
-
-
حازم السيد الجمهورية .نت1. إحالة إلى مقولة الماركسي اليهودي الألماني وأحد مؤسسي مدرسة فرانكفورت، تيودور أدورنو، عن عبثية كتابة الشعر بعد أوشفيتز، وإلى مجمل أعمال هذه المدرسة التي جسّدت إحدى أهم تعبيرات «تشاؤم العقل» في القرن العشرين، وأكبر ناقدي الحداثة من منظور تحرري.2.تحولت هذه المقولة البليغة، والتي قدّمها ياسين الحاج صالح في واحدة من مقالاته للتعبير عن الخراب الكبير الذي نعيشه منذ سنوات، إلى الجواب الذي أستحضره بيني وبين نفسي للإجابة على الكثير من أسئلتي، وعلى جدوى أي فعل اجتماعي، وهو ما أضاف على التعبير، في عقلي بعضاً من الفيتيشية والسخرية السوداء من الذات ومن عجزها على الفعل الاجتماعي.3.يبدو الروائي ربيع جابر نظيراً عربياً لسالينجر، فهذا الروائي اللبناني الفريد الذي أثرى المشهد الأدبي العربي بأكثر من 20 رواية خلال عقدي شبابه، والتي كان بعضها من أهم ما أنتجه الأدب العربي في العقود الماضية، والذي تأتي ندرة حضوره الإعلامي لتؤكد على استغراقه شبه المطلق في عوالم الكتابة والقراءة، تَوقَّفَ عن النشر منذ أكثر من عشر سنوات ولأسباب مجهولة تعزز الطابع اللُّغزي لشخصه وأدبه.4.أَستندُ في هذا التعريف على عمل الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي البارز، فرانسوا شاتليه، تاريخ للعقلانية. الجدير بالذكر أن كلمة اللوغوس اليونانية قد عرفت دلالات متباينة، ليكون اللوغوس عند أفلاطون مختلفاً عمّا يعنيه اللوغوس الأرسطي.5.راجع كتاب بيير آدو، ما الفلسفة الإغريقية؟ بالفرنسية، أو كتاب الفلسفة، طريقة حياة بالعربية، عن مؤسسة هنداوي، ومجمل أعمال هذا الاختصاصي العملاق في مجال الفلسفة الإغريقية، فقد جسَّدَ أبرز الوجوه المعاصرة التي دعت إلى إعادة إنعاش هذه المقاربة للفلسفة.6. راجع مداخلة الشاعر الفرنسي مارسيل كوهين في برنامج صباحي على إذاعة فرانس كولتور للحديث عن الكاتب كموقف من العالم، وعن الفروق الكبرى بين الكتاب والمفكرين.7.الشعار بالفرنسية Sous le pavé la plage، وهو أحد شعارات الانتفاضة الطلابية في 1986، والذي استلهمه الفرنسيون من اكتشافهم لوجود رمال الشاطئ الناعمة تحت حجارة الطرقات التي كانوا يقتلعونها ليقذفوا بها قوات حفظ النظام الفرنسية التي تريد قمع انتفاضتهم.
-
كان من المُفترَض بهذا المقال أن يخرج إلى النور قبل سقوط النظام بيوم، في السابع من ديسمبر 2024، ليكون بمثابة مقدمة أَستعرِضُ فيها تأملاتي في «الشكل» الذي ستتخذه سلسلة من المقالات أحاول فيها كتابة سيرة يختلطُ فيها الذاتي بالنقدي، وأحاول أن أُسائل فيها تجربة جيلي السياسية والتاريخية والوجدانية، لأُصفِّي من خلالها حساباتي مع أوهام الماضي على أمل المساهمة في التأسيس لـ«رؤية شعرية» تسمح بالعيش الطيب في عالمٍ منزوع السحر كعالمنا.
جاء انهيار النظام وكأنه عدالة إلهية ساحرة، تُصالحنا مع هذا العالم ومع السنوات السوداء التي أهدرنا فيها شبابنا لتُكلِّلَها بـ«المعنى» الذي طالما افتقدته، والذي يشكل أحد دوافع الكتابة الكبرى. سقوط النظام، وعودة العدالة/المعنى/السحر إلى العالم كانا حدثاً قادراً على تغيير كل شيء، بما فيه مشروع مقالاتي، بل وعلاقتي بالكتابة، وهو ما حصل فعلاً، فقد تناسيتُ كل المسودات التي بدأتُها في مطلع السنة الماضية، وعاودتُ التصالح مع الفيسبوك ومع كتابة التعليق السياسي المرتبط بالحدث اليومي، الطقس الذي أدمنته في بدايات الثورة السورية.
