تُعد “فصول متوحشة” من أكثر روايات كيتلي مارس تأثيرًا. نُشرت عام 2010 ولاقت ترحيبًا غير مسبوق من قبل القراء والنقاد في هاييتي وخارجها، خصوصًا في فرنسا حيث نُشرت. باستخدام الديكتاتورية كخلفية، تقدم الروائية، بأسلوب أدبي متقن، قصة آسرة ذات طابع واقعي. تتكشف القصة بأكملها في ظل ديكتاتورية بابا دوك المتوحشة. في عام 1960، كان رئيس تحرير صحيفة المعارضة “لو تيموان”، دانيال لوروا، ينشر مقالات وافتتاحيات تندد بديكتاتورية الرئيس فرانسوا دوفالييه. وهكذا شرعت الرواية في تصوير الرعب الذي خيّم على هاييتي في ظل ديكتاتورية بابا دوك في ستينيات القرن الماضي، من خلال قصة الشخصية المحورية في الرواية نيرفا، المرأة، زوجة دانيال لوروا والأم لطفلين، التي أُجبرت على الخضوع لرغبات أحد أفراد عصابة تونتون ماكوت لإنقاذ زوجها المسجون. تسعى نيرفا لتحرير زوجها، دانيال، وهو معارض سياسي وأستاذ جامعي مختطف من طرف أجهزة القمع في هاييتي في ظل حكم الديكتاتور فرانسوا دوفالييه. من خلال قصة نيرفا تتناول الرواية موضوعات الخوف، الخضوع، البقاء، العنف السياسي، وانحراف نظام دوفالييه. أما مكان وزمان هذه الحقائق والأحداث الفظيعة فهما بورت أو برانس، في ستينيات القرن الماضي. وقد اعتمدت كيتلي مارس في ذلك سردًا متعدد الأصوات، يمزج بين معاناة نيرفا ومقتطفات من مذكرات زوجها. تستكشف الرواية كيف يمكن للخوف والحاجة إلى البقاء أن يُجبرا أي إنسان على اتخاذ خيارات مأساوية ومعقدة، واصفةً “موسمًا وحشيًا” لا يُنسى في تاريخ هاييتي.
ولدت الروائية الهاييتية كيتلي مارس في آذار/ مارس عام 1958 في بورت أو برانس. الطابع الغالب على كتاباتها هو استكشاف الحميمية ومواضيع تتعلق بالجسد، والعالم الداخلي، والجنس. وهي جوانب لا تخلو منها جميع أعمالها الروائية.
قادت القراءة كيتلي مارس إلى الكتابة. كان عالم طفولتها هو عالم القراءة. وكونها الابنة الوحيدة، أصغر أربعة أولاد، كانت العزلة ملاذها، والقراءة متعتها ورفيقتها في عزلتها. كانت والدتها تمنحها الكتب التي تحبّها من دون أية رقابة. ومنذ صغرها وكيتلي مارس تحلم بكتابة كتاب.
حين تزوجت أنجبت طفلين. لم تكن الكتابة جزءًا من حياتها آنذاك. في أوائل العقد الثالث من عمرها، مرت بمرحلة صعبة، فترة من الشك الذاتي. كانت أزمتها نفسية وجسدية. ولأول مرة في حياتها، فقدت الاهتمام بكل شيء، بكل ما يشكل حياتها اليومية، بملذاتها الصغيرة. هكذا دخلت في أزمة استمرت قرابة ثلاث سنوات. أزمة وجودية، روحية. كانت مرحلة مؤلمة للغاية، وفترة من التساؤل عن الذات والحيرة بشأن المسار الذي يجب أن تسلكه، حسب تعبير الكاتب رايمون أرنو. في هذه المرحلة، بدأت تشعر بإلحاح شديد بالحاجة إلى الكتابة، التي أصبحت بالنسبة إليها وسيلة لإيجاد التوازن الشخصي، للحلم وللشعور بالرضى. كانت محاولاتها الأولى المترددة عبارة عن قصة طويلة من البهجة والشك والتردد والأمل. رحلة استمرت حوالي عشر سنوات قبل أن تبدأ في تحقيق دخول حقيقي إلى عالم الأدب.
في منزلها البرجوازي في بيتيونفيل، المزين بحديقة زاخرة بالنباتات الاستوائية، اعتادت كيتلي مارس على استقبال ضيوفها من الشعراء والنقاد والفنانين، وتعريفهم على جوانب معينة من تاريخها الشخصي والسياق الذي تقع فيه كتاباتها الأدبية. بدأت كتاباتها الأولى من خلال جنس الشعر، الذي كان موهبة فطرية لديها، حيث نشرت مجموعتين شعريتين: “نار العسل” و”همس وبكاء”. كان الشعر وسيلتها للتعبير عن نفسها، وخطوة أولى نحو كتابة النثر، بدءًا بالقصص القصيرة، وإن كان ذلك بتردد. لذلك لم يتجاوز إبداعها القصصي مجموعتين قصصيتين: “رائحة البخور” و”فندق ميراج”. لم تغامر كيتلي مارس بالانخراط مباشرة في كتابة الرواية، إذ بدا لها ذلك طموحًا صعبًا للغاية. فالرواية أشبه بتكليفها ببناء منزل وهي ليست مهندسة معمارية. من خلال البدء بالقصص القصيرة، نمّت لديها شغفًا بالكتابة وثقةً مكّنتها من الاستمرار بعد فوزها بجائزة “الأمير كلوس”.
نشرت روايتها الأولى “كاسالي” عام 2003. فكانت بذلك بصدد تجسيد نقطة تحوّل روحية في حياتها. “كاسالي” قصةٌ عن ثقافة الفودو وروحانيتها في “لاكو”، وهو كيان اجتماعي من أصل أفريقي حيث تعيش العائلات معًا في فناء واحد. استدعت طقوس الفودو كيتلي مارس بقوة. كانت تجربة حقيقية. فجأة، وبدون سابق إنذار، شعرت كيتلي بحاجة غريبة إلى الواقع، إلى الحقيقة، إلى روحانية الفودو. يُظهر الفودو نفسه لك، داعيًا إياك للذهاب إليه، لاستكشافه، للمسه. لكل شخص تجربته الخاصة. كل شخص يعيشها بطريقته الخاصة. كيتلي مارس ليست من ممارسي الفودو. ليست لديها عائلة تمارسه. لكنها قررت الذهاب إلى كاسالي، وهي قرية تقع على نهر فرويد (النهر البارد)، جنوب العاصمة، للتواصل مع جذورها الأمومية. ومن هذا اللقاء في كاسالي، احتفظت بذكرى المياه الباردة، وذكريات اللحظات التي قضتها هناك. لذلك ظلت كاسالي بالنسبة لها مصدر إلهام استثنائي. لهذا السبب اعتبرت “كاسالي” رواية ذات طابع سير ذاتي إلى حد ما؛ إذ تروي، بأسماء مستعارة ومن خلال شخصياتها، رحلة كيتلي مارس للبحث عن ثقافة الفودو داخل عائلتها في اللاكو، مسقط رأس جدتها لأمها. كان مكانًا مجهولًا بالنسبة إليها، لكن والدتها كانت تتحدث عنه أحيانًا.
خلال زيارتها لهذا المكان المقدس، “لاكو”، في وقت عصيب، حين كانت تعاني من مشاكل صحية، وجدت كيتلي مارس العزاء، وكأنها تعود إلى موطنها. كان تأليف هذه الرواية وسيلةً للحفاظ على هذا السحر، بكل ما يحمله من أحاسيس ومشاعر. أثناء كتابة الرواية، عاشت بعمق هذه العودة إلى جذورها، كطريقة لتكريم ثقافتها، وأرواح عائلتها، رغم انقطاع التواصل معهم لفترة طويلة. أرادت من خلال هذه الرواية الحفاظ على ما تبقى من ثقافة لم تكن تعرف أصولها وعلاقتها بنفسها. لذا، لم تتردد كيتلي مارس في الكشف عن المصادر الحميمية لإلهامها وإبداعها، التي اكتشفتها في بحثها عن الفودو لتغذي روايتها الأولى، “كاسالي”.
“الساعة الهجينة” هي روايتها الثانية، فيها أرست الأساس لأسلوبها الأدبي اللاحق. أرادت أن تكون هذه الرواية مختلفة تمامًا عما كُتب في الأدب الهاييتـي حتى ذلك الحين، وخاصةً من قِبل كاتبة هاييتية. تمثلت مشكلة كيتلي مارس الأولية في ترددها، أو بالأحرى انعدام ثقتها، في إدخال شخصية ذكورية في رواياتها. وقد فعلت ذلك في رواية “كاسالي”، وإن تطلب منها ذلك بعض الجهد.
قررت الكاتبة، في روايتها “الساعة الهجينة”، أن تكتب روايةً تتقمص فيها دور رجل، روايةً تُروى بالكامل بضمير المتكلم. ولخلق عالمٍ ذكوري، كان عليها أن تعيش في جسد رجل، وأن تغوص في أعماقه، وأن تُقنع قرّاءها. لقد جعلت الجسد جزءًا لا يتجزأ من الرواية. ففي كتاباتها، تُشكّل جدلية الجسد، والإثارة، والحسية، وسيلةً للتعامل مع شخصياتها، ووضعها في مناطق غامضة، في حدائق سرية تُمكّنها من الوصول إلى جوانب أخرى من شخصياتهم. بالنسبة لكيتلي مارس، كانت “الساعة الهجينة” بمثابة ذكرى من زمن كانت فيه شابة، شابة جدًا، في نهاية ديكتاتورية جان كلود دوفالييه. أرادت أن ترسم، بخطوط بسيطة، كيف كان المجتمع الهاييتـي في ذلك الوقت: الحاجة إلى المتعة، إلى النسيان، إلى الإفراط في الاستمتاع. كان تناول موضوعتي الجنس والمثلية الجنسية في هذه الرواية تحديًا آخر. بالنسبة لكيتلي مارس، تُعدّ رواية “الساعة الهجينة” بمثابة إعلانها عن نفسها ككاتبة. إنها أشبه بطقوس الفودو، تطلب فيها العبور، والانفتاح، وتستقبل “ليغبا”، سيد مفترق الطرق.
روايتها الثالثة هي “فادو”، التي وصفها بعض النقاد بأنها رواية نسوية. مع ذلك، تنفي كيتلي مارس كونها نسوية، فهي تكتب وتترك للنقاد مهمة تصنيف رواياتها. في “فادو”، تواصل استكشاف موضوع الجسد. “فادو” رواية عن الحب الذي يكافح القيود الاجتماعية والشخصية في علاقته بالآخرين، وعن امرأة هجرها زوجها في لحظة لم تكن تتوقعها، فتحاول إيجاد توازن للتغلب على هذا الفراغ بالعمل في بيت دعارة في أحد أحياء بورت أو برانس الفقيرة. سعت كيتلي مارس، في هذه الرواية، إلى تناول جوانب من الأنوثة نادرًا ما تُناقش، جوانب غالبًا ما نغفل عنها. وتركز بشكل خاص على وضع المرأة المتزوجة، مستكشفةً مواضيع مشتركة بين جميع النساء في مختلف المجتمعات. بعد أن هجرها زوجها، تستعيد أناييس جسدها تحت هوية فريدا في بيت دعارة في بورت أو برانس.
تدور أحداث رواية كيتلي مارس “فصول متوحشة”، وهي الرابعة، خلال فترة محددة من ديكتاتورية فرانسوا دوفالييه. لقد قامت بدراسة لروح امرأة ممزقة، تعيش في وضع خاص للغاية: تصبح عشيقة معذِّب زوجها، وربما تجد في ذلك متعةً ما. وهذا الوضع، بالنسبة للروائية، ليس وضعًا جديدًا، بل هو وضع عاشته ولا تزال تعيشه العديد من النساء في مجتمعات أخرى، خلال أوقات الحرب والديكتاتورية. وهي أوقات تتصدّع فيها القيم وتمزق فيها النفسيات. بالنسبة لكيتلي مارس، كانت دراسة هذه الخصوصية مثيرة للاهتمام بقدر الحديث عن الديكتاتورية، و”الماكوت”، والحياة في هاييتي خلال أوائل الستينيات عندما استولى فرانسوا دوفالييه على السلطة بطريقة ديكتاتورية.
أما أحداث رواية “على حدود العطش” فتجري في فترة زلزال عام 2010، الذي أصبح حدثًا فارقًا في تاريخ هاييتي. لقد فرض هذا الموضوع نفسه على كيتلي: مخيم النازحين في كنعان، الذي شاهدته وصدمها بشدة. بالنسبة لها، كان المخيم رمزًا للمصائب التي حلّت بالشعب الهاييتـي. ربطت الكاتبة روايتها بالأجساد، والاحتياجات، والجنس، الذي أصبح البحث عنه متنفسًا لخيبة الأمل. بطل الرواية، فيتو بيلمار، مهندس معماري وكاتب في الخمسينات من عمره، يعاني من جفاف إبداعي. يرغب في المساهمة في إعادة إعمار هاييتي بعد الزلزال، لكنه يجد نفسه عالقًا في دوامة. يجد نفسه يزور كنعان، حيث تُجبر الفتيات الصغيرات على ممارسة الدعارة. وهناك تتكشف المأساة. ضحيةً للامبالاته، يصبح عميلًا ويكتشف في داخله شخصيةً بغيضةً، تُصارع شياطينها الداخلية. يعكس ضعفه وهشاشته غموض الموقف الذي يرفضه. هذا الرجل، الباحث عن ذاته، سلك للأسف الطريق الخطأ.
الشخصية الثانية المهمة في الرواية هي تاتسومي، أستاذة يابانية للأدب الفرنكفوني، تأتي إلى هاييتي لإعداد تقرير. هي امرأة في الأربعينات من عمرها، غير متزوجة، متحررة من ضغوط المجتمع وأحكام الآخرين. تشعر بالراحة مع نفسها. تقضي أيامها الأخيرة مع فيتو على شاطئ البحر، متقبلةً إياه كما هو. هذه العلاقة، بالنسبة له، إن لم تكن خلاصًا، فهي على الأقل وعي جديد وبداية جديدة. هذه المرأة أشبه بالملاك الحارس. إن كيتلي مارس تعبّر عن نفسها من خلال أدب حميم، أدب داخلي، أدب جنسي. من خلال كتابة شعرية عن المرأة لاكتشاف ما يوجد فيها من أنوثة حازمة.
كان على الكاتبات في هاييتي احترام قواعد غير معلنة، وتناول الموضوعات الحساسة بنوع من اللياقة. كان الأدب في المقام الأول حكرًا على الرجال، وبالنسبة للنساء، كان مسألة ذوق رفيع وأخلاق حميدة، بعيدة كل البعد عن المحظورات والأمور الممنوعة، تلك الأمور التي يتم استنكارها حين تمثلها كلمات المرأة.
كانت كيتلي مارس محظية بفرصة الانتماء إلى جيل، إلى حقبة، تطورت فيها العقليات. سرعان ما شجعها الناس على مسيرتها ككاتبة فريدة، منجذبين إلى مصادر إلهامها وإلى عالمها الروائي الذي قدمته لهم. يستطيع الهاييتـيون، قراؤها الأوائل، استيعاب كل دقة كتاباتها، وكل دقة الثقافة التي تُشكل الروح الهاييتـية، والروح الإبداعية الهاييتـية. كل رواية لها تخاطبها أو تعكس شيئًا من ذاتها. كثيرًا ما تردّد إن الرواية التي كتبتها على مدى عدة أشهر كانت بمثابة شهادة عميقة على ما عاشته في ذلك الوقت. لكل رواية نكهة خاصة، ورنين فريد. كما أنها لا تتبرأ من أي من أعمالها، ولا تتنصل من أي منها، وتتمسك بما نشرته. إنها كاتبة تؤمن بأن الوقت قد حان لإسهامات المرأة في إثراء الأدب الهاييتـي، وكشف عوالم أخرى، مكملةً بذلك أدب الرجال ومُثريةً الأدب عمومًا. وتأمل أن تكون علاقتها بالأدب وثيقة، سواءً من حيث جودة كتاباتها أو موضوعاتها. إنه مسعى واعٍ ومدروس. كما أن أصالة مواضيعها ومنهجها في تناولها تُعدّ إضافةً جديدةً للأدب الهاييتـي. لقد ألهمت غيرها بهدف أن ينطلق الأدب متحرّرًا من القيود. إن واقعية كيتلي مارس هي سرّ قوة رواية “فصول متوحشة”.
ضفة ثالثة