في كتابه “ستّ نزهات في غابة السرد” (1) شبّه الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو النص بالغابة الكثيفة، بما فيها من أسرار ومسارات وخفايا يكشفها القارئ. ولعلّ هذا الوصف هو الأقرب إلى ما ننوي التحدّث حوله في مقالتنا هذه؛ فالنصّ الذي يبدعه الكاتب لا يستقيم بدون الشراكة بينه وبين الآخر على تنوّع تسمياته قارئًا أو محرّرًا أو سلطةً بمختلف تمثيلاتها. والمحرّر بالذات قد يساعد على رؤية جديدة للعمل، وقد يكون كذلك يدًا تقلّب تربته وتقلّم أغصانه.
وهذه الرفقة – التي لا يؤمن بجدواها كُثر – هي من اختصاص المحرّر الأدبيّ، فقد كان فرانسيسكو بورا يتدخل في صلب بنية نصوص الروائي غابرييل غارسيا ماركيز، وشطب الشاعر عزرا باوند ما لا يقل عن نصف قصيدة “الأرض اليباب” للشاعر ت. إس. إليوت، فما كان من الأخير إلاّ أن وصفه في الإهداء بـ “الصانع الأمهر”.
وفي الواقع العربي تجارب متفرّدة، وهي على ندرتها تثبت أهمية التحرير في صناعة العمل الأدبي، فقد كان طه حسين محرّرًا لأعمال الروائي نجيب محفوظ. ومن التجارب الحديثة التي أمكنني الاطلاع عليها، على سبيل المثال، يشير الكاتب الفلسطيني علاء حليحل في روايته “أورفوار عكا” (2) إلى تجربة جديدة قام فيها الناقد أنطوان شلحت بـ “تحرير أدبي للرواية”. هذه التجربة التي يصفها المؤلف بأنها “مفيدة ومختلفة” ساعدت في تطوير النص، فأهمية هذه الشراكة تعود بأثر إيجابي على المؤلف أو الكاتب، إذ أن الثنائيّة التي ربط فيها شلحت بين فهم الأدب من خلال المجتمع، وفهم المجتمع من خلال خيال الكاتب، هي أيضًا تحتاج للمحرّر لتوصيل هذه الأفكار وتخليص النص من الغموض والمعيقات اللغوية والأسلوبيّة التي قد تشرخ هذه العلاقة؛ في ثالوث لا يمكن فصمه بين الكاتب والمحرّر والقارئ.
| يشير الكاتب الفلسطيني علاء حليحل في روايته “أورفوار عكا” إلى تجربة جديدة قام فيها الناقد أنطوان شلحت بـ “تحرير أدبي للرواية” |
هذه الشراكة مفقودة في واقعنا أو غائبة بسبب بعض الكتّاب الذين لا يرون في المحرّر سوى تهديد أو تدخّل يفسد تلقائيّة العالم الذي يبنيه من جهة، أو لغياب فهم عملية الإبداع باعتبارها دُربةً ومهارةً وشراكةً تقوم على الموهبة من جهة أخرى. ويبدو أن الأخيرة وحدها لم تعد كافية.
كما أن مفهوم التحرير الأدبي غائب عن الثقافة العربية، إذ حتى وقت قريب سادت الفكرة التي ترى في الموهبة إلهامًا يحلّ على الكاتب؛ ما جعل دوره ملتبسًا بين من يراه ضرورةً ومن يعتبره فائضًا لا يضيف إلى جودة العمل.
