أحمد فضل شبلول
كاتب مصري.. العرب اللندنية
في أحدث مؤلفاته يفتح الدكتور محمد الباز ملفات شائكة حول “القتل المعنوي والجسدي” للأديب نجيب محفوظ، ملقيا باللائمة على فتاوى التحريض التي بدأت مع الشيخ محمد الغزالي. يتتبع الكتاب تفاصيل طعنة 1994 الغادرة، وصولا إلى أوجاع الرحيل عام 2006، كاشفا وثائق واعترافات تؤكد أن صاحب نوبل ظل يتألم بصمت وسط حصار التشدد.
في كتاب “أيام الألم” يتساءل الكاتب الصحفي البارز د. محمد الباز: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟ وفيه يعرض لموضوعين من أخطر الموضوعات التي مرت على حياة صاحب نوبل (1988) وهي محاولة اغتياله مساء 14 أكتوبر 1994، وأيامه الأخيرة في مستشفى الشرطة بالعجوزة المجاورة لمنزله بشارع النيل بالقاهرة.
لم يتعرض الكتاب لجوانب أخرى في حياة محفوظ، أو لأحد أعماله، وإنما أراد الكاتب أن يُسلط الضوء على هذين الحدثين البارزين، ويوسِّع دائرة الاهتمام بهما، وينشر ما لم يصل إلينا من أخبار أو آراء أو تعليقات ومشاركات حول هذين الحدثين. وهو يلقي باللائمة، التي تصل إلى حد الاتهام، على الشيخ محمد الغزالي، صاحب أول اتهام مباشر لنجيب محفوظ حول روايته الإشكالية “أولاد حارتنا” فهو الذي كتب تقريره وأرسله للجهات المسؤولة للتنبيه حول فحوى الرواية، كما فهمها، التي كانت تنشر مسلسلة في جريدة الأهرام عام 1959.
ويتعجب الباز من أن الغزالي قد زار محفوظ بالمستشفى بعد الطعنة الغادرة ليغسل يديه من دماء محفوظ التي سالت أنهارًا بعد الطعنة الغادرة.
بالتأكيد يتذكر القارئ المهتم فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن بإهدار دم نجيب محفوظ، وهو ما حاول تنفيذه بعض الشباب المضلَّلين، عندما قال إنه لو قمنا باغتيال نجيب محفوظ عندما كتب “أولاد حارتنا” ما خرج علينا سلمان رشدي بـ”آيات شيطانية” (التي نشرها في لندن في سبتمبر 1988)، فأصبح قوله بمثابة فتوى لإهدار دم الرجل. لكن الباز يعود قبل ذلك بكثير ويرى أن الشيخ محمد الغزالي هو أول من أساء فهم الرواية، وحرَّض على النيل من محفوظ.
الباز يؤكد أننا قتلنا محفوظ مرتين: الأولى عندما غرز شاب جاهل الخنجر في عنقه، والثانية عندما تركناه يتعذب
الكتاب الصادر حديثا عن دار ريشة للنشر والتوزيع بالقاهرة، يبدأ بجزء من قصيدة الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي “الساعة الخامسة مساء” التي كتبها انفعالا بحادثة محاولة اغتيال محفوظ أمام منزله في الساعة الخامسة من مساء الجمعة 14 أكتوبر 1994. يعقبها سطور من كلمة نجيب محفوظ لتجمع الأدباء في مسرح البالون بالقاهرة للاحتجاج على محاولة اغتياله.
ويؤكد الباز أننا قتلنا محفوظ مرتين: الأولى عندما اقترب منه شاب جاهل وغرز الخنجر في عنقه، محاولا أن ينحره تقربًا إلى الله. والثانية عندما سقط في غرفة نومه، وتركناه يتعذب حتى وفاته في 30 أغسطس 2006. في المرة الثانية كان الباز يتابع ما يحدث عن قرب، وعبر تقارير صحفية أشار وقتها إلى أن أيدي أطباء المستشفى امتدت إلى رأس نجيب محفوظ، حرروها بعد سبعة أيام من الغرز الخمسة التي حُصر بها بعد أن سقط في غرفة نومه مساء 19 يوليو 2006.
ويصور الباز كيف تم رشق خنجر في عنق مسالم، ويروي ما أدلى به أفراد عائلته وبعض أصدقاء محفوظ وشهود الحادثة من أمثال محمد سلماوي وفتحي هاشم، الذي كان رفيق نجيب محفوظ لحظة الاغتيال، والكاتب يوسف القعيد، وابنته هدى، وزوجته السيدة عطية الله إبراهيم، وعصام إبراهيم سائق سيارة الإسعاف بمستشفى الشرطة الذي كان موجودًا في مكان الحادث، فضلا عن أحاديث كبار الأطباء بالمستشفى، والإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية بعد تلقيها الخبر.
إن نجيب محفوظ كان مريضا مثاليا، لكنه كان يتعذب ويتألم، ورغم ذلك لم تغادر النكتة والقفشة كلماته الشحيحة.
