(1)
نقرأ في الأدبيات السياسية بأن الشعوب تساهم بشكل من الأشكال في صناعة الديكتاتور، وهذا حكم واقعي وملموس لا يخلو من الصحة. بل إنه في كثيرٍ من الأحيان هو الحقيقة التي لا يعترفون بها، فالشعوب في العادة هي المسؤولة عن هذا التضخم الديكتاتوري بمسمياته المتعارف عليها. وبات هذا السلوك، الذي لاحق العصور الحديثة، قائمًا بشكل خطير في أروقة السلطات الفردية ودهاليزها السرية وبلاطاتها الحلزونية.
بعض الباحثين يعدّون مثل هذا السلوك اجتماعيًا في مقامه الأول، وبعضهم يرونه سياسيًا بصبغة اجتماعية، وفريق ثالث يرى بأن مزج الحالتين، الاجتماعية والسياسية، يُنتج شخصًا ذا سلوك هجين، يُوصَف بالزاحف، كسلحفاة تراقب بحذر طريقها بصمت في حقل واسع وشاسع.
نحن مع تلك التوصيفات إلى حد متساوٍ، من تلك التي يراها كل فريق، فالسياسي يجذب الاجتماعي لأغراض كثيرة لأنه من مرتبة دنيا، وهذا مهيأ أن يُتقن دوره أمام السياسي السلطوي، ويتنازل عن كثير من أخلاقه الاجتماعية، ولا يمكنه أن يُخفي منها شيئًا أمام من يخضع له باستسلام وذل (وهو السلطة بكاملها؛ الطاغية؛ الديكتاتور).
عادة ما يكون الديكتاتور مقدسًا، يشبه معبدًا، يجمع بين يديه السلطتين الدينية والسياسية، فالأول عامل تسكين للشعب وتخدير أيضًا. فالبشر فطريو العبادة والخوف من السماء، والآخر عامل ضارب بقوة لكل أشكال التآمر والدسائس حتى من المقربين بدرجة الابن والزوجة والأخ، لنقف على ظاهرة الطاغية الذي ساهمت الشعوب بصناعته وبقائه ضد الحركات المضادة له، التي تبتغي الوصول إلى الحرية والانعتاق من أسوار الملك وديكتاتوريته.
هذا في وصف الحالة العامة للزاحف – المتملق – الوصولي – الانتهازي أيضًا. لكن لو حصرنا حلقة الاتصال معه ودرسناه بعمق وحللنا شخصيته المُهانة، لوجدناه جزءًا شعبيًا من مجتمع متهالك في الأساس. فلا توجد مجتمعات متحضرة ومتماسكة وواعية ومثقفة ينشأ فيها مثل هذا الفرد وتُنتجه إلى البلاط الملكي. بذلك يكون الزاحف اختزالًا لشعب ما في العالم.
هذا ما يريد أن يصله الفيلسوف البارون هنري تيري دي هولباخ في مقاله القصير هذا قبل ثلاثة قرون، يوم كانت البلدان صغيرة، والشعوب غير منظّمة تمامًا، والسياسة تُختصر بالديكتاتور وحاشيته المقرّبة منه، إضافة إلى الزواحف – المتملقين الذين يحاولون إطالة عمره الملوكي بأية طريقة مُتاحة.
(2)
“فن الزحف” ليس كتابًا، بل هو مقالة قصيرة أصبحت كتابًا، شغلت منه ما يقارب الـ 1250 كلمة كتبها البارون هنري تيري دي هولباخ قبل 300 سنة، ساخرًا من رجال البلاط الزاحفين حول الملك والمتملقين له، والتهيؤ لصناعة بقائه الطويل على كرسي الحكم.
والزحف في تعبيرنا المعاصر هو التملق السياسي والوصولية وبيع الضمائر والتجاوز على حقوق الآخرين والتعسف في تفضيل هذا على ذاك. لذلك فإن هذه الظاهرة الخدمية في الأساس على الأغلب قديمة جدًا، تمخضت عن التدين الظاهري والسياسة السلطوية التي حوّلت الحالة إلى احتكار شخصي باسم السلطة. وهي ظاهرة ليست سياسية، إنما هي اجتماعية في الأساس تشف عن نوع مجتمعي مترجرج، غير أصيل إلى حد كبير.
