لم يكن سؤال «مَن القاتل في سوريا؟» بحثاً عن إجابة بقدر ما كان تَهرُّباً منها. فالإجابة لم تكن يوماً اسماً أو وجهاً واحداً، بل تلك المساحة الرمادية التي صُنِعَت على مهل؛ مساحة جعلت القتل ممكناً، ثم مقبولاً، ثم مُبرَّراً. في هذه المساحة، لم يَعد القتل جريمة مطلقة، بل خياراً «مفهوماً» حين يخدم السردية المطلوبة.

كيف تعلّمَ السوريون تبرير القتل؟

لم يتعلم السوريون تبرير القتل مع أول رصاصة، بل مع أول آلية نفسية لتبرئة الذات. فبعد مقتل أول متظاهر، اختبأ جمهور نظام الأسد وراء رواية «المندسين». ولاحقاً، عندما بدأ عُزّلٌ ومدنيون يُقتَلون على يد مسلحين معارضين، استخدمَ جمهور المعارضة المنطق النفسي ذاته وإن بعكس الاتجاه، وألقى باللوم كلياً على نظام الأسد. عند الطرفين، ظهرت مع تتالي مراحل الصراع نسخ مختلفة من هذه الآليات، التي يُمكن اختصارها في إلقاء اللوم كله على الطرف الآخر عن أي قطرة دم تُسفَك.

لم يكن الأمر بحثاً عن الحقيقة في أي من الحالتين، بل كان حاجة نفسية مُلحة واحدة: تَبرئةُ «طرفنا» أخلاقياً قبل أي اعتبار آخر. هذه الآلية؛ البحث عن رواية تُنقذ ضميرنا الجماعي، هي ما مهَّدَ الطريق لمرحلة أقسى عند تصاعد أعداد القتلى وعندما أصبحَ الدمُ أوضح من أي رواية، فانتقلنا من الإنكار إلى التبرير. أصبح تبرير القتل لا يحتاج حتى إلى رواية مُعقَّدة، بل ينتج تلقائياً عن محاولة التوفيق بين ولائنا للطرف الذي ننحاز إليه، ورفضنا الأخلاقي لفكرة القتل في الوقت نفسه. تمت إعادة تعريف الضحايا: قتلانا شهداء، وقتلاهم مجرد أرقام. هذا التحول لم يبقَ حبيسَ الخطاب السياسي؛ بل تسلَّلَ إلى اللاوعي الجمعي، وأصبح القتل أداةً «مفهومة» في صراع يُقدَّم بوصفه صراع وجود.

لكن قبول الموت لم يكن الآلية الوحيدة للبقاء. إلى جانب «القتل المُبرَّر»، نشأت استراتيجية موازية، هي «الحياة المبرَّرة»: أن تقبل بموت الآخرين طالما أن دوائر الموت لم تصل إليك بعد، كشرط نفسي للاستمرار. كان هذا تواطؤاً سلبياً مع «دولة الاستثناء» التي أعلنتها الحرب، حين يصبح الموت القريب؛ طالما هو بعيدٌ عني، مجرد «أمر واقع».

وهكذا تَحوَّلَ القتل من فعلٍ إلى «منظومة ثقافية» متكاملة، تُدار ببراءات أخلاقية انتقائية. وهذا التَحوُّلُ جاء نتيجة «تنافر معرفي» حاد بين قيم نُعلنها وواقع نعيشه. ولتخفيف هذا الصراع الداخلي، صعدنا سُلّماً من الإنكار المُتدرِّج: من «لم يحدث» إلى «لم يكن خطأنا»، إلى «هم استحقوه»، وانتهاءً بـ«كان ضرورياً».

تجلّى هذا الانحدار الأخلاقي بوضوح في تَعامُلنا مع فيديوهات الانتهاكات: تعذيب، تمثيل بالجثث، قتل موثّق بالصوت والصورة. بدأنا بإنكارها واتّهام الخصم بالفبركة، ثم انتقلنا تدريجياً إلى التطبيع معها.