ولكن مكرَ التاريخ الذي أهدانا سقوط النظام، الحدث الذي لن نشفى من حلاوته، وَعَدَنا في الوقت نفسه، على لسان دونالد ترامب، بأن «ما حدث في غزة سيتكرر مراراً وتكراراً». رثاثةُ السلطة السورية الجديدة ومجازرُ الساحل والهجمة الهمجية على السويداء تأتي هي الأخرى لتذكرنا بأن انهيار النظام السوري لم يعنِ انتصار الثورة/المعنى، وأنه مجرد «حدث تاريخي»، مفتوح على احتمال البونابارتية والانتقال من سوريا الأسد إلى سوريا الشرع، وهو ما يُعيدنا إلى أرض هذا الواقع الفاقد لأي معنى متعالٍ أو سحري، والعاجز عن تقديم ما يتجاوز المكرور المسخرة، وما يعيد مصالحتي مع مسوداتي ويذكرني بأن الكتابة وأسئلتها، هي سبيلي إلى المعنى والعيش الطيب، وأنهم وحدهم عالمي وعزوتي.
* * * * *
العيش في عالمٍ كهذا، فاقد لأي معنى أصيل، مسألةٌ تفوق طاقتي، وقد حاولت كالكثير من الأرواح القلقة التي لا طاقة لها على هكذا حياة، أن أخلق بعضاً من المعنى، حاولتُ كتابة الرواية.
حاولت في الرواية، بطبيعة الأحوال، السموَّ بالتجربة، تجربة الثورة السورية، والتفكير بها انطلاقاً من تجربتي الشخصية مع حدث الثورة، فقد ولدتُ في منتصف الثمانينات تقريباً، قبل «نهاية التاريخ» بقليل، لأعيش الكثير من اللحظات الكبرى، من موت حافظ الأسد إلى هجمات 11 أيلول وغزو العراق وحرب تموز. تمكنتُ في سنتي الجامعية الأولى من حضور واحدة من آخر جلسات منتدى جمال الأتاسي، لأستمعَ إلى بعضِ آخر صيحات «ربيع دمشق». لم أتخرج من الجامعة وأباشر حياتي المهنية إلا وكان «الربيع العربي» قد بدأ، ما يجعلني نموذجاً معيارياً لأبناء جيل الربيع العربي.
من جهةٍ ثانية، لم أكن مجرد شاهد على الثورة. دفعتني بعض الظروف إلى المشاركة في بعض الأحداث الميدانية، ولو بشكل هامشي، بل وسياحي. شاركتُ في بعض المظاهرات وعشتُ بعض التجارب. حاولت المشاركة قدر المستطاع، ولكنني لم أستطع كثيراً. قد يكون الخوف ما منعني، «عقلانيتي» ربما، أو قد يكون تحفّظَ بلدتي عن المشاركة في الثورة، الذي حرمني من موطئ قدمٍ في ثورةٍ لا يبتسم وجهها إلا لـ«أولاد البلد».
حاولت الرواية التفكير بشرطي الشخصي، كراغبٍ بالمشاركة وعاجزٍ عنها، وما يعنيه ذلك من شقاء. أرادت أن تُحوّلَ تجربتي الشخصية إلى مجاز لعجز الكثير من الشرائح السورية عن المشاركة الفاعلة في الثورة، والتداعيات الخرساء لذلك على المعنيّين، والآثار التي تركتها على أرواح الناس، والروابط والعوالم والتجارب والمعاني التي هَشَّمتها، أو تلك التي خلقتها.
لا أعتقد أنني كنت وحيداً في رغبتي بالكتابة ومُساماة التجربة، بل إن كلمة «نص» التي درجت بين السوريين تشهد على ذلك، فقد تحوّلت إلى العنوان المفضّل لما يكتبونه، رافضين مختلف التسميات التقنية، فكثافةُ التجربة ورغبتهم في كتابةٍ تلامس الحواف، جعلتهم ينفرون من إدراج ما يكتبون في تبويبات المقال أو الريبورتاج أو الشهادة أو… أرادوا لكلماتهم أن تكون «نصاً»، بما تحمله الكلمة من رغبة في التمرد على كل القواعد والتقاليد، وفي إنتاج شكلٍ، يرتقي إلى مضمونه: الواقعُ السوري الذي لم يتوقف عن التحوّل.
