نعود إلى الكلاسيكيات دائمًا لأنها نصوص مؤسسة في الأدب العالمي، وهناك أسماء لا يمكن تجاوزها في أي مكتبة تهتم بالأدب. لكن الجدير بالانتباه حقًا هو أن يكون بعض هذه الأسماء من المناصرين للقضية الفلسطينية، ولحركات التحرر الوطني والنضالي في العالم. وهنا لا بد من الإشارة إلى هذه المسألة في أي فضاء معرفي، سواء في الجامعة أو المدرسة أو عند دراسة أدب ثقافة ما.
فنحن نعيش زمنًا مغايرًا، وليس زمنًا محايدًا؛ إذ أصبحت الجماليات جزءًا أساسيًا من الموقف الأخلاقي المناهض للظلم، ليغدو مفهوم العدالة، بوصفه قيمة من قيم الأدب والشعر والجمال الإنساني، أكثر وضوحًا وإلحاحًا.
ومن هنا، أصبح لزامًا علينا عند دراسة أي نص أدبي أن نسأل: إلى أي سردية ينحاز؟ هل يروّج للاستعمار أم يرفضه؟ وحتى حين نبحث في رواية ما، علينا أن نقرأ مواقف كتّابها، لا لإلغائهم من رفوف المكتبات، بل لفهم مرامي أدبهم ومعانيه، وكيف أسهم في تشكيل وعي ثقافي وأدبي عبر الأجيال.
ومن بين هذه الأسماء الكبيرة والمهمة، على صعيد الموقف وجمالية الأدب معًا، يبرز اسم الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. فهو لم يُعرف فقط بإدانته للاحتلال وجرائمه، بل إنه، رغم كونه حائزًا على جائزة نوبل، اعتبر أن منح مناحيم بيغن جائزة نوبل للسلام هو تكريم لجرائمه.
ماركيز، صاحب “مائة عام من العزلة”، لم ينعزل في أبراج عالية. وقد صرّح بأنه يخجل من اقتران اسمه بجائزة نوبل، حين وقّع على بيان الإدانة الشهير عام 1982، معلنًا انحيازه الكامل لبطولة الشعب الفلسطيني، ورافضًا الظلم الواقع عليه.
لذلك، لو كنا اليوم بصدد التفكير في مناهج فلسطينية تضم نصوصًا من الأدب العالمي، لكانت صفحات من الأدب العربي مقتطعة من قصص ماركيز القصيرة، ليس فقط لموقفه الشجاع، بل تكريمًا لمن كرّم البطولة الحقيقية والمقاومة. ولأننا نفكر أيضًا في غدٍ نفهم فيه أن الأدب والسياسة والجماليات لا تنفصل، وأن لفلسطين معاني عظيمة في هذا العالم.
هذا الروائي، الذي زاول مهنة الصحافة، تحمل رواياته رسائل شاعرية عالية، إذا ما قورنت بنصوص أدبية عالمية أخرى.
فـ “مائة عام من العزلة” ليست رواية عن قرية ماكوندو المعزولة فحسب، وليست مجرد أيقونة للواقعية السحرية، بل نسيجٌ لهوية المكان وروحه. وتبدأ بالجملة الشهيرة التي لا تُنسى:
“بعد سنوات عديدة، وأمام فصيلة الإعدام رميًا بالرصاص، تذكّر العقيد أوريليانو بوينديا ذلك العصر البعيد حين اصطحبه أبوه لاكتشاف الثلج”.
وقد كشفت الرواية الوجه القبيح للرأسمالية والاستعمار، وبينت بأسلوبها الشاعري روح المكان وهويته، وفكرته التي لا تغيب مع تعاقب الأجيال. وبالمقارنة مع أعمال أدبية عظيمة تناولت فكرة المكان، تبدو “مائة عام من العزلة” رواية عن الهوية من دون الوقوع في المباشرة، بل درسًا عميقًا في الحضارة الروحية، لا في التصنع الفكري.
أما علاقته بالجنرال سيمون بوليفار، محرر أميركا اللاتينية، فتتجلى في روايته “الجنرال في متاهته”، التي كتبها ماركيز بعد أن استمع إلى أحد الكتّاب يروي له تفاصيل الرحلة الأخيرة التي قام بها بوليفار بعد تحرير فنزويلا وأميركا اللاتينية من الاستعمار الإسباني. في هذه الرواية، يروي ماركيز الأيام الأخيرة لبوليفار، ورغم واقعيتها التاريخية، فإننا نجد ماركيز الشاعر يتأمل الإنسان داخل هذا القائد الكولونيالي والمحرر الكبير.
وعلى رأي صديقه ماريو بارغاس يوسا، فإن ماركيز لا يبدو صحافيًا في كتاباته، بل شاعرًا أو مفكرًا، إذ أثّر في أجيال من كتّاب أميركا اللاتينية، وطرح في أدبه رسالة جيله وشعبه وثقافته اللاتينية المتنوعة. وقد ترك أثرًا واضحًا أيضًا في الروائية التشيلية المهمة إيزابيل الليندي، وفي كثيرين غيرها.
عالميًا، لفتت قصص ماركيز أنظار عدد كبير من الكتّاب، بندرة أفكارها وعمق مضامينها. ومن الروايات التي طرحت مسألة الرسالة، رواية ماركيز “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه»، بترجمة الفلسطيني الراحل صالح علماني.
وطبعًا، إلى جانب روايات أخرى تناولت قضية الرسائل، مثل الرواية الشهيرة للإسباني أنطونيو سكارميتا “ساعي بريد نيرودا”.
لكن في “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”، لا نرى فقط شخصية بطولية من الماضي، تشبه إلى حد كبير الجنرال سيمون بوليفار، بل نرى بطولة مأسورة بفكرة الرسالة، تلك التي ينتظرها الجنرال لتجيبه عن طلب راتب تقاعد يضمن له عيشًا كريمًا. والأجمل أن ماركيز يصوّر حياة الجنرال المتبقية مشدودة إلى انتظار الرسالة، حتى تتحول الرسالة نفسها إلى قضية كبرى، قد تحمل اسم النسيان. وكأن ماركيز يود أن يجعل من هذا الواقع مجازًا، أو رسالة إلى العالم تسأل: لماذا يُنسى هؤلاء الأبطال؟
تأخذني شاعرية ماركيز إلى اعتبار رسائله السردية قصائدَ مقنّعة، بل وحتى عناوين رواياته التي بات كثيرون يقتبسونها للإشارة إلى وقائع معاصرة: “خريف البطريرك”، “قصة موت معلن”، “الجنرال في متاهته”، “مائة عام من العزلة”. أما القصة التي أثّرت بي شخصيًا، ورأيت فيها شبهًا كبيرًا بقصص كثيرة حولنا، فهي “أجمل غريق في العالم”.
فالبطل هنا أيضًا بطل، لكنه غريق وجميل. لا يذهب ماركيز كثيرًا نحو البطولات الصاخبة، بل يحررنا من فكرة الهزيمة حين ننظر إلى الحياة من زاوية واحدة ومتوقعة. وهو يذكّرني بما قاله الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس:
قبّعة بحّار مبتلّة
كانت تتأرجح فوق الأمواج
مثل خبز أسود ملقى
في زمن كان الناس فيه جوعى
إنّه زمن الحرب.
نعم، في أزمنة الحرب، ننظر إلى الأدب بوصفه رسالة معنى. لكن ماركيز يهدينا أيضًا طريقًا محفوفًا بالجمال، حين ننسى الحرب… من دون أن ننسى الإنسان.