاية النفق إلى ضوء الشمس : “الحرية والكرامة”. تلك الكلمتين السحريتين, اللتين تكثّفان حلم السوريين بسورية المستقبل. سورية: مدنية, تعددّية, ديمقراطية, لكلّ السوريين, بمختلف أطيافهم الدينية, والمذهبية, والعرقية… سورية: دولة مواطنة, ومساواة الجميع في الحقوق والواجبات أمام القانون, مع قضاء نزيه ومستقل. سورية: معافاة, تبني حاضرها, ومستقبلها, بسواعد أبناءها, وإرادتهم الحرّة, دون إملاءات من الداخل, أو الخارج.
دارت دورة الزمن, وجرت مياهٌ , ودماءٌ, وأحداثٌ كثيرة, ما بين تاريخ إنتاج فيلمنا الأول 2013, وما بين الراهن, وما ننوي الشغل عليه في فيلمنا الجديد الذي يركّز على: مساءلة الزمن, والمتغيرات, وتطور الأحداث وتداعياتها… وبالعودة إلى بعض شخوص فيلمنا الأول. نتابع حكاياتهم. نستقصي معهم ما حلّ بهم . نضوي على تحوّل مصائرهم على المستويين العام والخاص.
نسأل: أين صار الحلم.. وهل ما زال السوريون قريبون من تخوم الوطن, أم ابتعدت بهم المسافات عن أحلامهم؟!
ثمة كثير من الشجن, ودراما تصل حدّ التراجيديا, لكن ما نحن متأكدون منه أن الفكرة – الحلم لا تموت. فكرة ثورة السوريين من أجل ” الحرية والكرامة” لم, ولن تمت. ربما هُزم المسلحون, وغرقت المعارضة بأخطائها, لكن فكرة الثورة لم تمت, رغم الأهوال, والمآسي التي لم يتخيّل أحد أن تصل إلى حدّ دمار البلاد, وتهجير نصف السكان بين الداخل والخارج, وحوالي مليون شهيد, وخمسمائة ألف معتقل, ومغيّب قسرياً, واحتلالات متعددّة تتلاعب في حاضر البلد ومستقبله, مع تناسل أمراء حرب, وميلشيات عاثوا في الأرض فساداً. إضافةً إلى مساومات ومناكدات إقليمية ودولية على الأرض السورية, التي باتت ملعباً مفتوحاً للقاصي والداني.. مع محاولات فجة لإعادة تلميع نظام الاستبداد, وتأهيله, من خلال تشويه فظيع للحقائق على الأرض, لكن وعلى الرغم من كل ما سبق لن يذهب فيلمنا باتجاه الخطاب السياسي المباشر, بل سيركّز على الإنساني من خلال استنطاق حكايات شخوصه, بوصفها عينّات تمثّل أطياف الشعب السوري, وهي حكايات مجدولة بمرارة الألم, وإشراق الأمل, وعمق التجربة, وفداحة أثمانها.. دون التخلّي عن الحلم الذي نهض السوريون من أجله.
اقتراحنا أن نقلّل من عدد الشخصيات التي ظهرت بالفيلم الأول, كي نفرد مساحات أوسع لمن بقي . من أجل الحفر عميقاً في دواخلها, والإبحار معها على متن رؤاها, وأحلامها, وذاكرتها, ونبش المخبوء, والمسكوت عنه في نظرتها للماضي والحاضر, واستكشاف تطلّعاتها نحو المستقبل.
نطمح لأن يكون الفيلم أنشودة شجن, ولحناً يُعزف على أوتار السوريين, بالمعنى الإنساني العميق, ليكون شهادة بصرية, بلغة سينمائية, وجمالية راقية تليق بأحزانهم وآمالهم, بعيداً عن اليومي والعابر!
الشخصيات المقترح الإبقاء عليها:
د. حسان عباس:
هذا الرجل القابض على مشروعه ( المواطنة ), كالقابض على الجمر. كان وما يزال يعمل بصمت, بعيداً عن صخب الشعارات, وديماغوجية السياسيين . شعاره الوحيد : ” المواطنة هي الحل ” .