رغم تواضع المردود حتى اليوم، يقول لنا التاريخ القريب إن تطلعاتنا هذه مشروعةٌ ومتوقعة، وأنها يمكن أن تكون واعدةً فعلاً، فالرواية اللبنانية أو العراقية، وقبلها، الأدب الفلسطيني، كانوا خير دليل على قدرة هذه الأحداث الكبرى على التعبير عن نفسها في نصوص وروايات وأعمال أدبية بديعة، تحولت إلى «أدب وطني» يسمو بتجارب الناس في لحظات تاريخية كبرى إلى بعض أعمق معانيها، ويتحول إلى جزء أساسي من «الذاكرة الوطنية». بل وقد يتمكن البعض من القبض على تعبيرات جديدة لـ«لُبِّ الشرط الإنساني»، لينتجوا تحفاً أدبية عالميةَ الحضور.
* * * * *
أعتقد أن تجربتي وتجربة جيلي في الكتابة عموماً والتي بدأت مع الثورة، بفضلها وبسببها، أرادت أن تكون أقرب لثوراتٍ موازية للثورة الكبرى، يعيشها أفرادٌ يريدون تحقيق ذواتهم والسمو بوجودهم، ليليق بتلك الثورة التي جعلت واقعنا يحلق بين الغيوم. حملت تلك الانتفاضات الذاتية الصغرى بُعداً احتفالياً في سنوات الثورة الأولى، ما خلق موجةً هائلةً من المنابر والصحافيين المواطنين والمراسلين، من المصورين الفوتوغرافيين، ومن صناع الأفلام الوثائقية والشعراء.
اليوم، لم تتمكن إلا قلةٌ قليلة من هؤلاء من تكريس الكتابة والتعبير الفني كأحد أبعاد وجودها، في الوقت الذي يتمرّغ فيه كثيرون في مسودات تبدو بعيدة عن تحقيق أحلامهم في الولادة كذاتٍ مبدعة. الأغلبية الباقية كانت تهرب من أيامها وهي تنتظر نزول الوحي، أو تعيش موت طموحاتها الإبداعية والذاتية الشاهقة التي شهدتها سنوات الثورة بالكثير من المرارة والألم والغضب، غير مصدقةٍ بأن الحكاية يمكن أن تنتهي هكذا. ربما يكون سقوط النظام قد غيّر من هذه الحال، ولكن هذه «النهاية السعيدة»، والتي صالحت الكثيرين مع وجودهم، قد لا تكون خبراً ساراً للكتابة الإبداعية السورية.
* * * * *
إن كانت محاولاتي لكتابة الرواية مسكونة بالرغبة بمُساماة تجربةٍ كثيفة عشتُها، فإنها لا تخلو أيضاً من الرغبة في مُساماة الذات وتحقيقها ولا تتبرأ من محاولة البحث عن خلودٍ ما، أو على الأقل على تقديرٍ غير عادي للذات. لا أعتقد أنني أختلف في ذلك عن الكثير من الكتاب الشباب، وهو ما ما يحوّل تجربة الكتابة والمسودات الأولى إلى مسألة شديدة الحميمية، وإلى امتداد لأرواحنا وأكثر ما نحدّق به عندما ننظر في المرآة، وهو ما قد يُحوِّل الآراء النقدية الباردة إلى مسامير في نعش الروح.
عندما أنهيتُ مسودة روايتي، كنت أعرف أنها مجرد مسودة أولى لرواية أولى، وكنت أعرف مصيرها قبل أن أنتهي منها. ولكنني رغم ذلك، لم أرد لتلك الساعات التي قضيتها ولذلك الجنين، المشوه، الذي أنجبته أن يمضوا هكذا، دون أن يدري بهم أحد. أردتُ مشاركتهم مع آخرين. لم أكن أنتظر مراجعاتهم وآرائهم النقدية أو التشجيعية ولم أكن أعرف السبب الذي دفعني لذلك، وما زلت لا أعرفه تماماً.
أردت ربما مشاركة عذاباتي مع الآخرين، فكتابة المسودات الروائية الأولى كانت تمريناً على الصبر، قليل المباهج، وأقرب إلى مغامرةٍ عبثية، وتحدٍ مازوخيٍ للذات. ما زاد من ألم كتابة هذه المسودات كان إيماني العميق بأن «الكتابة بعد أوشفيتز» 1 مجرد عبث، لا يقل عن عبثية أي فعل اجتماعي في لحظة «انهيار الإطار الوطني». 2 أعتقد بأنني أردت أيضاً أن أقول بإنني لم أصمت تماماً، وأن صمتي وتوقفي عن الكتابة الصحفية، ليس إلا لأنني مشغولٌ بكتابةٍ أخرى، روائية. لأقول أيضاً بإنني بتُّ مقتنعاً بعبثية الكتابة الفكرية في عالم ما بعد الهزيمة، وأن الخيار الجاد للكتابة في لحظتنا هو خيار الكتابة الروائية، لا كتابة صحفية في عالم بلا سياسة أو كتابة فكرية في عالمٍ عاجز عن التفكير، بعد أن أصبح مسكوناً بمناخات الهزيمة وعالمها المشحون عاطفياً.
