كنورس لم يعرف السكون يوما بقي محمد شيخو مسافرا من بلاد إلى أخرى يحمل همه الوطني كما يحمل الجناح الريح، ويقطع عن جسد وطنه القيود بصوته؛ ذاك الصوت الصافي الشفاف الذي تتلألأ فيه النغمات الدقيقة كخرز من ضوء وتتكئ على خُرج صوتية متمكنة، تتلوّن بأمزجة العاطفة وتعرف توقيت انسكابها فيخرج عن اللحن لا ليكسره بل ليبتكر ارتجالا يفتح للروح نافذة على دهشة جديدة، في تلك اللحظة التي يتفلّت فيها من قيود الإيقاع يولد لحن لا يشبه إلا نفسه وخُرج نغمية فريدة وأداء يتسلّق الطبقات الصعبة كما يتسلّق البهلواني حبله المشدود دون أن يسقط محافظا على النغمة ذاتها لساعة كاملة كأن النفس عنده بحر لا ينضب.
وما إن يحلّق صوته كنورس فوق المدى حتى تستيقظ الأذن من غفلتها؛ فثمة سلسلة من النغمات العالية والطويلة تتقاصر ثم تهبط تدريجيا لتقيدك بسلاسل من الجمال لا فكاك منها.
لقد عبّر عن كل أمزجتنا في الاغتراب كنورس يسافر معنا، يدخل كل بيت لا جدران تقف أمامه وحدها نوافذ القلب تبقى مشرعة لصوته، إن انكسرنا نسمع “أمان دلو” فنحب الحياة رغم كل شيء، وإن تذكّرنا خيباتنا القومية جاءنا بصدى “حلبجة” و”أي فلك” ليوقظ فينا ما حاولنا نسيانه، وإن مرّت في الذاكرة تلك الحبيبة البعيدة التي وضعت شريطا أسود حول كل إطارات وصور الحب سمعنا “نسرين” فارتجف القلب كما لو أنه يلمس أطراف جرح قديم.
هو سجل حي لتاريخ الكرد غنى الأغاني الوطنية والثورية، والأغاني العاطفية والشعبية، والأغاني التراثية.
تنشئة صعبة
محمد شيخو عاش حياته في المنفى، ولذلك مواقفه الجلية من خلال أغانيه لم تتسامح معها السلطات ولم تتحملها
ولد الفنان محمد شيخو في العام 1948 في قرية خجوكي الواقعة جنوبي مدينة قامشلو لعائلة مكونة من ستة إخوة وست أخوات وكان هو الأخ الأكبر واسمه الحقيقي محمد صالح شيخو، درس المرحلة الابتدائية في قرية خجوكي والإعدادية في القامشلي بالإضافة إلى تلقيه العلوم الدينية في القرية، كذلك درس أساسيات اللغة الكردية أثناء احتكاكه بالأحزاب الكردية، وفي عام 1965 تعرض لمرض في عينه وأصيبت عيناه بنقص حاد مما أدى إلى اعفائه من التجنيد الاجباري في سوريا، وبسبب صعوبة الحياة وسوء أوضاع عائلته المالية بالإضافة إلى مرضه، ترك الدراسة وعاد إلى القرية للعمل بالزراعة مع أهله، ومكنه عمله في الزراعة والأراضي من التجول في قرى عديدة بمحيط القامشلي.
تعرف في قرية خربي كرما على الفنانين خليل يزيدي وحسين طوفي وحليم حسو، حيث رافقهم محمد شيخو إلى العديد من الحفلات والأمسيات آنذاك وتتلمذ على أيديهم، تلك المرحلة صقلت تجربته الغنائية وحولته من هاو للغناء إلى مغن محترف، ولأن والد محمد شيخو الفنان جتلي آغيكان أيضا مغن فقد كان تأثيره على غناء وفن محمد شيخو واضحا وجليا، وفي الوقت الذي كان يتلقى فيه تعليمه في مدينة قامشلو تعلم العزف على آلة البزق، وأثناء دراسته التقى بالفنان الشهير آرام تيغران واستمع إلى أغانيه وغناها معه أيضا، شأنه شأن الكثير من الفنانين الكرد واجه الفنان محمد شيخو أيضا الكثير من الصعوبات والعوائق وناضل من أجل تطوير فنه.
يذكر شقيقه الفنان بهاء شيخو كيف أن عمه أهدى شقيقه محمد أول آلة طنبور مقابل أن يغني للفنانة سميرة توفيق، ليكتشف لاحقا موهبته الفريدة في أداء الأغاني العربية إلى جانب الكردية حيث غنى لعبدالوهاب وفريد الأطرش، لكنه ظل وفيا لصوت شعبه مبينا أن شقيقه غنى أبيات شعر لثمانية عشر شاعرا كرديا، حث كانت الموسيقى بالنسبة إليه عالمًا كاملًا وبطريقة طفولية تعلّم العزف على الطنبور والبلّور، وأصبح شغوفًا بالموسيقى منذ صغره، عندما كانت عائلته تعيش في القرية، كان البيت دائمًا مليئا بالأصوات وكأن أغاني الراديو كانت ترافقهم في كل لحظة، وكان أيضًا تلميذا ذكيا في المدرسة لكن لاحقا وبسبب ظروف مختلفة ترك الدراسة.
في أواخر العام 1969 وبدايات العام 1970 سافر الفنان محمد شيخو إلى مدينة بيروت اللبنانية لدراسة وتعلم الموسيقى ودرس في اتحاد الفنانين العرب اللبنانيين لمدة عامين وتحصل على دبلوم في العزف على الآلات الموسيقية والغناء. أثناء دراسته الموسيقى، وفي ذلك العام، كانت كردستان العراق تعيش مرحلة جديدة حيثُ كانت الثورة الكردية على أشدها ولأجل دعم ثورة كردستان العراق قامت لجنة الفن الكردي في لبنان بالتعاون مع فنانين، أمثال سعيد يوسف ورفعت داري وعزالدين تمو ومحمود عزيز شاكر وشيرين برور ورمضان نجم أومري، بإحياء العديد من الحفلات والأمسيات الفنية.
في حفلة صالة سينما ريفولي عام 1972 بحضور رئيس الوزراء اللبناني الأسبق صائب سلام قدم محمد شيخو لأول مرة بعض أغانيه على مسرح كبير، وأصبح عضوا في اتحاد فناني لبنان وتعرف على العديد من الفنانين اللبنانيين الكبار أمثال نصري شمس الدين وفيروز ووديع الصافي وعاصي الرحباني وسميرة توفيق، وأثناء تواجده هناك أسس علاقات مع الفرق الموسيقية الكردية، حيث التقى بأقرانه سعيد يوسف ومحمود عزيز ومحمد طيب طاهر ورمضان عمري ورفعت داري الذين وفدوا إلى بيروت قبله، وأسسوا هناك فرقة نوروز بقيادة سعيد يوسف وكانت له علاقات مع فرقة نوروز، بعدها أسس علاقات مع فرقة سركفتن التي أسسها كمال شمباز، كذلك قدم العديد من الأغاني القومية والثورية وتأثر بكبار الشعراء الكرد وغنى لهم أمثال ملاي جزيري وجكر خوين، كما غنى بعض الأغاني الطربية باللغة العربية كأغنية المطرب ذياب مشهور ميلي وعلى الله تعود وقال الحكيم ولهجر قصرك.
في عام 1972 سافر إلى بغداد بغرض إحياء حفلة فنية وقام بتسجيل بعض أغانيه في القسم الكردي في إذاعة بغداد ثم زارها مجددا في عام 1973 وكان القسم الكردي في إذاعة بغداد وتلفزيون كركوك يبثان أغانيه على الدوام وذلك ما ساهم في نيله شهرة واسعة بين الكرد في كردستان العراق، وفي تلك الفترة عقد صداقات مع العديد من الفنانين في كردستان العراق أمثال شمال صائب وكولبهار وتحسين طه ومحمد عارف جزيري وعيسى برواري وكذلك العديد من الشعراء والشخصيات المثقفة وغنى من قصائد الشاعر بدرخان سندي وسكفان عبدالحكيم وخلف زيباري ومصطفى أتروشي، وفي نفس العام التقى مع الزعيم الملا مصطفى البارزاني وكرمه وقدم له علم كردستان تقديرا لفنه ووطنيته.
مثل العديد من الفنانين والمثقفين الكرد، عاش محمد شيخو أيضا حياته في المنفى، ولذلك مواقفه الجلية من خلال أغانيه لم تتسامح معها السلطات ولم تتحملها، وبعد أن اشتهر اسم محمد شيخو من إذاعة وراديو بغداد وانتشر صوته وأصبح مسموعا، بدأت الدولة السورية تنزعج منه وقامت السلطة بأخذه إلى دمشق ومن هناك إلى بيروت، وقالوا له بألّا يعود إلى سوريا مرة أخرى، ولكن محمد شيخو مرة أخرى يعود إلى سوريا ويتوجه ثانية إلى بغداد، وفي العام 1973 يسجل بعض أغانيه الأخرى في العاصمة العراقية، وفي ذلك الوقت أيضا يزور تلفزيون كركوك ويسجل كليبات لأغنيتين من أغانيه، وإحداهما هي أغنية “قاتلة القلب”.