فهل نحتاج له؟ وما ضرورة أن تشاركنا عين أخرى بناء نصوصنا؟ ومن هو المحرر الأدبي؟ وما الذي يتميّز به، وهل يمكن للدورات التدريبيّة على غرار ورش الكتابة أن تصنعه، أم أنّ هناك شيئًا يأتي مع الإنسان وينمو بالممارسة والتمرين؟
وما هو دوره وما حدود هذا الدور؟ ألا يُفسد وجوده طزاجة العالم الروائي للكاتب؟ ولكن من قال إن الفطرة منضبطة، وأن الجمال يأتي حاملًا معه تمامه؟ أو أن العمل الأدبي يولد مكتملًا؟ وهل يكتفي المحرر بالبقاء خلف سياج الغابة أم أن عمله يدخل في المضمون؟ وهل ما يقوم به: كتابة على كتابة؟
أليست نصوصنا كالأبناء، نراها بعين المحب تارةً وعين المتملّك تارةً أخرى والوصيّ في ثالثة، فنغفل عن هناتها وزوائدها وتناقضاتها الساذجة؟
وإذا كان حضوره في تهذيب وتشذيب العمل الروائي جوهريًّا، فما الشروط الذاتيّة التي يجب أن تتوفر لديه فتساعده على بناء شراكة حقيقيّة مع المؤلف وتؤدي إلى نمو النص وتحرره وتحريره؟
أيضًا، في كثافة وتدفّق النتاج الروائي الحالي وعجز القارئ عن مواكبة ما يُنشر، لماذا يدّعي البعض أن هناك أزمة رواية؟ وما هي الأزمة؟ هل تعني ازدياد الكم على حساب النوع أم التعجّل في النشر؟ أم قوائم الأكثر مبيعًا، والتي تسير أغلبها بالضد من الحس السليم؟ لماذا تقع بعض الأعمال التي نالت شهرة وسمعة كبيرة في أخطاء ساذجة رغم مرورها على لجان تحكيم وقراء ومختصين؟ وهل تُعنى دور النشر العربية بدور المحرّر الأدبي أم تقتصر على المدقّق اللغوي؟
يتساءل المؤلف عن البحّة باعتبارها خشونةً وغلظةً في الصوت، فكيف وصف بها الكاتب الشفاه؟
يزخر الكتاب بنماذج مختارة من روايات وأعمال أدبيّة، يبرز من خلالها المؤلف للقارئ طريقة عمل المحرر وعينه التي تصطاد العبارة النافرة، وأي عيبٍ في عناصر الفضاء الروائي؛ لا سيما تلك التي تخلُّ بخصوصيته الجمالية وصدقه وانسجامه مع العالم الذي يرويه ويروي عنه. إذ تُستخدم الكلمات لغير مدلولها، ويقع المجاز في الركاكة والنمطيّة والغموض، وتتعرّض الشخصية لضرورات المبالغة وعدم الدقة. مثال على ذلك: “كانت ذاكرتي تعود إلى الوراء بسرعة البرق الحارق لكل أساطير النسيان”. هذه العبارة لن يرى فيها المحرر الأدبي سوى تركيب غامض، إذ أن الكاتب “يصعد بالمجاز إلى أفق غير مفهوم مستخدمًا تعابير غير مترابطة ولا تشكّل صورة فنيّة يُعتدّ بها، حيث إضافة البرق إلى أساطير النسيان في جملة واحدة لم تُضف جديدًا”، ليبرز هنا المحرر كعين خارجية، بدون أن يغفل ضرورة أن يتقمص روح الكاتب ولغته وأسلوبه وجمالياته في تدخلاته ليفسر ضرورات هذا التدخل وحدوده.
يؤكد المؤلف على حساسية اختيار الكلمة، فيُفرد عدة فصول لأهميتها، وهي على التتالي: “حرّر الكلمة من الغموض والركاكة”، “حرّر روايتك من التكرار”، “لا تحشُ ركامًا زائدًا”، “تحرير الصورة والاستعارة”، “وكيف تهبط الطائرة”؛ فالعمل الفني لا يحتاج لكتيّب إرشادات بل إلى ذائقة وروح وخيال تعمل كلها في خلق العالم الذي ترويه؛ وأهم ما يستوقف المحرر الأدبيّ في هذا الخصوص، صوت الكلمة وإيقاعها والاستسهال الذي يقع فيه المؤلف حين تُفرض عليه الكلمات أو لجوئه إلى المبالغة.
بينما يدور الفصل الثاني “حرر روايتك من التكرار، لماذا لا نحبُّ التكرار؟” حول أن الأخير لا يعني تكرار الألفاظ، بل قد يطاول “مكونات البناء اللغويّ ويتجاوزه إلى المضامين”. والأهم ليس السؤال كيف يُعالج مواضع التكرار وكيف يخضعها للتحرير، بل عن الميزات التي تخوّل له التدخل في أعمال الآخرين وتشريحها؟
لا يفسر المؤلف هذه الميزات أو المهارات التي يجب أن يتوفّر عليها من يعمل في هذه المهنة، التي لا تقل مشقةً عن مهنة الكاتب وتحتاج إلى جسارة لا تقل عن نظيرتها، بل يترك للقارئ التعرف إليها من خلال نماذج تحريرية تعكس إحدى أهم سماته، وهي القدرة التحليلية والنقدية التي يجب أن يتمتع بها. فهو الذي تسترعي “انتباهه النتوءات الشاذّة والسياقات الغامضة والصياغات الركيكة”.
ولا وجود للأحكام القطعيّة في عالم التحرير الأدبي، وما يصح في مكان لا يستقيم في غيره. والمثال في هذا السياق هو التكرار. يقدم الكتاب أمثلة عن التكرار الجماليّ الذي يعززه المعنى ويؤكده، كما نرى في سورة الرحمن آية “فبأي آلاء ربكما تكذبان” 31 مرّة؛ وفي رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني تتكرر عبارة: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”، وهي هنا “تحمل شحنة دلالية وانفعالية وتأنيبًا وقلقًا رمزيًّا عن السيطرة والخضوع”.