إن كان الناقد فيصل درّاج أراد تحويل الأدب إلى مجاز للهزيمة بمقولته «عندما أهزم أكثر سأترك النقد الأدبي وأكتب رواية»، فإنني كنت على العكس من ذلك، مقتنعاً بأن كتابة الأدب هو فعل المقاومة الأكثر جدية للمهزومين. أردتُ المضي بهذا الخيار إلى نهاياته المنطقية، أن أقطع مع أحلام السياسة والفكر التي وعدتنا بها بدايات العقد الماضي وأعترفَ بالهزيمة، وأبني عليها.
بكلمات أخرى، إن كانت كتابة الأدب تعني بشكل من الأشكال هزيمتنا كجماعة، أو كأفراد في جماعة، فإن محاولة إنتاج عمل أدبي تعني رغم ذلك أننا، كأفراد ومجتمعات، لم نيأس تماماً من احتمال المعنى. أننا لم نهزم تماماً، أننا ما زلنا نُصارع هذا الوجود.
* * * * *
لحظة «المقاومة» هذه شديدة الإرهاق، ولا بد لها من القليل من الأُنس. آراء الأصدقاء والأقارب لا تكفي، فنادراً ما تساعد الكلمات المشجعة أو الآراء الغامضة، وقلة الاطلاع على الأدب، مشروعَ الكاتب في تَحسُّس مشاكله، بل وكثيراً ما تختلط تلك الآراء بالشخصي الذي يجمع الكاتب بقارئه. في المقابل، قلما نجد «محترفاً» يمكنه أن يمنحنا رأياً تقنياً يساعدنا. وإن وجدنا قد يصعب أن نتقبله، فالكتابة الأولى ميالة إلى التمرد على تقاليد الصنعة وشديدة الطموح، حد النرجسية، وكثيراً ما يكون طموحها الولادة كلحظة كبرى في تاريخ الكتابة، وهو ما يجعلها قليلة الاقتناع بالآراء التقنية التي قد تتلقاها، والتي تأتي لتقرأ المسودة بوصفها مسودة بين مسودات، أو مجرد استمرارية لصنعة وغزل على منوال تقاليد شديدة الرسوخ.
ما يزيد من تعقيد تقبّل الآراء التقنية، أن التحرير الأدبي لم يرقَ في العالم العربي إلى أن يكون مهنة بأعراف وعناوين، وأن المسودات غالباً ما تستهدف واحداً من أبناء «الأنتَلجَنسِيا»، هذه الشريحة الاجتماعية شديدة الخصوصية، والتي يميل بعض أكثر أفرادها إبداعاً وزهداً إلى المحافظة على مسافة معتبرة من أفرادها ومؤسساتها كي يضمنوا الحد الأدنى من الاستقلالية والهدوء، وكي يضمنوا بحثاً عميقاً عن أصالةٍ ما في الغرف الخلفية لأرواحهم، ما يجعلهم أقل استعداداً لتمارين قراءة المسودات المُنهِكة.
بابتعاد أغلب هؤلاء لا يبقى من هذه الشريحة إلا المؤسسات وموظفيها، أو السواد الأعظم لما يسمى بـ«الوسط الثقافي» والذي فقد منذ عقود طويلة الكثير من أسباب وجوده، سواءً كوسيطٍ معرفي، إثر انتشار التعليم وتتالي الثورات المعلوماتية والتقنية، أو كضمير أخلاقي بعد تحوله إلى مجرد عامل أو موظف في صناعة خاضعة، أكثر من غيرها، لمتطلبات السلطة والسوق. يجعل ذلك من العسير على من ينتمي إلى هذا الوسط أن يتعامل مع تمرين قراءة المسودات إلا بوصفه طريقةً يُغذي بها نرجسيةً جريحة، طمعاً في الحصول على بعض التقدير للذات أو في تأكيد حضوره كسلطة ثقافية في عالم بلا أفق.
لا يبقى سوى القراءة، قراءة النقد الأدبي وقراءة الأدب، للاستئناس وبناء بوصلة شخصية وذائقة أدبية، ولكنه تمرين لا يقل صعوبةً عن تمرين الكتابة، فغواية الكتابة لا تقتضي بالضرورة حب القراءة، والقراءة الساذجة قليلة التأثير. شخصياً، أجد لديّ الكثير من الجَلَد على القراءة، ولكنه تمرينٌ صعب وقليل المتعة، وكثيراً ما يتحول إلى تمرينٍ على الصبر وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالنقد الأدبي، فقلما وجدتُ في النقد الأدبي وأعماله، عدا ندرة شديدة الانتشار، أي أُنس في صراعاتي مع سؤال الكتابة، وبدى الكثير منها مفخخاً بتخصصية العالم الأكاديمي، والذي يتجلى في استثماره في الشكل حدَّ النرجسية وفي استخدام لغة تقنية، مقعّرة وقليلة الجاذبية، عدا عن تمركز الكثير من أعمال النقد حول عدد قليل من الأعمال الأدبية المؤسسة والكتاب الكبار، وهو ما يعكسه فقر مخيال الصحافة الثقافية النقدية وكاريكاتورية قاموسها وحضورها.
