ما يعرفهُ طاقم فيلم صوت هند رجب، ومُشاهدوه حتى قبل دخولهم إلى قاعة السينما، أن الغصَّة والبكاء العارم هما لغة الفيلم، وطريقةُ تلقّيه والتفاعل معه. خلاصة اليأس والفشل هي ما تنتهي به القصة. الجميع يُدرك ذلك، فصوت الطفلة التي يتتبّعه الفيلم ويَبني عليه قصّته، سَيُبَحُّ حتى يختفي، مهما أعادت بثّه الفضائيات، أو اشتغلت على تنقيته وتوضيحه السينما.

قضيةُ إيصال صوت الطفلة الغزيّة هند، بأيّ طريقة كانت، إلى جمهور عالميّ واسعٍ مُتعدّد الخلفيات، قضيةٌ محسوم أمرُ أهميّتها، في ظرفٍ لا تلقى فيه أصلاً أصواتُ الضحايا أيّ فعل مؤثّر بشكل يُمكِن رصده، سوى المزيد من الانتشار وكسب التعاطف. تلك القضيّة هي التي تُمثّل المسعى الرئيسي للفيلم، وهو ما يُحققه بسويّةٍ عالية من خلال حضوره المُستمر في مهرجانات عالميّة، ونيلهِ الجوائز، وترشّحه للأوسكار مؤخراً. أمّا فيما يخصّ السينما الحاملة لصوت هند، فهناك حديثٌ آخر.

المخرجة السينمائية التونسية كوثر بن هنيّة، ذات التجربة الحاضرة بقوّة في السنوات الأخيرة في مُقاربة القضايا السياسيّة في العالم العربي سينمائياً – رفضت منذ أيام جائزةً في إطار مهرجان برلين السينمائي – أرادت في فيلمها الأخير هذا، أن تُعطي العجز أوضحَ وأبلغَ صورةٍ يُمكِن تقديمها، فاستخدمت لذلك أربع شخصيّاتٍ تتسابق في التعبير عن عجزها، بكاءً، وحركات انفعالية، ورميَ سمّاعات هواتف.

لم يكن مطلوباً من أبطال الفيلم – فريق الهلال الأحمر المُوكلة إليه مهمّة إنقاذ من لم يمت بعد تحت القصف في غزّة – سوى أن يُقدّموا خلاصة قدراتهم على التعبير عن عجزهم. يَمدّهم الصوت القادم من تحت القصف بالمزيد من ذاك العجزِ، فيَعجزونَ عن إيجاد كلمات تَمنح الضحيّة الصبر ريثما يُنقذوها، أو ريثما تموت. أعضاء الفريق مُحاصرون في مكاتبهم تتنقّل الكاميرا بينهم، تبحثُ لاهثةً دون أيّ استراحة بصرية، عن المزيد من الدموع والصراخ والتوتّر. فيما صوت هند المُحاطة بجثامين ذويها داخل سيّارة مُدمّرة، كفيلٌ بخلق المزيد من ردّات الفعل العاجزة، سواء لدى طاقم الممثلين، أو لدى أيّ مستمع له. الجمهور ذاتهُ سيُبدي تعابير مشابهةً، وربما مطابقة لما عبّرَ عنه أبطال الفيلم. وعليه فإنّ ذلك الصوت هو حامل الفيلم الأساسي، هو القصة والأداء والصورة وردّة الفعل.

ثمةَ شرخٌ لا يُمكن تجاوزه، بين الشكل الوثائقي الذي حاولت مخرجة العمل تقديمَه بشكلٍ يضمن له مَلمحاً مُستقلاً ضمن البنيّة السينمائية العامة للفيلم، وبين أداء الممثلين الذي يَلحَقُ الصوتَ الحيَّ، على الرغم من كلّ ما بذلته المخرجة من جهودٍ لضمان الانسيابيّة والوحدة البُنيويّة. فالتجريبُ المُتّبع في اتخاذ شكل غير مُعتاد من الديكودراما، تجريبٌ محفوفٌ بالمخاطر، وأكبر أخطاره أن يظهر التوثيق أحياناً في خدمة الأداء، أكثر ممّا هو الأداءُ في خدمة التوثيق كما هو معتاد في الديكودراما. يَجدر بالذكر هنا أن التجريب ذاتهُ كان وصفة نجاح فيلم بنات ألفة للمخرجة نفسها، والذي خاضَ المسابقة الرسمية لمهرجان كان سنة 2023.

تجنّبَ الفيلم مغبّةَ تقديم صوت هند بشكل أدائي أو إعادة إنتاجه بأيّ طريقة، ولعلَّ ذاك يعود لأسباب شتى، أهمّها أن الصوت ذاته أو أصواتاً مماثلة له ما زالت ابنةَ الواقع، تحضر في فضاءاتِ التلفزة ومنصّات السوشيال ميديا، ومنها أيضاً أن رسالة الفيلم في إيصال صوت الضحيّة، ستكون أكثر قُدرة وتأثيراً باستخدام الصوت الحقيقي، خاصّةً مع الإشارات العديدة المُكررة التي تُريدُ منها المخرجةُ التذكيرَ بأن هذا الصوت هو الحقيقةُ التي يجب أن يسمعها الجميع.