وفي فصل بعنوان “المحرض على القتل يزور ضحيته” يبرز محمد الباز دور الشيخ محمد الغزالي، ويستعين برأي الناقد رجاء النقاش الذي قال تعليقا على رأي الغزالي في أولاد حارتنا “يدهشني أن هؤلاء الشباب المتطرفين أخذوا عنه الفكرة، وعدّوها أمرًا مسلمًا به، وحكموا على نجيب بالإعدام وحاولوا اغتياله”.

كما يعرض سؤال الكاتب الصحفي مصطفى عبدالله للشيخ محمد الغزالي في صالون إحسان عبدالقدوس حول موقفه من رواية “أولاد حارتنا”، فيجيب الغزالي “إن الأستاذ نجيب محفوظ كاتب ثري، ولديه أعمال أخرى كثيرة رفيعة القيمة غير أولاد حارتنا، التي غلب فيها الحضارة المادية على الدين، ورسخ فيها أن الحضارة المادية محت الدين، وكنت أحد الذين طالبوا بمصادرة الرواية”.
وفي ندوته الأسبوعية قابل مصطفى عبدالله نجيب محفوظ وعرض عليه ما قاله الغزالي، فرد نجيب “هذه التهمة ستظل معلقة حتى يناقشني فيها صاحبها ويصدر فيها حكم”.
ثم يسرد الباز وقائع اللقاء الذي تم بين محمد الغزالي ونجيب محفوظ الذي اعتبره الكثيرون لقاء تاريخيا، وذلك من خلال تغطية مجلة “المصور” لهذا اللقاء في حينه.
ويعرج المؤلف على اعترافات القتلة فيوردها كاملة، كنوع من التوثيق، والذين تم القبض عليهم قبل أقل من 48 ساعة من الحادث، مؤكدا في مواجهة مباشرة بين نجيب وقاتله أن ما جرى لصاحب “أولاد حارتنا” لم يكن محاولة اغتيال نجا منها، فقد قُتل معنويًّا رغم إفلات الجسد من الهلاك. وهو ما جعل الباز يعتبر الإرهابي محمد ناجي (قاتل نجيب محفوظ) وليس مجرد مجرم حاول إنهاء حياة الكاتب الكبير.
وعندما اتجهت النية إلى التصريح بنشر “أولاد حارتنا” في مصر رأى محفوظ أن المطلوب هذه الأيام أن يتكلم الأزهر الشريف، أن يعلن موقفه من هذه الرواية “المحبة للدين” ولو حدث هذا لكان أفضل من التصريح بطبعها في مصر. ويمكن أن يكون الطبع بعد هذا.
نجيب محفوظ كان مريضا مثاليا، لكنه كان يتعذب ويتألم، ورغم ذلك لم تغادر النكتة والقفشة كلماته الشحيحة
ومع ذلك يصر القاتل على أنه لو أتيحت له الفرصة مرة أخرى لقَتَل نجيب محفوظ، وقال “شرف لأي مسلم يقتل نجيب محفوظ، وقد نلت هذا الشرف. نعم كنت أريد قتله، ولو قدر لي الخروج من السجن حيًّا ما ترددت لحظة في قتله مرة أخرى. نعم الأعمار بيد الله، لكنني طعنته وغرزت المطواة في رقبته، وتحديت زملائي أن تكتب له الحياة، لكن الله سبحانه وتعالى كتب له عمرًا طويلا. كنت ثابتًا وأنا أنفذ جريمتي، ولم تتحرك مشاعري وأنا أرى المطواة ملطخة بالدماء التي تنزف منه. وسمعت تأوّه الرجل من شدة الطعنة، وتوقعت موته مثل فرج فودة”.
ومن الصفحة 104، من صفحات الكتاب البالغة 144، ينتقل بنا الباز للحديث عن وقائع تعذيب محفوظ على فراش المرض الأخير، وهي التي أرخ لها محمد سلماوي في أكثر من كتاب، كونه كان واقفًا بصفة دائمة في محطة محفوظ الأخيرة، ويصفه الباز بأنه كاهن المعبد المحفوظي الكبير، وعندما وقع الباز على كتاب سلماوي “نجيب محفوظ: المحطة الأخيرة” أدرك منذ الوهلة الأولى أنه ليس أمام كتاب عادي، لكنه أمام وثيقة مهمة من وثائق تاريخنا الحديث. تسجل هذه الوثيقة عظمة نجيب محفوظ حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
وينهي الباز كتابه “أيام الألم .. كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” بحوار، وصفه بالأسود، جرى بينه وبين مفيد فوزي عن نجيب محفوظ، بعد وفاة صاحب “ثرثرة فوق النيل” بأيام قليلة. وفيه يفتح مفيد فوزي خزائن أسراره مؤكدًا أن نجيب محفوظ لم يكن زوجًا سعيدًا في بيته، ومشيرًا إلى غيرة يوسف إدريس من نجيب محفوظ، وما تم بشأن جلسة الصلح بينهما في مكتب ثروت أباظة بالأهرام، وغير ذلك من أسرار الدور السادس بالجريدة.
وقد لاحظ الباز أن مفيد فوزي لم يكن محبا لنجيب محفوظ، لذا يدعو القارئ إلى قراءة اللقاء معه مرة أخرى ليتأكد من ذلك.