قراءة الأدب أكثر سلاسة بكثير وقد تساعد الكاتب على تعزيز قدرته على تقييم ما يَكتُب، فالأدب الرديء يُحوّل حماقات الكتابة إلى كائنات من لحم ودم، ورائحة، ما يساعد على تجنّبها، ولكن المأساة أن الأدب الرديء قليل نسبياً، وأنه يصعب على المرء أن يضع لنفسه هدف قراءته. الأكثر انتشاراً هو ذلك الأدب المتوسط، الفاتر، الذي لا يرتكب الحماقات الكبرى، ولكنه لا يقوم بشيء آخر تقريباً. يبدو بعضه وكأنه «تجربة أدبية» يحاول صاحبها أن يخوضها ليتعلم الكتابة، وهو ما قد يقوده إلى نص متواضع أدبياً ومثير لاهتمام الكتّاب.
المشكلة، أن أغلب الكتّاب، الذين يكتبون رواياتهم الأولى كتمارين على الكتابة، يصدّقون أنهم امتلكوا أسرارها في روايتهم الثالثة، ما يُحوِّلُ مُجَمل نتاجهم إلى قساطل لتغذية بحر الأدب الفاتر، وكلماتهم وأوراق أعمالهم وأشجار وغابات كثيرة إلى مستنقع فاتر، بلا أمواج، ترعاه ماكينات الصناعة الثقافية، والتي تُجبر الأدب يوماً بعد الآخر على التحول من رحبة للحرية والخيال إلى واحدة من تنويعات سوق الترفيه والاستهلاك الثقافي.
ما يزيد من صعوبة التفكير في الكتابة الأدبية، هو تلك الأعمال الأدبية الكبرى التي تبدو أقرب إلى ألغاز تجتذبنا دون أن نفهم السبب. عندما قرأت رواية حارس في حقل الشوفان مثلاً وقعت في غرامها دون أن أفهم السبب، فالرواية تتحدث عن يافع حانق يروي تفاصيل تسكّعه في نيويورك ذات ليلة، بإيقاع بعيد جداً عن النفس الملحمي والتراجيدي الذي قد نفترض عندما نفكر في التحف الأدبية. حاولتُ قراءتها مرات عديدة للقبض على الجمل أو التفاصيل التي أوقعتني في غرامها، أو للقبض على الأجزاء التي ساهمت في خلق جاذبية الكل، كأي ديكارتي يحترم نفسه، دون أن أصل إلى أي جواب مقنع. سالينجر، الذي اكتفى بكتابة هذه الرواية، بالإضافة إلى عدد قليل من القصص القصيرة، خلال عدد طويل من السنوات، والذي خاض تجربة الحرب العالمية الثانية، وانسحب من الحياة العامة بعد نشر روايته، ليقضي سنواته الأربعين الأخيرة منعزلاً، تحوّلَ مع روايته، إلى مجاز في رأسي عن الأدب «الحق»، بوصفه لغزاً وتجربةً إنسانيةً شديدة الفرادة. 3
* * * * *
في الفترة نفسها التي حاولتُ فيها كتابة واحدة من مسودات روايتي كنت أعيش تجربة كتابة مختلفة تماماً، فقد كنت خلال السنوات الثلاث التي قضيتها للحصول على شهادة الدكتوراه مضطراً على القراءة المنهجية للمقالات والمراجع العلمية الاختصاصية، بهدف الكتابة، فالكتابة واحدة من الأبعاد الأساسية لعمل أي باحث علمي، والأوراق العلمية التي يكتبها هي المنتج الأساسي لمنظومة البحث العلمي.