لكن نقطة التحوُّل الحاسمة حصلت عام 2013، مع فيديو مقاتل في أحد فصائل المعارضة شقَّ صدر جندي في الجيش النظامي وأكل قلبه. لم يكن الصادمُ الفعلَ الوحشي بحد ذاته، بل ردود الفعل عليه. فبينما أدانه البعض، برّره آخرون باسم «معاناة المقاتل». الأخطر أن هذا التبرير لم يصدر من بعض العامة، بل من قسم من ناشطين ومثقفين وإعلاميين اعتادوا إدانة وحشية النظام، ثم وجدوا أنفسهم يبررون الوحشية ذاتها حين صدرت من «طرفهم».

عند هذه النقطة اكتملت الصورة: صار العنف الوحشي جزءاً من ثقافة القتل المُبرَّر، ولم يعد الفعل هو ما يُدان، بل هوية من ارتكبه، والسردية التي يخدمها.

من الضحية إلى الجلاد

هنا يفرض السؤال نفسه: متى يتحول القتال إلى قتل؟ الفارق ليس تقنياً فقط، بل أخلاقيٌ وقانونيٌ في المقام الأول. فالقتال، مهما كانت دوافعه، يبقى خاضعاً لمعيار واضح يُميّز بين المقاتل والأعزل. أما القتل؛ استهدافُ المدنيين، تصفيةُ مقاتلين ألقوا سلاحهم، التعذيب والإذلال، التمثيل بالجثث، فهو جريمة مطلقة، لا يبررها أي سياق ولا تمحوها أي سردية. المأساة في سوريا أن خطاب التبرير عملَ على طمس هذا الخط الفاصل، فحوَّلَ القتل إلى مجرد «نسخة قاسية» من القتال، يُصبح «مقبولاً» عندما ننسبه إلى طرفنا، و«وحشياً» عندما يصدر عن خصمنا.

لفهم هذا الانقلاب الأخلاقي، علينا أن نسأل: كيف يُمكن لمن عانى الوحشية أن يُعيد إنتاجها؟ لا بد من النظر هنا إلى بنية «السلطة الأبوية» التي حكمت علاقة الدولة بالمجتمع في سوريا. لم تكن هذه علاقة رمزية فقط، بل منظومة حُكم قامت على احتكار القوة والموارد، وأنتجت طاعة تُكافَأ وتمرّداً يُعاقَب.

لذلك، حين تمرّدَ (الابن) على (الأب)، لم يكسر منطق العلاقة بقدر ما قلب أدوارها. سقطت الوجوه، لكن القواعد بقيت: احتكار الشرعية، وتقديس القوة، واعتبار الحكم غنيمة. هكذا، حملَ بعض الثوار في داخلهم بذرة المنطق ذاته الذي ثاروا عليه.

بعد سقوط النظام، لم يتراجع منطق «السلطة الأبوية» نفسه، بل تغيّرت لُغته. تَحوَّلَ خطاب الكراهية على منصات التواصل إلى قبول بالعنف تحت مسميات مختلفة (شبيحة، فلول، قسدية، هجريين ……). هنا اكتملت الدائرة: لم يعد القتل يُقاس بالفعل، بل بهوية الضحية. فإذا أُدرجت ضمن الفئة «المُدانة»، يتراجع السؤال الأخلاقي، ويصبح العنف «ضرورة».

ولا يعني تفكيكُ ثقافة القتل المُبرَّر مساواة الجلاد بالضحية، بل يعني رفض إعادة إنتاج المنطق ذاته من قبل من ثاروا على الجلاد.

هنا يكمن الخوف الحقيقي: ليس من القتل وحده، بل من تمهيد الطريق له. هذا التمهيد لا يحتاج إلى سلطة رسمية، بل يكفي أن ننطق بلغة الاستبداد والإلغاء نفسها، حتى ولو كنا ضحاياه سابقاً.

واجهتُ هذا التحول وجهاً لوجه في جلسة حوار بعد سقوط النظام. كنت أشرح؛ كمُدرِّب في مجال ذاكرة الحرب والعدالة الانتقالية، أهميةَ الحفاظ على أفرع الأمن والسجون كشواهد على الجرائم. فجأة صرخت في وجهي فتاة غاضبة، مُهدِّدةً بالتبليغ عني بتهمة «اتهام الدولة». كأنَّ رصاصةً اخترقت قلبي. أدركتُ حينها بالتجربة العملية أن الاستبداد لا يسقط مع سقوط رأس النظام، بل حين يعجز عن استنساخ لغته. لم أشعر بالخوف، بل بالخزي، لأنني، مثل كثيرين، ظننتُ أن الاستبداد محصورٌ في القصر، ولا يمكن أن يتجلّى  في رد فعل فتاة تملك سلطة الكلام لأول مرة.

