في هذا السياق تبدو فريدا كاهلو، في حياتها وأعمالها، فضيحة لكل ما ندعيه. خالفت كل توقعاتنا، وأبهرتنا، وما زالت تبهرنا حتى الآن. ذلك أننا لم نرتق إلى مرتبتها بعد.
| رسمت فريدا كاهلو أكثر من 55 بورتريه ذاتي (Getty) |
رسمت فريدا كاهلو أكثر من 55 بورتريه ذاتي، جعلت فيها وجهها ساحة لتأملات في الألم، الحب، الخيانة، والهوية. لم تكن ترسم لتُجمّل، بل لتُفكك ذاتها أمام العالم.
استخدمت عناصر مثل الهياكل العظمية، الحيوانات، الجذور، والأعضاء الجسدية لتصوير الألم الجسدي والنفسي. أعمال مثل The Broken Column تجسّد هذا التوتر بين الجسد كموضوع والروح كصرخة.
ورغم ارتباطها بالمدرسة السريالية، كانت فريدا تقول: “لم أرسم الأحلام، بل رسمت واقعي”. وهذا الواقع كان دائمًا مشحونًا بالرموز، بالأسطورة، وبالصدق العاطفي.
لم تُخفِ إعاقتها أو معاناتها، بل جعلتها مركزًا في أعمالها، متحديةً معايير الجمال والأنوثة السائدة.
تحدّت الصور النمطية للمرأة، وظهرت في لوحاتها بشاربين، بحواجب كثيفة، وبملابس تقليدية، لتُعيد تعريف الجمال والهوية النسوية من منظورها الخاص. جسدها لم يكن موضوعًا جنسيًا أو زخرفيًا، بل كان ساحة للصراع، للهوية، وللذاكرة. ولوحاتها تُعيد للمرأة حقها في أن تُعرّف جسدها بنفسها، لا عبر أعين الآخرين.
فريدا كاهلو لم تكن فقط فنانة، بل كانت مشروعًا حيًا لإعادة تعريف الفن، الجسد، والهوية.
كاهلو بالنسبة لي هي النموذج الذي يجب تبنيه في علاقة المرأة بجسدها، وعلاقة هذا الجسد بالرجل وبجسد الرجل. لقد أثبتت بوضوح أن توافر معايير الجمال والصحة ليست ضرورية للإغواء. وهذا في حد ذاته ما يجعلنا بشرًا.
يلتقي رجل بامرأة، يُعجب بشعرها وعينيها، وجسمها، ثم ينتبه إلى أنها لطيفة، ذكية، ثم يناقشها في قضايا متفرقة، ثم يحصل أن يُعجب بأفكارها وثقافتها العاطفية. وحين يتعب من الاستكشاف، من التعلم، يدعوها لممارسة الجنس. ممارسة الجنس هنا محاولة لإطفاء الشعلة التي أوقدها حضورها المتكامل في جسمه، وباتت محرقة ولا تحتمل. ما يحدث بعد ذلك، بسبب الثقافات التي سادت طوال قرون، أنه كلما التقيا مرة أخرى، لا يفعلان شيئًا سوى ممارسة الجنس، تتحول علاقتهما إلى نوع من الرياضة الجسدية، وهذا بسبب الثقافة التي أفهمتنا أن الجنس مهم في العلاقات إلى هذا الحد، ووضعت له قيودًا وقوانين. كاهلو ليست هنا. كاهلو تقول لك إن الجنس نشاط كأي نشاط. وأنك ستحب أن تلقاني لأنني أعلمك أشياء جديدة كل يوم. وسأقبل بممارسة الجنس معك، حين أتعب من تحليل الأفكار التي طرحتها علي، وأتعب من الرد عليك. الجنس استراحة هنا.
| الرجل المتضامن يعامل المرأة المعاصرة كمريضة، وكان الأجدى أن يعاملها كامرأة (Getty) |
لهذا فإغوائها إنساني تمامًا، لأنه يستند إلى أيدينا الماهرة والحاذقة وعقولنا التي تنتج لغة. كل جسد أنثى بين الحيوانات هو مرغوب جنسيًا من الذكور والعكس صحيح. كل جسد أنثى من النساء مشروط بأن يحوز مقدرات جسمانية تسمح له بالإغواء. كاهلو تقول لك إنها تملك القدرة على ممارسة الجنس، لذا هي مغوية لك، هي لا تملك المقومات، بل تملك القدرة على إنهاكك فكريًا وعقليًا لتطلب الجنس كملاذ أخير. بالتالي هي ليست جسدًا، بل هي لغة. وحين نتعب من تعقيداتها نحولها إلى جسد، وهي تحول نفسها إلى جسد حين تتعب من تعقيداتنا.