ترجمة: ربى خدام الجامع
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف على مفترق طرق حاسم. فالدولة التي خرجت سريعًا من العزلة الدولية، وحصدت دعمًا سياسيًا وماليًا غير مسبوق، ما تزال في الداخل عالقة بين منطق السلطة الصلبة ومنطق الدولة الجامعة. هذا التقرير، المنشور في مجلة فورين آفيرز، يتناول مفارقة المرحلة السورية الراهنة: كيف أسهمت البراغماتية السياسية والقبضة الأمنية التي أوصلت القيادة الجديدة إلى دمشق في تحقيق اختراقات خارجية لافتة، لكنها في الوقت نفسه بدأت تُنتج نظام حكم ضيق الأفق يثير مخاوف واسعة لدى السوريين بمختلف انتماءاتهم. ومن خلال تتبّع مسار إعادة التأهيل الدولي، وتفكيك بنية السلطة الناشئة، ورصد التوترات الأمنية والطائفية، يجادل التقرير بأن استقرار سوريا لن يُحسم في العواصم الأجنبية، بل سيتوقف على قدرة القيادة الجديدة في فتح المجال السياسي، وتقاسم السلطة فعليًا، وبناء دولة يشعر السوريون جميعًا بأنها تمثلهم، لا مجرد سلطة جديدة بثوب مختلف.
يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة ضمن إطار دراسة ملفات العملية الانتقالية في سوريا بعيون الصحافة الغربية، لذا لا يعتبر ذلك تبنياً لموقف كاتب المادة أو المجلة تجاه ما يجري في سوريا.
فيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
على مدار عام كامل، حقق أحمد الشرع المستحيل، فهو لم يسقط النظام الديكتاتوري الذي حكم سوريا لنصف قرن فحسب، بل أيضاً أقنع عواصم الدول الغربية بمجرد تسلمه لقيادة البلد برفع أو تعليق معظم العقوبات المفروضة على سوريا خلال فترة حكم النظام البائد، كما حصل على تعهدات من الدول العربية والغربية بدفع مليارات الدولارات على شكل استثمارات، بل إنه أيضاً انضم للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة، أي أن إعادة التأهيل على المستوى الدولي التي حققها الشرع لنفسه ولبلده كانت شيئاً لا يخطر على البال ولا في الأحلام عندما أصبح قائداً لسوريا على أنقاض حكم نظام بشار الأسد.
ولكن، وعلى الرغم من كل تلك الانتصارات الدبلوماسية، تواجه الشرع في الداخل مشكلات ومصاعب كثيرة، فالصفات نفسها التي مكنت هيئة تحرير الشام من الوصول إلى دمشق في كانون الأول 2024 باتت اليوم تعرقل مساعي القيادة الجديدة لإعادة بناء الدولة السورية. فقد كان من الضروري لهياكل القيادة أن تكون ضيقة، إلى جانب إيلاء الأولوية للبقاء مقابل التخلي عن صفاء الفكر العقائدي ونقائه، وكذلك كان لابد من الاستعانة بذكاء لا يعرف الرحمة لتحييد المنافسين، وذلك لتوحيد ثلة متفرقة من التنظيمات الجهادية السابقة وغيرها من التنظيمات المسلحة وتحويلها إلى قوة ضاربة في ساحة الوغى. إلا أنه بعد مرور عام على المرحلة الانتقالية بعد الأسد في سوريا، لم تتمخض تلك السمات إلا عن ظهور نظام حكم ركز السلطات بيد دائرة ضيقة من القادة السابقين في هيئة تحرير الشام الذين لم يقدموا حتى الآن رؤية واضحة بشأن مستقبل سوريا السياسي.
بعد أن حرمت الأقليات الدينية والعرقية وكذلك الأغلبية السنية التي تخشى من المستقبل العقائدي لهذه القيادة الجديدة من أي مشاركة فعالة في المؤسسات السياسية التي تشكلت حديثاً في هذا البلد، بقيت تلك الفئات عاجزة عن تحديد مكانتها أو موقعها في سوريا الجديدة، وقد وصل ذلك التوتر إلى ذروته مؤخراً في شمال شرقي سوريا، حيث هيمنت قوات الحكومة السورية على الأراضي التي بقيت قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية تسيطر عليها لعقد ونيف. ثم إن الاتفاق الذي عقد الأسبوع الماضي بين قسد والحكومة التي بدأت بعملية دمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، يمكن أن يبدأ بتخفيف التوتر الآن. غير أن زخم ذلك لا يجوز أن يتوقف عند هذا الحد، لأن عملية الانتقال السياسي في سوريا إذا توقفت، فإن البلد يمكن أن ينجر لدوائر عنف جديدة، ما يهدد بتبديد التقدم الذي أحرزته الحكومة في حصد التأييد والدعم الدولي.