رحلة الحرية والمقاومة
زار شيخو العاصمة العراقية بغداد في عام 1973، ليسجل أغانيه بالقسم الكردي في إذاعة بغداد، ثم زار جنوب كردستان والتقى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الملا مصطفى بارزاني، وتعرّف أيضا على عمالقة الفن الكردي، أمثال الفنان تحسين طه ومحمد عارف جزيري وعيسى برواري. وفي عام 1974 شارك في مهرجان نُظم في بغداد.
لكنّ الحنين للوطن لم يفارقه فعاد عام 1974 إلى سوريا ليُسجّل أول ألبوماته في دمشق بعنوان “السمراء” والذي تضمن ثماني أغان قومية وعاطفية، واعتقل محمد شيخو من قبل أجهزة النظام في سوريا بسبب مواقفه وكرديته وأغانيه، وتعرض للكثير من الضغوط وقامت أجهزة النظام السوري بتعذيبه كثيرا، وسجنوه، ولكن بالرغم من كافة الضغوط التي مارسها النظام لم يستسلم محمد شيخو واستمر في تطوير فنه، وفي ذلك الوقت كتب أغنيته “أعاني في السجن من الصباح وحتى المساء”، في أعوام 1973 و1974 كان في بعض الأحيان يغني أغنية لمرة واحدة فقط وكان يتم تسجيلها، وله الكثير من الأغاني هكذا.
التحق الفنان محمد شيخو بصفوف البيشمركة التي كانت تخوض الثورة ضد النظام العراقي، ولكن بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 وانكسار الثورة الكردية ذهب مع فيالق من البيشمركة إلى كردستان إيران وأقام في معسكر ربت وأصبح لاجئا وشكل فرقة فنية من جرحى المعسكر. دفعته رحلة البحث عن الحرية إلى العبور نحو شرق كردستان ليصل إلى مدينة مهاباد التي كانت رمزا للحلم الكردي، هناك سجل أحد أبرز أعماله الفنية الأغنية التي ظلت خالدة في وجدان شعبه “أي فلك”، وكأنه كان يناجي القدر الذي جعل من حياته سلسلة من الترحال والمقاومة، كما أصدر ألبوما آخر بعنوان”من مهاباد منبع دماء الشهداء”.
مكث لفترة في مدينة كرج القريبة من طهران وبسبب مضمون أغانيه السياسية والقومية تدخل السافاك الإيراني وطالبه بالكف عن الغناء وبعدها نفته الدولة الإيرانية من كرج إلى مدينة غنبدكاووس القريبة من بحر قزوين والتي تبعد تسع ساعات عن مدينة طهران وتقع في غرب إيران حيث أن وجود الكرد هناك قليل جدا.
أداء يتسلّق الطبقات الصعبة كما يتسلّق البهلواني حبله المشدود دون أن يسقط، محافظا على النغمة ذاتها لساعة كاملة
وككردي عراقي قام بتدريس الموسيقى وفي العام 1977 قام بتدريس اللغة العربية وأثناء تدريسه في المدرسة أعجب محمد شيخو بطالبته نسرين حسين ملك وغنى لها أغنيته المشهورة”نسرين”وهي ابنة أحد زعماء بيشمركة جمهورية مهاباد وتزوجها رغم المعوقات القانونية ومضايقات الأمن الإيراني لهم، وفي غنبدكاووس رُزق بابن أسماه بيكس ولكنه لم يعش، وبعدها رُزق بابنته فلك ولذلك اشتهر باسم “أبي فلك”، وبعدها رُزق بابنيه إبراهيم وبروسك.
تعرف على مصطفى أتروشي في إيران، وكان مصطفى أتروشي مواطنا وشاعرا كرديا من جنوب كردستان وقد كان يقيم في مدينة أصفهان، وغنى محمد شيخو 22 من قصائده ومنها أغنيتا “حين أموت” و”أمي”، وفي إيران تعرض لمحاولتي اغتيال في العام 1981، لأن الدولة الإيرانية ترغب أن يعزف محمد شيخو على البزق، لذلك كانت عائلته دائما تقوم بحراسته وتحاول منعه من الخروج كي لا يتم اغتياله، وفي إيران تعلم اللغة الفارسية وتحصل على دبلوم فيها.