تسمح تجربة الكتابة البحثية بمقاربة تجربة الكتابة وقد تقلصت إلى بُعدها الأكثر وظيفيةً، وبالكثير من الكثافة، بوصفها أداةً للتفكير والتواصل، ففي هكذا كتابة، لا يمكن التسامح مع الغموض وتَعدُّد الدلالات، ولا بد لكل كلمة واردة من دلالة واحدة في سياق المقالة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأفكار الواردة أن تكتسب بنياناً منطقياً شديد التماسك والوضوح، فالحصول على شهادة PhD، هو وبشكل حرفي حصولٌ على شهادة الدكتوراه في فلسفة مجال معين، ولا تأتي كلمة فلسفة في هذا الاختصار إلا بوصفها علم اللوغوس، والذي يمكن تعريفه بوصفه مجموع الكلمات ذات المعنى والتي تشكل باجتماعها معنىً أكبر. 4 كلمات مثل دم، خلية، عضو، مفاهيم أو «لوغوسات» ذات دلالة محددة في عالم الأحياء وتشكل باجتماعها لوغوس واحد، هو لوغوس الأحياء، البيولوغوس أو البيو«لوجيا».
تبدو الكتابة العقلانية، أو الفلسفية، لمن لا يمارسها، وللكثير ممن يمارسها، مسألةً مملةً وشديدة الصعوبة، ولكنه لا بد من التذكير أيضاً أنها يمكن أن تتحول، كأي كتابة إلى تمرين باعث على النشوة، فالمفهوم، اللوغوس، الذي نخلقه في قلب لوغوس أكبر، قد يتمرد علينا ويُعاندنا، كما تعاند الشخصيات الروائية بعضَ كُتَّابها، وتفرضُ أقدارها. أكثر ما يدلل على ذلك أن الفلسفة قد ولدت بوصفها ممارسة روحيةً وديناً، وأنها بالنسبة لمؤسسها أفلاطون وللكثير من المذاهب الفلسفية التي عرفها العالم القديم أيضاً فنُّ العيش، 5 وأنها بوصفها كذلك تمتلك من الطاقات التحررية أكثر بكثير مما تسمح به المآلات التي وصلت إليها بعد المسارات الأكاديمية التي اتخذتها مع الفلسفة الحديثة.
بطبيعة الحال، كان الباحثون المشرفون على أطروحتي من محترفي اللوغوس الذي ينتمي إليه مجالي، فكانوا يتعاملون من تجربة الكتابة العلمية بالكثير من الجدية، والتي أثارت استغرابي في البداية، أنا القادم من عالم أدمنتُ فيه قراءة مقالات الرأي السياسية. كنا نقضي أسابيع طويلة ونحن نكتب مقالة من خمسة صفحات، نخوض خلالها الكثير من النقاشات العميقة عن الاستخدام الأنسب لتعبير أو لفكرة، عدا عن التجارب والاحتمالات التجريبية الواجبِ تَفحُّصُها قبل كتابة جمل معينة. وهو وإن كان تمريناً شديد الوعورة في وقتها إلا أنه كان واحداً من أكثر التمارين تأثيراً على طريقتي في الكتابة والتفكير، فهو تذكير شديد العمق بأهمية الدقة والرصانة في انتقاء الكلمات وصياغة المعنى. من جهةٍ أخرى، جاء ذلك أيضاً ليثير في نفسي بعض الحنق، فقد كان يزيد من عمق هزيمتي وعبثية رغبتي، كسوري مهموم بالمُعاصرة والحداثة، باللحاق بالركب الغربي، فمُجتمعاتٌ تقوم بالتفكير بهذه الدقة والرصانة في تفاصيل دقيقة وقليلة الأهمية، كموضوع شهادة الدكتوراه التي كنت أقوم بإنجازها، هي مجتمعات تنتمي إلى كوكب آخر ولا يمكن مُعاصَرَتُها.
من ناحيةٍ أخرى، كان في هذه الكتابة البحثية ما يُثير الإحباط، فشروطُ الإنتاجية والفعالية التي تقتضيها منظومة البحث العلمي، بحكم خضوعها لمنطق قريب من منطق السوق والعرض والطلب، تُضفي على الكتابة العقلانية الكثير من الشروط البيروقراطية التي تُحوِّلها إلى «كتابة بحثية» شديدة التقنية والمدرسية، وهو إن كان شرطاً من شروط متانة الكتابة البحثية في مجالات العلوم الوضعية، فإنه يتحول في بعض الأحيان إلى الطريقة الوحيدة لإثبات «علمية» محتوى بعض منتجات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإلى عقبة أمام ازدهار تلك العلوم ونفاذها في المجتمع، ما يُحوِّلُ الكتابة البحثية، كنسخة بيروقراطية من الكتابة العقلانية، إلى دينامية تدفع الباحثين إلى الاكتفاء بالتركيز على الاستثمار في الشكل واكتساب الإيقاع الذي يمضي به المجتمع العلمي، حتى لو عنى ذلك تواضعَ المحتوى والمضمون العلمي. المهم إثبات الانتماء إلى اللوغوس لا توسيع أبعاده.