وهذا التكرار، برأي المؤلف، يختلف كثيرًا عن التكرار المجانيّ الذي يوحي بفقر عالم الكاتب، وتجسّده أحرف العطف أو أداة الاستدراك “لكن”، أو تكرار الظرف والحال، أو اللغة التراثية بما يُطلق عليه “الكليشيه التعبيري”، الذي يسبّب ضعفًا في الأسلوب.
إن ورود “كليشيه” سطحي على لسان شخصية ما، ربما يمكن فهمه كلازمة تعبيريّة، لكن أن يرد على لسان الراوي فقد يكون على حساب جودة الأسلوب. وكمثال على ذلك هذا الكليشيه: “يمم شطر النافذة أو يممت شطر السرير/ تيمم شطر الجنوب/ إننا في قارب واحد نيمّم شطر مصير غريب/ رغم أني شابة تيمّم شطر عجوز/ أرى الرجل المقنع بمعيته ييممان شطر جهة مجهولة”. وفي هذا النص المأخوذ من رواية “دفاتر الوراق” للروائي جلال برجس نرى كيف يلعب الكليشيه التعبيري والتكرار في خلق نموذج لغوي يجعل القارئ في حالة توقع لفظي مستمر، ويعتبر الكاتب أن “نجاح القارئ في توقع نمط العبارة قبل قراءتها نقطة ضعف في النص”.
ويرى المؤلف أن التكرار والمبالغة والوصف المقفل والمجاز الرديء الغامض والعبارة المستعجلة تمثّل عدم احترام للقارئ ونسفًا لمفهوم القارئ الضمنيّ والمثالي لصالح قارئ محدود الوعي والثقافة يفترضه الكاتب. أما الهفوة التي تودي بالكتابة، فهي اعتلاء الراوي منبر الحكمة حيث “كل موعظة تلقيها على القارئ طعنة في خاصرة روايتك، إنها لا تشتت فقط انتباه القارئ، لكنها تفسد فنيّة النص. ما تقوله بشكل تقريري مباشر يعني أنك فشلت في قوله بطريقة مشهديّة، فالرواية هي فنّ التصوير وليس التلقين”.
يفنّد الكتاب أشكال الحشو: “فكل كلمة زائدة عن المعنى، أو جملة طويلة ذات مضمون محدود، تعتبر حشوًا ويتحوّل الإطناب إلى ركام لفظيّ؛ فأهمية التحرير تطاول التشبيه والاستعارة. فالسؤال عن جدوى استخدام التشبيه وكيف تؤدي الصورة الفنية وظيفتها هو ما يجدر بالكاتب طرحه على نفسه قبل أن يعمد إليه، حتى لا تكون تشبيهاته عبئًا على السرد. وليميز الصورة الفنية الجيدة التي تضيف قيمة جماليّة من تلك التي وضعت لتكون حليةً زائدة يمكن الاستغناء عنها”.
فالصورة المتقنة والمبتكرة تعكس رؤية الكاتب للعالم وقدرته على التأمل وبراعته “في الانزياح عن الاستخدام المعتاد للّغة”، كما أنها أكثر من مجرد أداة توصيل، بل طريقة متجددة في النظر للعالم وتشكيل وعي جديد للمألوف ينزع عنه هذه الإلفة.
| يؤكد علاء فرغلي على حساسية اختيار الكلمة، فيُفرد عدة فصول لأهميتها |
إن كليشيهات لفظية من قبيل “أطلق ساقيه للريح، عضّ أصابعه من الندم، لا يحيد قيد أنملة، لم ينبس ببنت شفَة” هي مسكوكات لغوية يمكن قبولها – برأي المؤلف – في حال ورودها على لسان شخصية “ذات ثقافة وخصوصيّة محدودة”، لا على لسان الراوي. فأن يستخدم الكاتب التشبيه في أغلب أعماله أكثر من مرة لا يعني سوى محدوديّة عالمه وعجز خياله عن تنويع صوره أو سيطرة صورة واحدة تتكرر على وعيه أو اللجوء للاستسهال.
لا يقدم الكتاب وصفة جاهزة لعمل المحرر الأدبي، بل نماذج تساعد على التعريف بطريقة عمله وتعامله مع النصوص الروائيّة والخطوات التي تساعد الكاتب في مرحلة التحرير على اكتشاف “الصور الفنية غير الجيدة، الضعيفة، المصطنعة، أو الغامضة والمرتبكة وغير المناسبة”.