إن السبيل الوحيد لضمان الاستقرار على المدى البعيد يتمثل بانفتاح المنظومة السياسية بشكل فعلي، إذ حتى الآن، بقي الشرع متردداً في تحقيق ذلك، لكنه سياسي حصيف أبدى قدرة على التكيف البراغماتي لتفادي المشكلات قبل تحولها إلى أزمات. فخلال العقد الفائت، نأى بجماعته عن حركة الجهاد العالمية، ووجهها نحو الانحياز الاستراتيجي للشركاء الدوليين. وقبل سقوط الأسد بأشهر قليلة، عندما كانت هيئة تحرير الشام تحكم محافظة إدلب، سمح بقيام إصلاحات محدودة رداً على الاحتجاجات الشعبية التي خرجت في تلك المنطقة. والآن، حتى يحافظ على التقدم الذي أحرزه كرئيس لسوريا ويبني عليه، لا مفر أمامه من منح السوريين سهماً سياسياً حقيقياً في رسم مستقبل البلد.
الخروج من العزلة
كانت سرعة سوريا في العودة للتعامل مع العالم ومشاركته مذهلة، إذ عندما سيطرت هيئة تحرير الشام على دمشق، كانت سوريا دولة منبوذة وخاضعة لعقوبات من معظم دول العالم، ويعود السبب الرئيس في ذلك للقمع الذي مارسه نظام الأسد، بل إن هيئة تحرير الشام نفسها كانت على القائمة الموحدة للتنظيمات المحظورة لدى مجلس الأمن الدولي، كما أن الأصول الجهادية لهذه الجماعة أقلقت دول المنطقة من فكرة التعامل معها، كما أن الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب كانا خاضعين لعقوبات مجلس الأمن بسبب ارتباطهما بتنظيم القاعدة، وقد بقيا كذلك حتى تشرين الثاني 2025، ما يعني أن أي دولة تستضيف أياً منهما كان عليها الحصول على إعفاء من الأمم المتحدة قبل استقبالهما. ولكن، وخلال الأشهر الأولى من الوصول إلى السلطة، أعادت الحكومة الجديدة العلاقات مع الدول الأجنبية المعادية مثل روسيا، وحصلت على تعهدات بالمساعدة في مجال إعادة الإعمار من دول الخليج، وأقنعت الدول الغربية بالبدء بعملية رفع العقوبات. وفي تشرين الثاني الماضي، وبتشجيع من واشنطن، أخرج مجلس الأمن الشرع وخطاب من تلك القائمة، على الرغم من أن هيئة تحرير الشام نفسها ما تزال ضمن قائمة العقوبات وذلك لتطمين الصين المتوجسة من انضمام فصيل أويغوري مقاتل للجيش السوري الجديد. وفي الشهر نفسه، زار الشرع البيت الأبيض وألزم حكومته بالتعاون مع التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة.
وهذا الانفتاح على العالم لم يحدث بالتصادف، فقد أدرك قادة سوريا الجدد بأن كسب الشرعية في أعين الشركاء الأجانب، والحصول على دعم مالي واستثمارات باتت سوريا بحاجة ماسة إليها، يعتمد على قدرتهم في تطمين العواصم الغربية بأن الحكومة في دمشق قادرة على معالجة جذر مخاوفهم. وهكذا أطلقت الحكومة حملة للتواصل عرضت من خلالها تعهدات والتزامات حقيقية بالنسبة لقضايا جوهرية، وعلى رأسها مجابهة تنظيم الدولة، وتفكيك البنية التحتية للأسلحة الكيماوية، وحرمان القوات التابعة لإيران من العمل في الأراضي السورية، ودمج آلاف المقاتلين الأجانب ضمن الجيش الوطني وذلك للحد من خطر رحيلهم عن سوريا بحيث يتحول هؤلاء إلى خطر أمني يهدد دولاً أخرى. بيد أن الوفاء بتلك الالتزامات خلال النصف الأول من عام 2025، إلى جانب الضغط الحصيف الذي مارسته قطر والسعودية وتركيا، مهد الطريق أمام تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة
موقع تلفزيون سوريا: