جلسة استماع في الكونجرس لمناقشة مستقبل سوريا والسياسة الأمريكية في مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد – 10 شباط 2026 (رووداو)
عنب بلدي – موفق الخوجة
برزت على الساحة السياسية الأمريكية تحركات لأعضاء “الكونجرس” الأمريكي، داعمة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في مواجهة العمليات العسكرية للحكومة السورية، بعد المعارك التي شنتها دمشق في كانون الثاني الماضي، وما نتج عنها من السيطرة على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا.
تمثلت أبرز هذه التحركات باقتراح مشروع قانون لحماية الكرد، تقدم به السيناتوران ليندسي غراهام (جمهوري) وريتشارد بلومنتال (ديمقراطي)، إضافة إلى تصريحات أدلى بها نواب آخرون، أبرزهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، النائب “الجمهوري” براين ماست.
وأثارت هذه التحركات تساؤلات حول دوافعها الحقيقية والمحرك لها داخل أروقة صنع القرار الأمريكية، خاصة مع الدعم الذي تبديه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للرئيس السوري، أحمد الشرع، وإدارته في دمشق.
التلويح بالعقوبات
يعد السيناتور “الجمهوري” غراهام أحد أبرز الداعمين لـ”قسد”، وأدلى بعدة تصريحات خلال الحملة العسكرية التي شنتها الحكومة على القوات، مهددًا بالسعي لإعادة العقوبات على سوريا.
في 17 من كانون الثاني الماضي، هدد غراهام، عبر منشور على منصة “إكس”، بالسعي لإحياء عقوبات قانون “قيصر”، وجعلها أكثر قسوة وتدميرًا، في حال استخدمت الحكومة السورية القوة العسكرية ضد “قسد”، معتبرًا أن ذلك سيؤدي ذلك إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في سوريا والمنطقة.
منشور غراهام جاء في ذروة المعارك الدائرة بين الحكومة و”قسد”، حيث خسرت الأخيرة في تلك الأيام الكثير من مناطق سيطرتها، لا سيما مدن دير حافر ومسكنة شرقي حلب ووصلت القوات الحكومية إلى مشارف مدينة الرقة، أحد أبرز معاقلها ونقطة ارتكازها.
ومع استمرار الهجوم الحكومي على “قسد” والذي جاء مصحوبًا بدعم عشائري، حيث كان من أبرز أدوات دمشق لتغيير خريطة السيطرة والتوازنات في المنطقة، ازدادت لهجة غراهام حدّة، ملوحًا مرة أخرى بإعادة فرض عقوبات قانون “قيصر”، إذا استمرت قوات الحكومة السورية في التقدم شمالًا نحو الرقة.
يبدو أن أحدًا في سوريا لا يستمع إليّ أو إلى مسؤولين آخرين في الحكومة الأمريكية. إذا استمر هذا، فلن تكون هناك عقوبات مدمرة فحسب، بل ستضر بشكل دائم بالعلاقات بين الولايات المتحدة والحكومة السورية الجديدة. إذا كنتم تعتقدون أننا نتحدث بلا جدوى، استمروا.
لقد حاولت أن أكون منصفًا تجاه الحكومة الجديدة، لكن يبدو أنها تسقط على آذان صماء. إذا كنتم تريدون صراعًا مع مجلس الشيوخ الأمريكي وإلحاق ضرر دائم بالعلاقة الأمريكية- السورية، استمروا. وإذا كنتم تريدون إنقاذ العلاقة، توقفوا وتراجعوا.
أتمنى أن تختاروا بحكمة.
منشور للسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام على “إكس”
19 من كانون الثاني 2026
مشروع قانون “إنقاذ الكرد”
تقدم عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي، غراهام وبلومنتال، باقتراح مشروع قانون لـ”إنقاذ الكرد” في 29 من كانون الثاني الماضي، وقالا إنه جاء ردًا على الهجمات التي تشنها قوات الحكومة السورية على “قسد” التي يغلب عليها الطابع القومي الكردي.
وينص القانون على فرض عقوبات على المسؤولين في الحكومة السورية والمؤسسات المالية، والأفراد الأجانب الذين يُجرون أي معاملات، بما في ذلك الدعم العسكري أو المالي، مع دمشق.
ويعتقد غراهام أن هناك دعمًا قويًا من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) لفكرة حماية الكرد في سوريا وخارجها، لأنهم كانوا حليفًا موثوقًا للولايات المتحدة، وفق ما ذكره في بيان الإعلان عن مشروع القانون.
وقال إن “قسد” التي تضم عددًا كبيرًا من العناصر الكردية، تحملت العبء الأكبر من المعركة لهزيمة تنظيم “الدولة” خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب.