ثقافة التملق ليست جديدة في السياسة، فهي إنتاج طبيعي لمجتمعات متخاذلة، تنقصها الروح الوطنية والروح المتمردة ضد ما هو شاذ في السياسة وتوابعها. لذلك فإن التملق – الزحف الهادف – البطيء، ظاهرة وُجدت في القصور الملكية والجمهورية على حد سواء، وتوجد اليوم بشكل واضح في سياسات دول كثيرة شرقية وغربية.
(3)
الفيلسوف الساخر دي هولباخ رصد هذه الظاهرة في التملق السياسي منذ زمن بعيد في البلاط الملكي الألماني. إذ كان قريبًا من الوقائع التي وصفها بدقة، وحاذقًا في رصد هذه المآلات التي استمرت حتى هذا اليوم بطريقة مشابهة، لكن أكثر عنفًا وقوة وتعسفًا. مع أن هولباخ كتب بطريقة مقالة ذات صبغة صحافية مباشرة، اعتمد فيها الوصف لا التحليل، والمباشرة لا الدخول في تعقيد وتورية، ليكشف بلغة فلسفية ساخرة آليات التملق والخضوع في البلاطات الملكية، رابطًا بينها وبين فساد الدين الشكلي أو التدين الظاهري وبين السياسة بما فيها من تحولات وتغييرات. ثم رصد رجال البلاط، لكونهم نخبة النخبة اجتماعيًا على الأقل، إن لم يكونوا سياسيين، ومن الاجتماعي إلى السياسي في البلاط، يكون “الزحف” فنًا من فنون البلاط الملكي آنذاك. وهو بلا شك “أصعب الفنون ممارسة”، كون رجل البلاط “هو أغرب نتاج أبدعه الجنس البشري. إنه حيوان برمائي يجمع في ذاته”. وهذا الكائن شبهه فيلسوف دنماركي (لم تذكر المقالة اسمه) بالتمثال المؤلف من مواد متباينة الذي رآه نبوخذ نصر ذات يوم في حلمه: “رأس رجل البلاط من زجاج، وشعره من ذهب، ويداه من قطران راتنجي، وجسده من الجبس، وقلبه نصفه من حديد ونصفه من طين، وقدماه من قش، ودمه مركب من ماء وزئبق”.
الوصف هو ما فوق التقريبي. حتى الخيال فيه يلامس واقعة البلاطيين المتملقين. إذ يضعنا أمام هيئة بشرية فيها كل الوصفات السحرية الساخرة والمواصفات المتباينة لرجل البلاط “الفنان” في مهنته الصعبة التي لا يجيدها إلا من أزاح شخصيته وتخلى عنها، وأدخل فيه شخصية أخرى، لتتماشى مع الحالة البلاطية التي يستوجبها العمل الداخلي إلى جوار الملك.
“هذا الحيوان العجيب يصعب تعريفه، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون مفهومًا لدى الآخرين، بل إنه بالكاد يفهم نفسه”، بما يعني أنه ممسوخ كصرصار كافكا في “المسخ”، وهذه هي الشخصية الثانية التي استبدلها بشخصيته الحقيقية، ويكون دوره في البلاط أكبر من الشخصيتين فيه، “فهو تارة متعجرف، وتارة وضيع ذليل، وقد يُظهر أبشع صور البخل… وقد يكون جريئًا جسورًا… لعله أقرب إلى إله هندي مصور بسبعة وجوه مختلفة…”
في عموم هذا التقييم الصحيح، فإن الفلاسفة “يعدون مهنة رجل البلاط مهنة وضيعة خسيسة لا تقل عن مهنة السام بالسموم”. ويأتي هولباخ بمفهوم نفسي: “رجل البلاط كرس نفسه منذ الطفولة لمثل هذا التدريب… منذ نعومة أظفاره يجب أن يتعلم السيطرة على ملامحه لئلا تفضح أسرار قلبه…”، بمعنى أن ذاته الداخلية غير المنظورة مهيأة لمثل هذا الدور الصعب بسبب الطبيعة الاجتماعية التي تنشأ فيها، وتأخذ، وهي تكبر وتغادر براءتها الاجتماعية، العديد من مواصفات المجتمع الذي يُنتج مثل هؤلاء المتزلفين والمتملقين والزاحفين على حقوق غيرهم.
