إنها دمشق، عزّ الشرق، مدينة الحضارات، وعاصمة التاريخ، أرض المقدسات والبركات، كما قال عنها الشعراء والأدباء. لا تقبل القسمة على اثنين، أو محورين، يعرش الياسمين على أصابع من يكتب عنها، مدينة الحنين وعناقيد العنب والتفاح والحارات العتيقة. استيقظ أهلها في صباح الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 على حدث تاريخي مزلزل ظنّوه لعقود طويلة مستحيلًا، جسّد تفاصيله الفيلم الوثائقي “مفاتيح دمشق”، الذي عُرض في دار الأوبرا السورية مجسّدًا الحكاية والسردية الحقيقية لما جرى، ومتحدثًا عن صفحة جديدة لشعب ثار وشُرّد واعتُقل، وانتُهكت حقوقه وأملاكه وأجساده وفرح أطفاله ودموع أمهاته الثكلى وذكرياته، وكل ذرة تراب فيه.
الفيلم الذي أنتجته مؤسسة الجزيرة الإعلامية، وأخرجه عبده مدخنة، وثّق لحظات سقوط النظام الأسدي بعد أن ظن بعضهم أنه باقٍ إلى الأبد، وتفاصيل تحرير سورية من الطغيان الذي جثم على صدور ساكنيها وعشاقها لأكثر من خمسة عقود مريرة وقاسية.
ينطلق العمل من هذه اللحظة المفصلية، ويقدم للمشاهد حكايات حقيقية موثقة بشهادات من سطروا نهاياتها، وبالصور الحقيقية وما تختزنه الذاكرة من تضحيات وصعوبات وانتصارات وألم وتعب، مؤكدًا أن مدينة الأبواب السبعة، والمآذن، والكنائس، هي رمز سياسي ونضالي ووطني يحمل مفاتيح مرحلة كاملة رسمت على وجوه أبنائها وبناتها أوجاع المعتقلات وهمجية الجلادين والموت، وعلى صروحها وآثارها ومنازلها الدافئة أطلال الخراب والتدمير والاستباحة.
ورغم معرفتنا كلَّ ما جرى، فإن الفيلم يجعل المشاهد خلال فترة عرضه في حالة ترقب دائم وتشويق ممزوج بالقهر والبكاء والفرح، ليرسم السؤال الكبير: كيف سقطت العاصمة المدججة بأعتى الأسلحة، وأكثر أجهزة الأمن وحشية وقمعًا، بهذه السرعة والسهولة. وكيف سقط النظام الشمولي الذي اعتمد خلال تاريخه عليها، وعلى جيشه “العقائدي” الذي دافع عنه لا عن الوطن، وارتكب المجازر المروعة لحمايته. وكيف سارت المعارك على هذا النحو المفاجئ الصادم.
يحكي الفيلم عن الثورة السورية عمومًا، وعن الساعات الأولى لانطلاق العمليات العسكرية لقوات “ردع العدوان” خصوصًا، مسلطًا الضوء على الخطط التي اتبعتها عسكريًا، وخط سيرها من حلب، مرورًا بحماة وحمص، وصولًا إلى دمشق. وعن التحركات والاتصالات السياسية آنذاك، التي تبرز مستوى التنسيق العالي بين مختلف الوحدات العسكرية، لضمان أمن الأهالي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، كما أكدت الوقائع والشهادات والتوجيهات الصارمة التي صدرت من القيادة للحفاظ على المؤسسات الحكومية، واستمرار عملها، وعدم ارتكاب أي انتهاكات للبشر والحجر، والابتعاد نهائيًا عن عمليات الانتقام في عموم البلاد.
تضمن “مفاتيح دمشق” تصريحات هامة للرئيس أحمد الشرع بصفته قائد القوات في ذلك الحين، حلّل خلالها المعطيات التي أدت إلى نتائج انتظرها الشعب السوري طويلًا، مؤكدًا على الجاهزية والسرعة في حسم المعارك بأقل الخسائر، وعلى أهمية الفكر العسكري الاستراتيجي في قراءة الميدان، وأهمية اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، من دون تردد، أو خوف، متحدثًا عن التحضير الذي جرى قبل المعركة، وعن التواصل مع القيادة الروسية التي طلبت منهم في البداية أن يتوقفوا، وعن المبادئ التي تمسك ونادى بها، وأولها: “نصر لا ثأر فيه”، وذلك لطمأنة الداخل والخارج، والإعلان بأن زمن الانتقام قد انتهى، وأن سورية دخلت في مرحلة جديدة ستحل فيها عقلية الدولة بدلًا من عقلية الثورة، والتي تتطلب سياسات تُفضي بالبلاد إلى التقدم والازدهار والتنمية. وركز الرئيس الشرع في شهادته على قيام إسرائيل، التي لم تتوقع العملية ونجاحها السريع، بضرب المواقع العسكرية السورية، والتمهيد لحالة توسعية قد تحدث في المستقبل، وفرض قواعد الاشتباك في مرحلة جديدة، في بلد لا جيش يحميه.
تضمن الفيلم أيضًا شهادات حيّة لوزراء الخارجية والدفاع والداخلية، ولقادة عسكريين ميدانيين ساهموا في وضع الخطط بدقة، وتنفيذها والالتزام بالتعليمات، تناولت موضوع الموقف الدولي والإقليمي وخلفياته والرسائل المتبادلة مع قوى دولية فاعلة، حيث تحدث السيد وزير الخارجية عن قيامهم بمحاولات لتحييد روسيا ومخاطبتها بسرعة، وقبل سقوط النظام بأربع وعشرين ساعة، وكان العنوان واضحًا، وهو أن التغيرات في سورية الآن في وادٍ آخر غير الذي يعرفونه ويحمونه، وقد تقبلت ذلك، وسّهلت هروب الديكتاتور.