وأضاف، “أدرك أن سوريا معقدة ثقافيًا وعرقيًا وسياسيًا، ومع ذلك، فإن مهاجمة الكرد تُضعف مكانة الولايات المتحدة بشكل كبير، وستعوق قدرة سوريا على النمو كدولة”.
واعتبر أن الدول أو الجماعات التي تعتقد أن استهداف الكرد في سوريا أصبح مباحًا دون عواقب، هي “مخطئة تمامًا”، وفق تعبيره.
يتضمن مشروع قانون “إنقاذ الكرد” النقاط التالية:
-
يُقرّ بمساهمات “قسد” بقيادة الكرد في العمل مع الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم “الدولة”
-
يُعيد تصنيف “هيئة تحرير الشام” (التي كان يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع) كمنظمة إرهابية أجنبية.
-
يُلزم بمراجعة “الكونجرس” لإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
-
يمنح الرئيس صلاحية تعليق العقوبات بعد تصديقه أمام “الكونجرس” على توقف الحكومة السورية عن جميع الهجمات على “قسد” وحلفائها.
-
يتضمن آلية إعادة فرض العقوبات، التي تُلزم الرئيس بإعادة فرض جميع العقوبات فورًا في حال استئناف الحكومة السورية جميع الهجمات على “قسد” أو حلفائها.
ماست: عبدي حليف موثوق
إلى جانب غراهام، برزت أيضًا مواقف لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، براين ماست، الذي أشاد بدور “قسد” ووصف قائدها بـ”الحليف الموثوق”، واعدًا بالتواصل معه باستمرار باعتباره الصوت الأبرز في أي من هذه الاتفاقات وكل ما يحدث.
تصريحات ماست جاءت في مقابلة مصورة مع شبكة “رووداو” (مقرها كردستان العراق) عقب جلسة استماع رسمية ومفتوحة لمناقشة مستقبل سوريا والسياسة الأمريكية في مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد، في 10 من شباط الحالي.
وبالرغم من أن ماست لم يجب صراحة عن سؤال “رووداو” المتعلق بتمرير مشروع قانون “حماية الكرد”، وضمان تفعيل أي عقوبات في حال وقوع هجمات على المناطق الكردية، فإنه قال إن هناك قدرًا كبيرًا من الشك فيما يتعلق بمستقبل الاستقرار في سوريا بالنظر إلى تصرفات الشرع مؤخرًا.
وأضاف، “بالنظر إلى مسألة دمج الأقليات في الحكومة أو انعدام ذلك، فالأمر متروك للشرع لاتخاذ مسار مختلف ورسم مسار جديد، لكن لا يمكنني القول إن اللجنة ككل قد أعطت أي إشارة بأنها تتوقع شيئًا مختلفًا”.
ما سبب الدعم؟
الباحث السياسي الدكتور نادر الخليل، قال إن تحركات بعض أعضاء “الكونجرس” الأمريكي مثل ماست وغراهام لدعم “قسد” ليست مجرد مبادرات فردية، وإنما هي انعكاس لوجود شبكة مصالح متداخلة في أمريكا.
وأضاف الخليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن بعض التحركات ينطلق من خلفية أمنية وعسكرية، وهم من يرى أن الكرد كانوا الحليف الأكثر جدية في مواجهة تنظيم “الدولة”، وأن التخلي عنهم بهذا الشكل يضر بصورة واشنطن كقوة ليس لديها وفاء لحلفائها.
ويعزو غراهام، إلى جانب العديد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، مثل ماست، دعمهم لـ”قسد” بسبب محاربتها تنظيم “الدولة” على مر عدة سنوات، بدعم مباشر من التحالف الدولي، الذي تقوده أمريكا في الشرق الأوسط، لا سيما سوريا.
وتلقت “قسد” الدعم المالي واللوجستي، فضلًا عن التغطية النيرانية بالطيران والقذائف، والمشاركة الميدانية في أثناء المعارك التي استمرت بين عامي 2017 و2019، أو من خلال التدريبات.
بالمقابل، أشار الخليل إلى وجود من يوظف الملف سياسيًا داخل الولايات المتحدة الامريكية، لاستخدامه كورقة ضغط على الإدارة الحالية، ليظهر نفسه بمظهر المدافع عن “القيم” والالتزامات الأخلاقية.
كما أنه لا يمكن إغفال دور بعض جماعات الضغط المرتبطة بإسرائيل، وبعض الدوائر الأمنية التي ترى في استمرار دعم “قسد” وسيلة لتقييد النفوذ الإيراني والروسي في سوريا، وفق ما يراه الباحث.
لا يتحرك ماست وغراهام وغيرهما بدافع التعاطف فقط مع “قسد”، بل يبقى الدافع الأساسي هو مصالح سياسية وأمنية داخلية وخارجية.
ربما لا تزال “قسد” تملك بعض الأدوات ولكنها باتت محدودة جدًا، ونتائج هذه التحركات ستكون أقرب إلى “رسائل سياسية” أكثر منها سياسات ملزمة، ودمشق تدرك ذلك وتتعامل مع هذه التحركات كـ”ضجيج سياسي” لا يُغيّر الاتجاه العام نحو انسحاب أمريكي وإعادة ترتيب أوراق النفوذ في المنطقة وفق رؤية ترامب.
د. نادر الخليل
باحث سياسي
هل تمتلك “قسد” أدوات ضغط؟
على الرغم من تراجع سيطرة “قسد”، فإنها كانت وما زالت تملك أوراق ضغط محدودة، وفق الباحث نادر الخليل، مثل ملف السجون والمخيمات، التي تضم آلافًا من عناصر تنظيم “الدولة” والتي فقدتها مؤخرًا.
وكانت تدير “قسد” العديد من السجون والمخيمات التي تحوي عناصر تنظيم “الدولة”، أبرزها سجن “الشدادي” ومخيم “الهول”، والتي فقدت السيطرة عليها خلال معاركها مع الحكومة السورية.
ونصت الاتفاقيات المبرمة بين الحكومة و”قسد” على تسلم دمشق لهذا الملف، كما أن التحالف الدولي نقل 7000 آلاف سجين من تنظيم “الدولة” إلى العراق.
على جانب آخر، لا يزال هناك تأثير لشبكة علاقات “قسد” مع بعض أعضاء “الكونجرس”، وفق ما يراه الباحث، الذي أشار إلى وجود بعض الدعم الإعلامي والحقوقي الذي يستخدم سردية الكرد كأقلية مهددة.
ويبدو أن هذه الأدوات لا تزال تمنحها بعض القدرة والمناورة على البقاء في دائرة الاهتمام، على الرغم من تراجع وزنها الاستراتيجي الذي بدأ يتضاءل، بحسب الخليل.
ما تأثير هذه التحركات؟
يرى الباحث، الخليل، أن النتائج المتوقعة لهذه التحركات تبدو أقرب إلى الرمزية منها إلى العملية.
كما أنه قد نشهد طرح بعض مشاريع لقوانين أو توصيات لحماية الكرد، لكن تمريرها صعب في ظل توجه الإدارة الأمريكية نحو تقليص الانخراط العسكري المباشر وخاصة في سوريا، بحسب ما أشار إليه الخليل.
وعليه، فإن الأثر المباشر سيكون في إبطاء أو تعديل خطط الانسحاب، وليس في تغيير المسار العام.
أما بالنسبة لدمشق، فيبدو أن هذه التحركات تُقرأ كجزء من محاولة إبقاء “قسد” في المشهد، ولكنها أيضًا تكشف أن واشنطن ليست موحدة في موقفها، ما يمنح الحكومة السورية فرصة لاستثمار الانقسامات.
ويرى أن العلاقة بين الإدارة الأمريكية ودمشق ستظل متذبذبة لفترة ضمن رسائل مزدوجة بين الانفتاح الحذر على الدولة السورية وبين إبقاء ورقة “قسد” كأداة ضغط، مشيرًا إلى أن الاتجاه العام يدعم وحدة وسيطرة الدولة السورية الجديدة.
وتمتلك دمشق علاقة “مميزة” مع واشنطن، التي تبدي دعمها الواضح للحكومة السورية، لا سيما الرئيس ترامب، غير أن أطرافًا أخرى في الإدارة تحاول الحفاظ على وجود “قسد” وتمكين الروابط معها.
وفي حين تبدو مواقف واشنطن، خاصة الصادرة عن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، أقرب إلى الحكومة، لا تزال ترى في “قسد” شريكًا موثوقًا وحليفًا لها في المنقطة.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول غربي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الولايات المتحدة حثّت الرئيس السوري، الشرع، على التحلي بأقصى قدر من المرونة في التعامل مع مطالب “قسد”.
وبحسب المسؤول، فإن نصيحة واشنطن تتمثل في تجنّب اتخاذ موقف متشدد، بوصف ذلك بادرة حسن نية تسهم في تثبيت التفاهمات القائمة، مشيرًا إلى وجود رغبة أمريكية في منح الكرد درجة من الاستقلالية، بما لا يهدد الحاجة الأساسية لوجود سلطة مركزية في دمشق.