هذا إشعار واضح بأن دراسة المجتمعات الحقة تبدأ من شواذها وهوامشها البشرية لبيان مثل تلك المفترقات الصعبة التي يتحول فيها الإنسان إلى مسخ بإرادته كما يبدو.
بعض الناس “ابتلوا في ليونة العنق…” والانحناء الذي لا يجعلهم يعرفون ما هو لون السماء، في مقابل الكسب المادي والمعنوي مقابل خدمات لا نهاية لها، ومقابل الإهانات التي توجب على المتملق الملكي “أن يكون ذا معدة قوية تهضم كل الإهانات التي يشاء سيده إنزالها به”، لهذا توجب عليه، وهذا هو الفن، أن يضبط عضلات وجهه، ويتماسك، ويمرر الإهانات بسليقة الزاحف الذي يعرف أن مثل هذه الأمور صغيرة، ويستوجبها واجبه في البلاط. إضافة إلى هذا، فمن واجبات الزاحف – المتملق التي عليه أن يحفظها:
-
مَدْحُ سيده دائمًا، فإذا كان (سيده) غبيًا، فالإطراء المفرط لا يضره.
-
أن يلاطف كلب الموظف الكبير في البلاط، وهذا حلقة مهمة في القصر.
-
يظل على اطلاع دائم على شهوات سيده ورذائله ليتمكن من استغلال مواطن ضعفه.
-
عليه أن يمسك بالمفتاح إلى قلب سيده؛ فإن كان ميالًا إلى النساء وجب تدبيرهن له، وإن كان تقيًا وجب التظاهر بالتقوى أمامه، وإن كان سوداوي المزاج وجب زرع الشكوك في نفسه تجاه كل من يحيطون به، وإن كان كسولًا وجب ألا يحدثه أحد عن العمل.
إن كان في مقالة دي هولباخ تبويب أوليّ لفن الزحف البشري في البلاط، فهذا حسبه أن يرصد تلك الظاهرة المستشرية في القصور الملكية قبل 300 سنة وأدوارها الكبيرة في النفاق والعزل والتمويه والكذب والمبالغة.
*****
قطعة 1:
رمى الخليفة المتوكل عصفورًا فلم يُصبْه. فقال وزيره:
” أحسنت”.
فرد الخليفة:
” أتهزأ بي؟”.
فقال الوزير:
“لقد أحسنتَ إلى العصفور حينما تركتَ له فرصةَ للحياة…!”.
*****
قطعة 2:
فحوى هذا الكتاب أعادت الينا قصيدة الجواهري (أطبقْ دجى) وهذا مقطعٌ منها:
أطبق على مُتَبلِّدينَ شكا خُمولَهمُ الذُّباب
لم يَعرِفوا لونَ السماءِ لِفَرْطِ ما انحنَت الرقاب
ولفرطِ ما دِيسَتْ رؤوسهمُ كما دِيسَ التراب
أطبق على المِعزى يُرادُ بها على الجوعِ احتِلاب
أطبق على هذي المُسوخ تَعافُ عيشتَها الكلاب
مصدر:
- “فن الزحف” (دليل موجه ليستخدمه رجال البلاط – طرائف فلسفية) – البارون هنري تيري دي هولباخ- ترجمة: د. بلقاسم كريسعان – دار أبكالو للنشر والتوزيع- بغداد- 2026.
تعريف: