عصام حوج.. كاتب
من الواضح أن هناك جهداً منظّماً لتطبيع خطاب الكراهية في سوريا، يتجلّى بشكل خاص في فضاء السوشيال ميديا والإعلام عموماً. والخطورة هنا لا تكمن فقط في انتشار هذا الخطاب، بل في تحوّله إلى سلوك اعتيادي ومقبول، ما يخلق بيئة مسمومة قادرة على إفشال أي مشروع وطني في هذه المرحلة الحساسة.
ففي ظل الاستقطاب الطائفي والقومي الحاد، لا يمكن إنجاز أي مشروع وطني ديمقراطي حقيقي. ودون هذا المشروع، لا يمكن إنصاف أي مكوّن، ولا ضمان حقوق أي جماعة، أياً كانت. بل إن خطاب الكراهية يقوّض حتى الأهداف المعلنة للأطراف الفاعلة: فهو يتناقض مع هدف السلطة في استعادة سلطة الدولة على كامل الجغرافيا السورية، كما يهدد هدف الإدارة الذاتية في حماية مكتسباتها والخصوصية الكردية. إذ لا دولة مستقرة تُبنى على الانقسام، ولا حقوق تُحمى في بيئة مشبعة بالخوف والتحريض.
هذا الواقع يضع على عاتق النخب السياسية والإعلامية السورية مسؤولية من الدرجة الأولى. المطلوب اليوم ليس الاصطفاف الأعمى، بل الخروج من قوقعة الاستقطاب، والاشتباك الصريح مع الخطأ أينما كان، ومن أي طرف صدر. والأهم أن يبدأ كل طرف بمواجهة متطرفي جماعته الطائفية أو القومية، أولئك الذين يتغذّون على الانقسام ويتضررون من أي توافق وطني. فلا يمكن كسر دائرة خطاب الكراهية إلا من داخلها، وبمواجهة مباشرة مع مصادرها.
وتبقى المسؤولية الأكبر على الإعلام الرسمي، الذي يُفترض أن يكون منبراً وطنياً عاماً، يعكس هواجس جميع السوريين دون استثناء، لا أداة لإعادة إنتاج الانقسام أو تبريره.
إلى جانب ذلك، لا بد من إفساح المجال أمام البُنى السياسية العابرة بطبيعتها للانتماءات الطائفية والقومية، فهي وحدها القادرة على أن تشكّل مركز استقطاب وطنياً جامعاً، وعلى تقديم بديل حقيقي عن خطاب العصبيات.
ليس بالضرورة ان تجاهر بكراهية الاخر حتى تكون مروجاً لخطاب الكراهية، بل يكفي ان تدفع الأمور نحو التأزيم وتنظر الى القضايا من زاوية واحدة، لتكون مساهماً في ترويج خطاب الكراهية من حيث تدري او لا تدري.
وأخيراً، فإن إشاعة الخطاب التوافقي، القائم على البحث عن المشتركات وتعزيزها، باتت ضرورة ملحّة. فبدلاً من شيطنة الآخر وتحويله إلى عدو دائم، لا بد من إعادة الاعتبار لفكرة المصالح المشتركة في الاستقرار والوطنية الجامعة، بوصفها الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق الطويل. طبعا الوطنية ليس بوصفها شعار للاستهلاك على طريقة السلطة الساقطة، ولا على طريقة من (يحرر يقرر) وخطاب الغلبة على طريقة السلطة الجديدة، بل وطنية تعيد الاعتبار الى الشعب السوري وتمكنه من تقرير مصيره وتحديد شكل الدولة والنظام السياسي.