يقول: في السابق كنا نتحدث عن وحدة المجتمع, بمعنى لا يوجد فرق بين الطوائف والأقوام. كلّنا سوريون. تبيّن أن هناك شروخ بين المكوّنات, والنظام استخدم ( التنوّع ) لغايات سياسية. . للتغني الثقافي. كل آليات إدارة التنّوع لدى النظام كانت آليات أمنية للإخضاع, أو اعتباطية. المواطنة ترفض المحاصصة الطائفية.
يعرف د. عباس, ونعرف أن المجتمع المدني السوري, لم يقم بثورته السلمية أساساً ضد الاستبداد المؤسس, لاستبداله باستبداد همجي, أو فوضوي, بل قام من أجل الحرية.
الحرية أولاً:
يسعى الفيلم إلى الإضاءة على مفهوم ” الحرية المدنية” في العقد الاجتماعي. حرية استخدام الحقوق التي يمنحها القانون. حرية التعبير والتجمّع والتظاهر, والعمل, والمساواة أمام القانون, إضافة إلى الحرية الاقتصادية. من البديهي في هذا السياق أن نبحث عن معادلات بصرية لتلك الأفكار.
يتنقل الفيلم للربط بين فيلمنا القديم, وفيلمنا الجديد من خلال استعادة بعض المقاطع بالأبيض والأسود من حكايات الشخوص في الفيلم القديم, كتوطئة لمتابعة حكاياتهم في الحاضر.
الجميل الشهيد ناجي:
يظهر الجميل الشهيد ناجي الجرف ( مقطع من الفيلم الأول ) يروي حكاية أحلامه, ومشاريعه الطموحة. بغتةً تظهر ظلال أشباح يلاحقونه أمام مبنى ” الأوغولا بلازا “, وهو في طريقه إلى مقهى الفان (VAN), الذي تعوّد على ارتياده. تمتد يد أحد الأشباح بمسدس مجهز بكاتم صوت, ومن الخلف يطلق رصاصته الغادرة, باتجاه الأسمر الحنطاوي ” الخال” ويرديه قتيلاً. ( ربما يكون هذا المشهد, بعد الشغل على المعالجة البصرية هو افتتاحية الفيلم).
نتابع حكاية الخال ناجي الشهيد, مع رفيقة دربه. زوجته وابنتيه (يم , وايمي ). “لو أنك لم ترسم لنا حيرتنا, ثم تركتنا مبلّلين بك.. مطالبين بأن نصفّق لذهولنا ورحيلك” .. ” لو أنهم أعطوني ثيابك ودماءك لأهرب بها, لعلّها تُنبتُ لي القمح وأحيا..”.
هكذا تنعيه رفيقة دربه, وتتذكّر غناءه الذي يشبه ” الصهيل “.
تختزل قصة ناجي محنة السوريين السلميين. هرب من قمع النظام, وأقبية الموت, ليكمل رسالته في غازي عينتاب, فلاحقته أحقاد الإرهابيين . أسّس جريدة ” حنطة”, ومؤسسة ” بصمة سوريا “. درّب أكثر من ألف صحفي شاب ضمن مشروع ( الصحفي المواطن ), وعندما بدأت قطعان داعش تعيث في الأرض فساداً, صممّ على توثيق جرائمهم بكلّ جرأة. أخرج فيلمين ” داعش في حلب “, وآخر عن الرقة, وكان يعمل على مونتاج فيلم ثالث, قبل أن تمتد يدُّ الغدر, وتنهي حياته.
ثمة ذيول وتفاصيل كثيرة للقصة, سوف نتابع الكشف عنها في الفيلم. قلمٌ وكاميرا.. مسدسٌ وتفجير. لا تستوي المعادلة!
هبه عقاد ..الفنانة التشكيلية:
هبه.. ابنة حيّ الميدان الدمشقي العريق.. بنت البلد. هي عيّنة جميلة عن نساء سورية الشجاعات, اللواتي انتفضن من أجل حريتهن وكرامتهن, المرتبطة بحرية سورية وكرامة شعبها.
نتابع مع هبه تطوّر قصتها, وتأمّل شجونها, بعد أن هاجرت مع طفلها وزوجها إلى ” السويد “. بلاد الصقيع والعتمة. هناك سمعت باستشهاد شقيقها الصغير, ابن الخمسة عشر عاماً, تحت التعذيب في أقبية نظام الاستبداد.