هنا يظهر الخطر الحقيقي: ليس القتل وحده، بل تمهيدُ الطريق له. الثائر بالأمس قد يُصبح شبّيحَ اليوم، إذا بقيت الذهنية نفسها تنتظر فرصتها لتنطق.

من هو القاتل فعلاً؟

السؤال الأعمق: ليس «من القاتل؟»،  بل «كيف أصبح القتل ممكناً؟». الجواب يكمن في كلمة واحدة: المنظومة.

لم يكن القتل في سوريا مجرد أفعال فردية، بل آلة هرمية. حوّلت بنيةُ نظام الأسد الجريمة إلى عملية تقنية مُقسَّمة الخطوات: من يُصدر الأوامر، من يُحدد الهدف، من يُنفّذ، ومن يوثّق، من يَعمل على إخفاء آثار الجريمة. كل حلقة تُبرر لنفسها بـ«تنفيذ المهمة» أو بضرورات «النصر على الأعداء»، فتتشتَّتُ المسؤولية، ويُصبح الدم متفرقاً على مئات الأيادي التي لا تشعر بثقل السكين. لكن هذه الآلة لم تكن لتدوم لولا عنصر أساسي: الوقود المجتمعي الذي يُغذِّيها مع أنه ضحيتها في الوقت نفسه. هنا يتحول التواطؤ من صمتٍ خائف إلى قبولٍ فاعل، ومن ثقافة الطاعة إلى تبريرات يومية تجعل القتل أمراً اعتيادياً. وتمتدُّ جذور هذه الآلة إلى الإعلام والدين والخطاب المجتمعي، الذي حوّلَ القتل من مجرد «جريمة دولة» إلى ثقافة تبريرية يُشارك في إنتاجها كثيرون.

الإعلام، بكل تياراته، لم يكتفِ بنقل العنف، بل حوّله إلى مادة تحريض يومية: إعلام النظام دعا صراحة للقمع، وإعلام بعض منصات المعارضة روّجَ لخطاب طائفي وعنصري، فصارت الكراهية «خبراً» والقتل «حدثاً عابراً».

واستغلَّ بعضُ رجال الدين خطابهم المقدس لتبرير الانتهاكات، مستغلين الانتماءات الضيقة، فجعلوا القتل واجباً أو دفاعاً عن الهوية. وهكذا اكتملت الدائرة: آلة الدولة تحتاجُ إلى خطابٍ يُبرِّرها، وهذا الخطاب يحتاج إلى منابر تنشره، وهذه المنابر تجد جمهوراً مُعدَّاً مُسبقاً لقبول القتل.

هذا التشابك بين المنظومة والخطاب والمجتمع يولد إحساساً سائداً: أن «الجميع قتلة». لكن هذه إجابة سهلة تُخفي الحقيقة، ذلك أنه يجب رسم تمييز حاسم لأن المسؤوليات غير متساوية: القمة الواضحة للهرم، والمنظومة التي تخطط وتصدر الأوامر وتنفذ، تتحمل المسؤولية الأكبر سياسياً وأخلاقياً، وتتحمل وحدها المسؤولية «الجنائية». القاعدة الشعبية تتحمل المسؤولية عن صمتها أو قبولها، وهي مسؤولية أقل طبعاً وليست من طبيعة جنائية، لكن الصمت الاختياري ليس بريئاً.

يُعيدنا هذا مجدداً إلى السؤال الأكثر إشكالية: متى يتحول حامل السلاح من «مقاتل» إلى «قاتل»؟ أليس المعيار الحقيقي هو فعله، وليس انتماؤه؟ هنا تكمن المشكلة: لقد حولنا القتل إلى مسألة هوية، فصرنا نسأل «لمن ينتمي المقتول؟» قبل أن نسأل «كيف قُتل؟».