بعد قيام ثورة الخميني في إيران وبتهمة الشيوعية أحيل محمد شيخو إلى محاكم الحرس الثوري وتمت تبرئته لاحقا، وبعد صدور عفو عنه في سوريا تنقل بين السفارة السورية في طهران والدوائر الإيرانية حتى عاد برفقة عائلته إلى مدينته القامشلي.
سجل محمد شيخو 4 أشرطة موسيقية في إيران ومن بين تلك الأشرطة “نسرين” و”أين الشباب الشامخ فوق الجبال” التي ألفها وكتبها الشاعر خلف زيباري، وبقي في إيران حتى أواخر العام 1982، وفي الـسادس والعشرين من ديسمبر في العام 1982 سافر رفقة زوجته وأبنائه إلى دمشق ومكث في مدينة القامشلي ليؤسس فرقة موسيقية ويقوم بإعطاء دورات لتدريس الموسيقى، وسجل شريط “أصبحت فراريا” الموسيقي، وأغلبية أغانيه كانت من تأليف الشاعر يوسف برازي.
بين عامي 1983 و1986 كان يسجل شريطا موسيقيا في كل عام وبالمجمل لديه أربعة عشر شريطا موسيقيا، ولكن في بعض المرات كان يغني أغاني فردية لمرة واحدة فقط وإذا تم حساب تلك الأغاني أيضا عندها يمكن القول بأنه لديه ما يقارب العشرين شريطا، وفي العام 1984 يعزف شقيقه بهاء معه على آلة الكمان ويسجلان شريطا وذلك الشريط كانت أغلبية أغانيه تتألف من قصائد الشاعر ملا نايف حسو الملقب بـسيداي تيريج والشاعر يوسف برازي، وشريطه هذا اشتهر باسم “أيتها الجميلة”.
غنى محمد شيخو أغنية عن سجن آمد (ديار بكر) من كتابة وتأليف الشاعر يوسف برازي وكانت القصيدة باسم “أمان أمان”، وسُجل شريطه الغنائي المسمى بـ”صبر” في العام 1985، والذي تتألف أغلبية أغانيه من قصائد الشعراء سيداي تيريج ويوسف برازي وعمري لالي.
سجل آخر أعماله عام 1986، وفي عام 1987 فتح أستوديو تسجيلات باسم “فلك” ومن جديد تدخلت السلطات السورية وأغلقت محله بالشمع الأحمر نظرا لما تحمله أغانيه ومحتويات محله من طابع قومي، وذكر شقيقه بهاء شيخو أن شقيقه تعرّض للتعذيب والاختطاف من قبل الأجهزة الأمنية، ففي عام 1987 ومن “تسجيلات فلك” تم اختطاف الشقيقين معا كما تم إغلاق التسجيلات بالشمع الأحمر ونقلت جميع محتوياته إلى مدينة الحسكة وقد بقي المحل مغلقا مدة خمس سنوات، وأرجع شيخو سبب اختطافهما إلى “تسجيلهما شريط كاسيت لفرقة برخدان رغم أن الكاسيت لم يكن ممنوعا، تم اعتقالنا وزُج بنا في السجن لمدة سبعة أيام”.
في السادس من مارس 1989 وبعد خروجه من معتقلات النظام البعثي، أصيب بنوبة قلبية إثر التعذيب الشديد الذي تعرض له في السجن وفجأة أصيب بمرض أدخل على إثره المستشفى الوطني بالقامشلي ورقد فيه ليومين متتاليين، وبعد خروجه من المستشفى إلى المنزل فارق الحياة في صبيحة التاسع من مارس، تاركا خلفه إرثا فنيا ضخما يضم نحو 120 أغنية لا تزال تُسمع حتى اليوم وتخلد ذكراه في أجزاء كردستان الأربعة، وأقيمت جنازته بمشاركة شعبية واسعة لا نظير لها في مدينة القامشلي وعلى صدى آخر أغانيه “إذا متُّ يوما، لا تدفنوني كما موتاكم، في كل آذار أيقظوني، لأعتصر لكم الألم بصوتي”، ودفن في مقبرة الهلالية.
يمكن تقسيم حياة محمد شيخو الفنية على الرغم من عدم توفر إحصائيات محددة عن أغانيه لكن باطلاعي على صفحة اليوتيوب الخاصة بشقيقه بهاء تتجاوز أغانيه المئة أغنية وتمثل مرحلة البدايات، ثم مرحلة بيروت، مرورا بمرحلة بغداد، وعبورا من مرحلة البيشمركة ومرحلة مهاباد وأخيرا مرحلة الوطن والحضن الأخير.
المصدر العرب اللندنية