ما هي تداعيات هذا الحدث المؤلم على حياة هبه , التي انفصلت أيضاً عن زوجها في بلاد اللجوء, مثل كثير من السوريات , اللواتي تفككت أسرهن, وبتن وحيدات, ينتظرن دموعهن أن تغرق في البحر.. أولئك النسوة اللواتي أصبحن كورق الخريف, وهو يتساقط في الريح, تاركاً شجرته المعمّرة ؟!
سوف نبحر مع هبه ورسوماتها. ننبش معها عن مكان بين الأضواء. تحدثنا عن سريرها القديم الذي تركته. عن فسحة الدار الدمشقية, وشجرة الكبّاد, والياسمين المعرّش على الحيطان.. نشاهدها في بلاد الصقيع والعتمة, تنتظر مصباحاً وعصا, كي تعود من طريق أخرى إلى تلك البلاد الدافئة, التي يقتلها الحنين إليها, وهي تغرق في لحم ذكرياتها, وتتنفسُّ رائحة البحر كي لا تغرق.
تقول: أمدُّ كلّ يوم غطاءً قرمزياً فوق الطاولة. أضيء شمعتي الوحيدة. أحضرُّ طبق العشاء لطفلي. لا اكترث لطعم طبقي. أرتدي فستاناً رمادياً صامتاً. أنبشُ ذاكرتي بحثاً عن أطياف ابتسامة شقيقي. تأتيني صرخات ألامه تحت التعذيب.. أتخيل قروح جسده الغض, وأغرق في البكاء.. على مهل أجمع صوراً وألواناً وأصنع ” كولاجاً” من طيفه, وأطياف المعذبين أمثاله… أراقب الشمعة وهي تذوي. شحوب الخواتم في أصابعي.
أبو منتصر:
هو نموذج آخر للمناضلين السلميين. إذ في الوقت الذي تسلّق الانتهازيون على أكتاف الثورة.. طمعاً في السلطة, والمال السياسي . صرف أبو منتصر كلّ مدخراته, وباع أملاكه من أجل أن يدعم الثورة, وشبابها, وحين ضاق به المقام, بعد اعتقاله لعدة أشهر في بداية الثورة, غادر إلى عمّان. هناك تخصصّ في أمر واحد لا غير. هو التكفّل بنقل الجرحى من داخل سورية إلى الأردن, رغم كل ما يكتنف هذه المهمة من مصاعب, وأخطار.. ومن ثم متابعة معالجتهم, وتلبية احتياجاتهم, بكلّ ما يستطيع.
مع تغير الظروف, وامتداد أمد الصراع , تغيّرت البيئة الحاضنة, المحيطة بأبي منتصر, واشتدّ الحصار عليه, ومضايقته, وتهديده. لم يعد أمامه من مخرج سوى ركوب أمواج البحر في قوارب الموت, والمغامرة بحياته, من أجل إنقاذ زوجته وأطفاله. ودعهم أبو منتصر ومضى, لكن نظراتهم سكنت ظهره بقشعريرة باردة. غرست مخالب ومرايا مكسورة, وخطوطاً من الوحل في جسده.
رأى في الموج أثناء رحلته أرواحاً تكلّمه. تخّيل صوراً بالأبيض والأسود لنساء وأطفال وشيوخ ورجال.. صور غرقى يستغيثون وهم يشهقون شهقتهم الأخيرة.
يقول وهو يقضم حبات جوز على شرفة بيته في مهجره الجديد في “ألمانيا”: صور الجرحى اللذين نقلتهم لا تفارقني. رائحة دمائهم ملتصقة في روحي. آهات ألامهم المبرحة ما فتئت تئنُّ في رأسي, وتؤلمني.
يرقب من شرفة بيته الجديد – البعيد آخر الصيف, يسقط بين خطوات المّارة ويضيف: ها هي سورية تعدُّ النجوم مثلي, وتكذبُ على قلبها.
ملاحظة: لاحقاً نحدّد بتكثيف محاور الفيلم, ومقولته العليا, ونشتغل على تصورنا للمقاربة البصرية.
*- خاص – بموقع “شرفات سوريا”