هنا يظهر السؤال الأصعب، وهنا يُختبَر ضميرنا في أصعب امتحان: متى يتحول حامل السلاح من «بطل» إلى «مجرم»؟ الجواب يكمن في مرآة مشوّهة ننظر فيها: «جنديهم» مجرمٌ حتى لو كان يدافع عن نفسه في داخل ثكنة عسكرية أو يدافع عن منطقة مدنية، و«جندينا» بطلٌ حتى لو ألقى قذائف على أحياء سكنية.. لقد خلعنا عن أعيننا العدسة الأخلاقية وارتدينا عدسة الهوية، فصار الدم كريهاً أو عزيزاً بحسب وعائه، والجسد الذي يحمله.

هذا هو قلب الازدواج: تقديس النوايا وغفران الأفعال؛ نحن نبني تماثيل لأبطالنا من نفس الطين الذي نُلطخ به وجوه أعدائنا. القانون الدولي، ببرودته العادلة، ينظر إلى الفعل المجرد: استهداف المدنيين جريمة. أما نحن، فننظر إلى البطاقة في جيب الفاعل أولاً، ثم نُقرر إن كانت الجريمة «جريمة» أم «ضرورة».

هذا التناقض لا يقتصر على العامة، بل يصل حتى إلى أولئك المتخصصين في العدالة الانتقالية والقانون الدولي. كثيرون ممن نادوا بهذه المبادئ، نسوا أنه في ساحة المعركة يتحمل الطرفان مسؤوليات جنائية. المبادئ نفسها تم تحويلها إلى أداة انتقائية: نطبقها على الخصم ونَتناساها حين يكون الفاعل من «طرفنا».

وهذا المنطق الانتقائي لا يطال الحكم على الأفعال فقط، بل يمتد إلى تدنيس الرموز ذاتها. فما كان رمزاً للكرامة أو التضحية في سياق، يُختَطف ليُحوَّل في السياق المضاد إلى أداة للإذلال. ظهر ذلك جلياً في «شوارب رجال الدروز» التي ترمز للكرامة والكرم، وجرى تحويلها إلى غنيمة تُحلَق في مشاهد إذلال. و«ضفائر المقاتلات» التي ترمز لنساء يقاتلنَ دفاعاً عن مجتمعهنّ ضد داعش، جرى استخدامها لإذلالهنّ. قبل ذلك كان عناصر من قوات نظام الأسد يستخدمون السجود، الذي يرمز إلى الخضوع لله وحده، للإذلال عبر إجبار معتقلين على السجود لصورة بشار الأسد.

تكتمل صورة الانتهاك: من القتل الجسدي، إلى القتل الأخلاقي عبر تبريره، وصولاً إلى قتل الذاكرة الرمزية للضحية. يُصبح الجسد نفسه ساحةً نهائية للصراع، حيث يُحَوَّلُ كل ما كان يعني رمزية حياةٍ إلى دليل إدانةٍ وتمييزٍ ضدّه.

ربما السؤال الأصعب لم يكن يوماً «من القاتل في سوريا؟» بل: متى نرفض أن تكون هويتنا أهمَّ من وطنيتنا وإنسانيتنا! حين سقط النظام، ظننا أننا ندفن القاتل، لكننا دفنَّا جثته فقط، بينما المنطق الذي قتلنا به ظلَّ حياً.

سوريا لن تنجو حين ينتهي القتل بالسلاح، بل حين تنتهي ثقافة التبرير للقتل. حين نكفُّ عن قتل بعضنا بالكلمة، ونرى بكلتا العينين لا بعين واحدة مشطورة، حين نصون كل حياة بغض النظر عن اسمها أو رايتها، وننظر إلى الجريمة كخطيئة لا تُغتفر.

كما في رواية العمى لجوزيه ساراماغو، أصبح الجميع عمياناً ليس بالعين، بل بالبصيرة والضمير: «لاأعتقد أننا عمينا بل أعتقدُ أننا عميان يرون… بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون». في سوريا، كثيرون يظنون أنهم يرون، لكنَّ فقدان إحدى أعينهم حجب التعاطف الإنساني عن كثيرين منا.

ربما تبدأ العدالة حين نتبنّى معياراً واحداً لا يهتزّ: معيار يرى الجريمة جريمةً أينما وقعت، وبأي يدٍ وقعت. معيارٌ يُصرُّ على الإبصار الكامل، ويُعيد إلينا، ببطء، إنسانيتنا المسلوبة.