لا يبدو أن مكننة الكتابة وبقرطتها تدّخرُ المنتج الأدبي أيضاً، فالمَشهد الأدبي، الذي تهيمن عليه ديناميات الصناعة الثقافية، من برامج ثقافية ومراجعات صحفية ومِنَحٍ ودعوات إقامة، لا يبدو بدوره شديد الابتعاد عن هوس الامتثالية الشكلانية، فالكثير من الروايات تبدو وكأنها قد كتبت لأن كاتبها لا يريد أن يوقف خط الإنتاج، أن يبقى حاضراً.
تُغري هذه الظاهرة بالتعميم، فهذه الرغبة بالانتماء الامتثالي للحاضر تبدو واحدة من السمات الكبرى لروح العصر، وواحدة من عناوين حقبة نهاية التاريخ، التي تُحوِّلُ «الواقع» إلى معطىً متعالٍ، لا نجرؤ على الحلم بتغييره، يردعنا تعقيده ووعورة مقاربته من جهة، وكثرة الهزائم والكوارث التي انتهت إليها المغامرات السابقة من جهة أخرى. المشكلة أن هذه الامتثالية تُحيل الحياة إلى تمثيلية، كما يقترح بودريار، بل وتمثيلية سخيفة لا تستحق إلا لعباً خفيفاً خالياً من المباهج، فاللعبُ لا بد أن يكون شديد الجدية لمن يريد أن يحظى بمباهجه.
* * * * *
عندما حصلتُ على شهادة الدكتوراه، احتفلتُ بها مع العائلة والأصدقاء. لم أشعر بأي فرحة تذكر بعد هذا «الإنجاز»، وبدا الأمر وكأنه مجرد حدث عابر، ولم أقم بذلك الاحتفال إلا لأن ذلك ما يقتضيه العُرف. جاء ذلك كي يذكرني أنني ومنذ سنوات لا أستطيع مبارحة «أزمة المعنى»، وما تنطوي عليه من «اكتئاب وجودي»، لأبدو أقرب إلى نسخة أخرى من شخوص الأدب الوجودي لسارتر وكامو، بعجزي عن الفَكاك من منظور «الغريب» ومشاعر «الغثيان». جماعية الأزمة وجذرها السياسي يأتيان ليزيدا من سوداويتها وعمقها وابتذالها في الوقت نفسه، ما يجعلها جديرةً بالتحوُّلِ إلى واحدة من العناوين الكبرى لتجربة يتامى الربيع العربي، وتجسيد آخر لحقبة «نهاية التاريخ» النيوليبرالية.
في سبيل مقاومة تلك الأزمة، حاولت التفكير بالبعد الروحي الذي لا يتوقف عن التخابي في حياتي، ولأنني لم أستطع أن أستعيدَ إيماناً سبق وأفلتَ مني في سنوات المراهقة، حاولتُ الاطلاع والتفكير بتلك التجارب الروحية «المحايثة»، سواء كانت ذات منشأ ديني كالتأمل البوذي أو تلك النشاطات الفكرية الفاتحة على الروحي، كالتأمل الجمالي والتفكير الفلسفي والرياضيات والاستماع للموسيقى أو ممارسة الرياضة، أو حتى النشاطات اليومية شديدة العادية والفاعلية في مواجهة الاكتئاب كالمشي والاستحمام والأعمال اليدوية، بل والجلي …
ورغم أنني وجدتُ الكثير من الجمال والسلوى في أغلب تلك النشاطات، إلا إنها لم تستطع أن تستحوذَ على مكانة الكتابة أو حتى تسكينَ رغبتي بها وغَمّي على عدم قدرتي عليها في الكثير من الأحيان، لأشعر وكأنني «يوسف تادرس» آخر ينتظر شاله، كما في في رواية عادل عصمت البديعة. بل وعندما حاولت استحضار سنوات العقد المنصرم وبؤسها، كانت لحظات الكتابة والنشر من اللحظات القليلة القادرة على إخراجي من تلك الحالة. كنت، عندما تكاد مرارتي أن تنفجر، أحاول أن أكتب مقالة، وأنشرها. مقال واحد في السنة تقريباً، وكأنني أتمسّك بهذا المقال كي أتمكن من المضي إلى السنة التي تليها.
سمح لي ذلك المقال السنوي، بالبقاء بعيداً عن الكتابة الصحفية الاحترافية، والتي كثيراً ما تُجبر الكتابةَ على الخضوع لروح العصر، لتقودها إلى حكواتية و«ستوري تيلينغ»، ما يحوّلها إلى شكل آخر من أشكال الترفيه والاستهلاك الثقافي. ساعدني ذلك، من جهة أخرى، على الحفاظ على فهمي لمقولة الكاتب كتطلّع و«سوسة» وحبٍّ للكلمات شبيهٍ بحبِّ الحقيقة الذي تنطوي عليه الفلسفة، بل وكموقف من العالم 6ورهان مغامرٌ على معنىً ما لكلماتي ولوجودي في هذا العالم، ولوجود هذا العالم.