وفي الفصل المعنون بـ “الأخطاء الموضوعية، أو كيف تهبط الطائرة؟” يناقش الأخطاء التي تقع فيها بعض الأعمال، وهي تنتمي في ظاهرها إلى الفانتازيا أو الخرافة أو تبني عالمًا واقعيًّا وسحريًّا من دون أساس موضوعي وواقعي تستند له. فلا يمكن تجاهل بعض الحقائق التاريخية في رواية تاريخية، ولا يمكن أن يتناقض موقف الراوي من الحياة في عبارة واحدة كذلك، لا معنى للفانتازيا أو الخيال الذي لا يرتكز لأسس واقعية.
والمثال الأقرب هنا حكاية فيلم “الناصر صلاح الدين”، الذي كاد أن يحوز “الأوسكار” لولا خطأ إخراجي أبعد الفيلم عن المنافسة، وهو أن أحد الكومبارس ظهر مرتديًا ساعة يد حديثة، وهو ما لا يتسق مع المرحلة التي يستدعيها.
يتطرّق القسم الثاني من الكتاب إلى الأخطاء التي ترتكب أثناء الوصف، وعلى امتداد الفصول: “حرر وصفك من الجفاف والخشونة”، “أنا أروي، هو غير موجود”، “قال في صمت”، “تحرير الشخصيات من النمطيّة”، ويناقش نقاط الخلاف التي تقع بين المحرر والكاتب، ولا سيما المتعلقة بالمساحات الوصفية.
كما يفصّل في أنواع الراوي وتوجهه ومنظوره ومعرفته ووعيه ومصادره، التي يجب الانتباه إليها، والأخطاء التي قد يقع فيها الكاتب موضّحًا أهمية ملاحظات المحرر في تغيير زاوية الروي أو الضمير الذي يروي، فالكاتب ونتيجة التصاقه بالنص قد يغفل عن ضرورة تغيير المنظور.
وإذا كان النص غابة سردية أو عالمًا موازيًا، فإن أهمية “المحرر الأدبي” في هذا العالم لا تقل عن ضرورة البستاني أو المرافق لولادة النص الذي يبدأ منذ اللحظة الأولى. وتتضح في هذا الكتاب أهمية هذا الدور وضرورته.
إن التساؤل عن حدود سلطة الأخير يجيب عنها الكتاب، الذي يشبهه بالبستاني الذي يشذب ويقلم ويغير مواضيع بعض النبتات من دون المساس بكينونة الحديقة: “أنت جيد في الزراعة، أرضك خصبة وريانة، ونباتاتك تنمو بعفوية، لكنك لست خبيرًا في النبات ولا في تنسيق الحدائق”.
يتولى الكتاب الإجابة على السؤال الإشكالي الذي يُطرح حول علاقة المحرر بالكاتب، من كونها علاقة مواجهة تستلزم التفاوض، إلى علاقة تقوم على التكامل، حيث تبقى أنت أيها الكاتب “صاحب الحديقة، وأنت من قمت بزراعتها، قد لا تحتاج إلى بستاني، قد تحتاج إلى عين أخرى تلقي نظرة على صنيعك، لأنك في خضم انهماكك ووجودك داخل الحديقة تعذّر عليك رؤيتها من الخارج رؤية شاملة وموضوعية”.
وفي هذه العلاقة يصبح المحرر شريكًا في الرؤية النهائية مع بقاء حرية الكاتب في الانطلاق والحركة خارج كل متن، ليرسم صورة مثالية تؤهله لهذه المهمة، ولعل أهمها “نزعة التأمل وحساسية تذوق اللغة، والفضول وهواية الاستكشاف ورؤية نقدية مبدئية”، إذ أن نمط التفكير والرؤية والحساسية للغة ليست كافية وحدها، بل يمتلك المحرر، إلى جانب كل هذا، “تفسيرًا لما يراه خللًا، ثم يقترح البديل”، ولعل أهم صفاته “أن يكون غير منحاز إلى شكل إبداعي”، وهي تعني فيما تعني الانفتاح والقدرة على تذوق كل أشكال التجريب الفنيّ والأدبي ليصبح المحرر الأدبي ركيزة في بناء العالم الروائي، فهو يعرف من خلال مهارة فريدة وغريزة استثنائية موقع كل نبتة أو غرسة في حديقة النص.
هوامش:
(1) أمبرتو إيكو، ستّ نزهات في غابة السرد، ترجمة سعيد بنكراد، 2014.
(2) عن رواية “أورفوار عكا” لعلاء حليحل، تقرير منشور في موقع “الجسرة” الثقافي، 2021.