ركّزت الشهادات المختلفة على تفكك قوات النظام البائد واستسلامه من دون مواجهة تُذكر، وهروب قادتها تزامنًا مع هروب رأس النظام وقبله، وترك الجنود في مهب الريح خائفين مذعورين بعد أن ألقوا سلاحهم وملابسهم العسكرية في الشوارع والساحات وعلى الطرق التي تصل بين المحافظات السورية. وتناولت أيضًا إجراءات قيادة “ردع العدوان” لتأمين الشريط الساحلي، ومنع حدوث أي انتقامات، أو انتهاكات قد تفضي إلى قتال طائفي، أو حرب أهلية. وإخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة، وركزت على المعركة الرقمية والهجوم السيبراني الذي سبق ورافق العملية العسكرية الميدانية، حيث تم اختراق منظّم للضباط والجنود في نظام الأسد المخلوع، والوصول إلى بياناتهم عبر التواصل معهم بشخصيات مزيفة، تمكنت من الحصول على معلومات تتعلق بتوزع الجيش النظامي على الخطوط الأمامية وأماكن تمركز الأسلحة، بينما أكدّ رئيس مجلس الوزراء محمد غازي الجلالي، آخر من شغل المنصب في عهد النظام البائد في شهادته بأن إسرائيل شّنت أكثر من خمسمائة غارة بالصواريخ والطيران الحربي طاولت مواقع ومطارات ودفاعات جوية ومراكز للبحوث، وكل البنى التحتية العسكرية، متحدثًا عن تواصل السيد الشرع معه قبل دخول دمشق، وعن أكاذيب النظام وخداعه لمؤيديه حتى اللحظة الأخيرة.
ويبقى السؤال المطروح منذ ذلك الحين حتى الآن: أين اختفت قوات الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، والتي روّعت السوريين بالقتل والسلب والنهب، وأين اختفى الحرس الجمهوري والقوات الخاصة الأكثر تنظيمًا وقوة، والتي كانت تنتشر في القلمون وبين حمص ودمشق، ولم تشارك في أي قتال، أين تبخرت، وهل صمتت بأوامر عليا، أو تفككت بتسويات لم تكشف بعد؟
أراد صناع الفيلم الوثائقي “مفاتيح دمشق” توثيق التحول التاريخي في سورية، وتداعيات انهيار النظام وبنيته وتركيبة قواته الأمنية والعسكرية، التي أثبتت ترهلها وفسادها وتفككها السريع من داخلها. واعتمدوا على سرد أحداث السقوط بشكل عكسي، موثقين لحظات دخول العاصمة والعودة إلى الأحداث التي مهدت لذلك في أماكن مختلفة. ولم يستندوا على التعليق الصوتي فيه فقط، بل ضمنوه شهادات مباشرة لشخصيات فاعلة كانت في قلب الأحداث، مما جعل القصة تشبه “الرواية الشفهية” التي كتبت بالصوت قبل الصورة.
اعتمد الفيلم على لقطات من الميدان، وابتعد مخرجه عن الاستعراض البصري، والحلول الفنية المبالغ بها، وجعل الكاميرا فيه تنتقل من مكان لآخر، ومن حدث لآخر بمصداقية وتوثيق دقيق. وكان الانتقال الزمني بين الماضي والحاضر هادئًا ومقنعًا ومريحًا للمتلقي. رافق ذلك كله الموسيقى المختارة بعناية، والمناسبة للتفاصيل كافة، والتي كانت أحد أبطال العمل، إضافة إلى المونتاج السريع المترافق مع المعلومات الهامة، وهذا ما حقق تشويقًا كبيرًا.
وصفه بعض المختصين بالتحقيق الصحافي الطويل المكتوب بالصورة، والذي يفتح النوافذ على أسئلة كبيرة ما زالت أجوبتها غير شافية ومثار جدل واختلاف حتى الآن.
قال عنه مخرجه عبده مدخنة: “هذا الفيلم يحكي عن ثورة الشعب السوري، وعن اليوم الذي سبق وتلا دخول دمشق، وسورية تتحمل أن يُنتج عنها مئات الأفلام، لقد كنا حريصين على تصويره بأحدث الكاميرات، لأنه توثيق للحظة تاريخية مفصلية، يركز على الواقعية والشهادات الحية، ويكشف كواليس انهيار النظام، والهدف منه إنصاف الشعب السوري، وإظهار عدالة القضية السورية. كل فريق العمل والجهة المنتجة كانوا حريصين على المصداقية، وأنا أنتمي للثورة السورية منذ بدايتها”.
وقال أحمد زيدان، مستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية: “لكل مفتاح من مفاتيح دمشق أسنان، والمسؤولية الآن تكمن في أن تكتشف النُخب هذه الأسنان، من مثقفين وإعلاميين، وغيرهم. سورية أعطت الإعلام والنُخب مادة سلبية خلال حكم النظام البائد لما حدث على مدى ستين عامًا مع السوريين. هنالك كثير مما ينبغي أن يُنبش للتعرف على حقيقة ما جرى”.
والحقيقة أن دمشق استعادت نورها بعد سنوات طويلة من العتمة والسواد كما كل أرجاء سورية. واستعاد أهلها وطنهم وحياتهم بعد السقوط الفاضح. ورغم الذكريات والجراحات الموجعة التي لم تندمل حتى الآن، يتطلع السوريون إلى مستقبل حر كريم يليق بتضحياتهم وتاريخهم العريق، وببلادهم التي: “مات فتيتها لتحيا. وخرجت من الحرب كما يخرج الأطفال من البحيرات. وبقيت واقفة، وعندما تقف تتحول الجداول إلى قامات”.