كنت أكتب المقال في ساعات متتالية من أيام قليلة، وكأنني أريد أن أعيش لحظة «وحي». تمرين انتقاء الكلمات وترتيب الجمل، شديد الحضور في الترجمة أيضاً، كان يبدو وكأنه لحظة توليفٍ لأمواج الرأس بحثاً عن اللحظة التي يبدأ معها الطرب. ولكن أكثر ما كان يمتعني هو تلك اللحظات التي تتدفق فيها الكلمات بكل سلاسة وعفوية، رغم الحبسات التي سبقتها، لتبدو وكأنها أتت من مكانٍ خفي، يقبع في ركنٍ ما، لتبدو ولادتها ككلٍ متجانس أقرب لدليل «فيزيقي» على وجود الروح، ما يُحوِّلها إلى «لحظاتٍ مقدسة».
من ناحيةٍ أخرى، انطوت تلك «الكتابة الفكرية الخفيفة» التي مارستها على الكثير مما يُثير نشوتي، فتمرينُ الكتابة كان واحدة من أكثر لحظات التفكير عمقاً، وكأنه اللحظة التي تضطر فيها الأفكار على الاستقرار وتشييد معمارها، بعد أن سرحت في كل مطارح الرأس بكل حرية وخفة. بالإضافة إلى ذلك، بعض ما يحفزني في هذه الكتابة هو ذلك البُعد الاجتماعي الذي تنطوي عليه، بوصفها كتابة تُعيد إنتاج نفسها في المقهى وفي الجماعة.
لحظة النشر، بدورها، كانت تسمح لي بالقول، لنفسي أولاً وللآخرين، إنني ما زلتُ على قيد الحياة، وأن احتمال الكتابة ما زال جدّياً. ندرة التجربة، وعدم اندراجها في مسار يُضفي على الكتابة بعداً مهنياً أو وظيفياً، كان مما يزيد من ألق تلك اللحظة وقدراتها «العلاجية».
* * * * *
في السنة الماضية، وبعد أن أعادَ انهيارُ نظام الأسد لتاريخ بلادي بعض المعنى، استعادت الكتابة الكثير من غنائيتها، لأعيشَ مرحلة من التعليق الفيسبوكي اليومي الذي يَتخبّطُ في عوالم من التفاؤل والألم والحلم والإحباط، والذي أشعرني بأن آلة الزمن قد أعادتني إلى سنوات الثورة الأولى، والتي كان فيها الفيسبوك شديد الشبه بمقهى الكمال الشهير، الذي كانت الكتابة فيه أقرب لكلام المقاهي الانفعالي الخفيف الأليف، كلُّ همها التواصل والانفعالُ جماعةً. ولكن احتكارَ محترفي الكلام لنواصي الفيسبوك، والرغبة الطاغية بالتحول إلى شخصيات عامة وصناعة التريند، عدا عن تعقيدات اللحظة وعودة أطياف الحرب الأهلية من نوافذ سوريا بعد خروجها من بابها، أفقدت هذا الفضاء الكثير من بهجته.
لم تتمكن إحباطات اللحظة من إخراسي تماماً ولم تتسبب بانكساري، كما فعلت في نهايات 2013 وهو ما تشهد عليه مقالة «لعله التعب»، ولكنها ذكرتني بخُلاصات السنوات الماضية ودروسها، لترُدَّني إلى عوالمي التي أرادت هذه المقالة افتتاحَ سيرتها قبل عام، والتي أحلم فيها بتأصيل الكتابة كواحدة من أبعاد وجودي، تُصالحني معه، وتعطي للحياة، «منزوعةِ السحر»، بعض شعرها. كتابة، تستلهم من الكتابة الصحفية فُضولَها وخِفَّتها في الوقت الذي ترفض فيه استهلاكيتها. كتابة تأخذ من الكتابة العقلانية رصانتها وشغفها، دون الدخول في متاهات الإنتاجية والفاعلية والمضاربات الشكلانية التي كثيراً ما تنتهي إليها. كتابة أدبية تفكّر فيما يقبع جوار المفاهيم والعوالم الموضوعية. كتابة ذاتية، واعية بحضورها ومتمسكة به. كتابة تُراوغ هذا الوجود وتلاعبه، باستغراق وجذرية، فـ«الشاطئ تحت الحجر». 7
-