كان خياراً ناجحاً أن الفيلم لم يخرج من مكاتب الهلال الأحمر الضيّقة، حيث أَسهم المكانُ بشكل فعّال جداً في خلق انطباعات الضيقِ والعجز. لا شيء سوى اللقطات القريبة من الهاتف والوجوه والعيون والجدران، لا سماء ولا شوارع ولا لقطات واسعة. لا شيء سوى ما يُحاصر الأجساد وحركتها، والانفعالات ونطاقاتها، هو ما يَتَطلّبُه الفيلم بالفعل. هذا الأسلوب ينتمي إلى كوادر بن هنيّة التي اعتادت عليها في أفلامها الأخرى. للكوادر جماليات واضحة، ولعّلها أَبلغُ العناصر في أفلامها بشكل عام.

اقتصارُ صوت الرصاص، والقصف أيضاً، على ما جاء عبر سماعة الهاتف مع صوت هند، كان خياراً جيّداً، فتلك الدقائق عبر سمّاعة الهاتف كانت كفيلةً بنقل الصورة، خاصّة وأنّ ما يُحيط بهذا الصوت هي صورٌ مستمرّةٌ في الحضور أمام أعين العالم حتى الوقت الراهن.

تميّزَ أداء عامر حليحل في الفيلم، بحكمِ أنّ موقعه من القضية مختلفٌ نسبياً عن مواقع بقية أبطال الفيلم، كونهُ الأداة المباشرة للتعامل مع البيروقراطية التي يصطدمُ بها الحدث، فهو المدير المسؤول عن التواصل مع الجهات – بعضها إسرائيلي –  التي يجب أن تُعطي الموافقة لسيارة الإسعاف للانطلاق نحو الضحية التي تَبعدُ عنها أصلاً مسافة 8 دقائق. كان مهدي، الذي أدّى دوره حليحل، في عيونِ بقيّة زملائه مُتهمّاً بطريقة غير مباشرةٍ بالتقاعُس عن إنقاذ الضحيّة، باعتباره «مُتَّهماً» بشكل ما بالتفاوض، تلك التهمة التي يُجلَد صاحبها في لحظات العجزِ والإيمانِ بأنه حتى التفاوضَ لا يمكنه حلُّ المشكلة. تلك الميزة في شخصية مهدي منحت المُمثّل مساحات لم تُمنَح لطاقم الممثلين الآخرين الذين مُنِحوا حدوداً مفتوحة للتعبير عن الألم، ولكن لا شيء آخر.

حملَ صوتُ هند الفيلم إلى الصالات العالميّة، ودون ذلك الصوت من الصعب إيجاد مكونات أخرى في الفيلم يُمكن أن تحمله أو تمنحه الجوائز. كثيرةٌ هي النماذج السينمائية التي تَبني حكاياتها على أحداث ساخنة مؤثرة تضمن لها الحضور أينما شاءت، بمستوياتٍ فنيّةٍ عاديّةٍ أحياناً. فيلم الرجل الذي باع ظهره للمخرجة ذاتها لم يكن بعيداً عن هذا النمط. الفيلم نافسَ على أوسكار 2021.

قد يكونُ من الظلم بمكان اتّهام الفيلم بأنه استغلّ صوت الضحيّة ليَصل إلى منصّات وشاشات عالميّة شرقاً وغرباً، وقد يكون الجدلُ حول أخلاقيات السينما، وحدود البراغماتية، جدلاً عقيماً، طالما أن الفيلم ذاته لم يسعى لتشويه أو تزوير الحقائق المُوثّقة. ولكن من الظلم أيضاً تَصنيفهُ ضمن خانة السينما الفلسطينية الناضجة، إذ يغيب عن الفيلم نُضجُ الطرح السينمائي للقضايا المتعلّقة بالمآسي الفلسطينية، وهو ما توصّلت إليه السينما الفلسطينيّة خلال العقدين السابقين على أيدي كثير من المخرجين منهم، إيليا سليمان وميشيل خليفي وهاني أبو أسعد وأمين نايفة وغيرهم. أولئك الذين تجاوزت إنتاجاتهُم تكرارَ اللغة المباشرة الانفعالية للأحداث، وخلت خيرةُ أفلامهم من الرصاص والعويل، وتجنّبت المواكبة المباشرة للحدث، وأصبحت بطاقاتُ ترشُّحها للمهرجانات والجوائز خاليةً من شوائب التريند. عليه لا يمكن رؤية فيلم صوت هند رجب من منظور سينمائي بحت، ولا يُمكِنُ وضعهُ إلا في خانة توثيق مأساة غزّة المستمرّة، إنما بطريقة مختلفة نسبياً عن طريقة التقارير الإخبارية والبرامج الوثائقية، بهدف انتشار أكبر في صالات السينما بشاشاتها ومُؤثِّراتها وشكل التلقّي المختلف فيها.

حظيَ الفيلم خلال عرضه في مهرجان البندقية السينمائي بحوالي 24 دقيقة من التصفيق المتواصل، فيما وُصِفَ بأنه إحدى أطول فترات التصفيق في تاريخ العروض السينمائية. تصفيقٌ نالته الضحيّة بالتأكيد، التي لم تسمع صوت التصفيق، ولم ترَ دموع الجمهور، وتفاعلات النجوم والنقّاد بعد انتهاء عرض الفيلم مباشرةً، فأصوات الضحايا عادةً لا تُصبح مادةً فنيّة إلا بعد أن تختفي.