الأكراد بين فكي موسكو وواشنطن..كوباني قد تكون الثمن
تترقب القيادات الكردية في شمال شرق سوريا بقلق بالغ نتائج محادثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان المرتقبة الخميس، والتي يُعتقد أن أحد أبرز بنودها سيكون تسليم عين العرب (كوباني)، الواقعة ضمن حدود اتفاقية أضنة التي تُعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة لمواجهة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم.
وعلمت المدن من مصدر مطلع؛ أن الجانب الروسي أبلغ القيادات الكردية “بشكل غير مهذب”، باحتمال إخلاء عين العرب، تمهيداً لتسليمها للقوات التركية والجيش الوطني السوري، وربما عين عيسى أيضاً، بعد التعنت الذي أبدته هذه القيادات حيال المطلب الروسي بإدماج قوات سوريا الديموقراطي (قسد) في قوات النظام، وقطع الصلة بواشنطن؛ كشرط لا عودة عنه ﻷخذ المطالبات الكردية باﻻعتبار.
المصدر، وهو قيادي في “مجلس سوريا الديمقراطية-مسد”، أكد ل”المدن”، قبول المفاوض الكردي بتقديم بعض التنازلات في ما يخص “اﻹدارة الذاتية”، وأن اﻷخيرة عقدت خلال اﻷيام الماضية، سلسلة من اﻻجتماعات التمهيدية مع اللجان والهيئات الفرعية التابعة لها في المناطق التي تسيطر عليها قسد شمال شرق البلاد.
وبحسب المصدر عُقدت اﻻجتماعات في الحسكة بحضور إلهام أحمد؛ الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية في مسد، وضمت 42 ممثلاً عن مختلف مناطق شرق الفرات؛ اتفقوا على عقد سلسلة لقاءات في القريب العاجل ستستغرق أسبوعاً، وأشار إلى أنها ستنقسم إلى شقين؛ سياسي يتصل بعلاقة “اﻹدارة” مع النظام، وآخر خدمي سيبحث إعادة افتتاح الدوائر الحكومية التابعة له في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
المصدر أوضح، أن بعض الأطراف في اﻹدارة الذاتية وقسد تعول على التفاهم مع النظام أملاً في الحفاظ على المكتسبات المتحققة لها شرق الفرات وأولها اﻹدارة الذاتية، مقابل ما سيجنيه النظام من دعم لاقتصاده المتهالك جراء سيطرته على خزان ثروات سوريا فضلاً عن المكسب السياسي المتحقق من هذه السيطرة؛ ولا يبدو أن الظروف الحالية تخدم تعويل هذه اﻷطراف إن لجهة الدعم الروسي أو قبول النظام.
خلال اجتماع عُقد نهاية العام الماضي في مقر وزارة الدفاع في موسكو اعتبر قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا، الفريق ألكسندر تشايكو، مساعدة قوات بلاده نظام اﻷسد في بسط سيطرته على الأراضي واقعة شرق الفرات، الإنجاز الأهم لها في سوريا في 2019، وهو كذلك.
ومع عودة النظام إلى هذه المناطق شرق الفرات، وأمام ما بدا مؤخراً كإنتصار له في إدلب شمال غرب البلاد؛ تراجع الحديث الروسي عن مسودة الدستور الذي تضمن مواداً حول اللامركزية والصلاحيات الموسعة للمجالس المحلية، اﻷمر الذي يشي بأن ما تسعى إليه موسكو لن يعدو أن يكون اتفاق تسوية آخر يشبه ما سبقه من اتفاقات المصالحة التي رعتها حميميم في مناطق سورية أخرى.
بدوره لم يبدِ نظام اﻷسد أي تجاوب مع التطلعات الكردية في اللامركزية، واستمر بوصمها بالانفصالية والاتصال بأجندات خارجية تريد بسوريا شراً. وفي ظل الانكفاء الروسي عن التلويح للقوى الكردية بتلبية هذه التطلعات، لن يكون النظام مجبراً على تقديم أي تنازلات تتجاوز سقف قانون اﻹدارة المحلية المتضمن في “المرسوم التشريعي” رقم 107 للعام 2011، والذي لا يمّس السلطة المركزية لدمشق على هذه اﻷطراف، ويحتفظ لها بحق تعيين المحافظين فيها وعزلهم، إضافة لقابلية تعديله بل وتعليقه إن لزم اﻷمر.
من جانب آخر، وبحسب المصدر نفسه، حذر المبعوث اﻷميركي جيمس جيفري، في ما يشبه التهديد المبطن، القيادات الكردية في قسد واﻹدارة خلال اجتماعه بها في الحسكة الثلاثاء 18 شباط/فبراير، من خطر التعاون مع النظام وموسكو، وحثها على التعجيل في فك اﻻرتباط بقيادة حزب العمال الكردستاني في قنديل.
ولا تعطي الولايات المتحدة اهتماماً للتطلعات الكردية في اللامركزية أو الحكم الذاتي، بقدر اكتراثها لكبح التوسع اﻹيراني عبر المنطقة إلى ساحل المتوسط، مع ما يتضمنه ذلك من منع للنظام من الوصول إلى بقية مناطق شرق الفرات أو اﻻستقرار في المناطق التي وصل إليها بمساعدة الروس وعبرهم، اﻷمر الذي يضع القوى الكردية وأي اتفاق قد تبرمه معه في مواجهة الرفض اﻷميركي.
سياسياً؛ تركّز واشنطن على وحدة الصف المعارض عبر تقريب الجناح السوري في قسد واﻹدارة من اﻻئتلاف وهيئة التفاوض، ومحاولة التخفيف من النفوذ التركي في صفوف اﻷخيرة، بالتوازي مع دفعها اﻷكراد السوريين لفك اﻻرتباط بقيادة قنديل، تمهيداً ﻹعادة إحياء مسار جنيف بوفد موحد للمعارضة؛ إضافة لمساعيها المحليّة للتخفيف من سطوة وحدات الحماية وكوادر حزب اﻻتحاد الديمقراطي في قسد واﻹدارة الذاتية، المرتبطين منهم بقنديل على وجه الخصوص، والمحسوبين على محور موسكو-طهران، لحساب توسيع التمثيل العربي في الكيانين.
على اﻷسس السابقة، قد تدعم واشنطن شكلاً من اﻹدارة الذاتية لهذه المناطق، وربما تدافع عنه في الحل السياسي المرتجى من مسار جنيف، وهو أمر أبعد ما يكون عن المسار الذي ترعاه موسكو اﻵن وتدفع فيه كلا الجانبين، والذي سيفضي إلى تحويل “اﻹدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” محض إدارة محلية تابعة لنظام اﻷسد، بحسب ما يراه المصدر المعارض لمجريات المسار.
وعلى عكس القوى الكردية، ليس لدى نظام اﻷسد ما يخسره في سياق محاولاته ابتلاع اﻹدارة الذاتية واختزال قسد إلى ورقة عسكرية في ملف صراعه مع أنقرة، مستغلاً تهديدات الأخيرة بتطبيق أضنة، ما دامت موسكو متكفلة بالتعامل معها، بل لعله يستعجل اﻷمر ويقايضه على ملف إدلب، في وقت لا تبدي فيه أنقرة كبير حماس أو استعجال في تنفيذ تهديداتها.