-
-
.عمر شرارة
-
«رغم أن كل شيء يبث على التلفزيون والعالم يراه، تظل هناك أشياء نحن وحدنا مَن نراها ونسمعها من الناس… من المهم أن ندوّن هذه التفاصيل ونحكيها، وهنا تكمن مهمة الأدب: إنه يحفظها للأجيال القادمة». بهذه الكلمات افتتح النقاش الكاتب والقاصّ الفلسطيني، عامر المصري، مؤلف المجموعة القصصية القصيرة «الرجل الذي التفت إلى الوراء»، الصادرة طبعتها الأولى بعد عامين من الإبادة الإسرائيلية المستمرة على غزة عن دار «منشورات غزة» المؤسسة خلال الحرب وفقاً لترويسة الكتاب، بالتزامن مع ترجمتها إلى الهولندية.
«الأدب»: أرشيف الحرب الغزّي
وسط الركام، وفوق أرض محاصرة منذ سنوات تئنّ من الجوع والقتل، وُلدت قصص «الرجل الذي التفت إلى الوراء». ليس كنوع من الهروب كما قد يُظن لوهلة، بل بوصفها محاولة لمراكمة ذاكرة جماعية، وحماية تفاصيل قد تضيع لو تُركت إلى شاشات التلفزيون أو نشرات الأخبار الجافة.
وفي زمن الإبادة اليومية المُبثّة على الهواء مباشرة، تساءلت كقارئ: ما الذي يمكن أن يضيفه الأدب؟ وحين قابلته، منحني الكاتب إجابته البسيطة والعميقة معاً، قائلاً: «الأدب يوثق ما لا يُرى، وما لا يُقال، وما يُمحى عمداً من السرديات الرسمية».
حدّثني المصري، المقيم في تركيا منذ مغادرته مدينة خان يونس في 2021، أن «الأدب ليس هروباً من الواقع بل مواجهة». فالقصّص عنده ليست مجرد مشاهد متخيّلة، بل شظايا مستوحاة من أصوات الناس وحكاياتهم، من رائحة بيوتهم والصور المعلّقة على جدرانها، ومن ارتجاف الأجساد والأشلاء حين يداهمها الخوف والموت. بهذا المعنى، تتجاوز مجموعته كونها قصصاً قصيرة؛ لتلعب دور سجلّ أدبي للموت والحياة في غزة، أو كما يسمّيها هو: «الأدب التوثيقي»، المعتمد على التفاصيل الاعتيادية اليومية لحياة الفلسطينيين وقتَ وإِثرَ الحرب، حيث تتغير الضمائر من قصة إلى أخرى.
ما تقوله غزة: الأشلاء واللّاجدوى
ينتهي الكتاب عند القسم المعنون «ما تقوله غزة»، والذي احتوى على ثلاث قصص، تُعدّ الأكثر وضوحاً في توثيق جرائم الإبادة الإسرائيلية في فلسطين. تبدأ بقصة «كف»، المكثّفة الرمزية، التي يرويها راوٍ عليم، عن عدّاء تُجمع أشلاء جسده من مسافات بعيدة متفرقة إثر قصف آلات القتل. تلك التفاصيل المروعة، كالفراق الأبدي الواقع بين كف وفخذ الرياضي، تتحول إلى صورة كلية عن الجسد الفلسطيني الممزق وقت الحرب.
بينما في «قدم»، يحكي راويها، عن أمّ تكتب أسماء أبنائها على أقدامهم، في ما قد يبدو وكأنه مزحة يضحكون عليها، في محاولة عبثية منها لضمان تثبيت هويتهم، قبل أن يقتلهم القصف جميعاً. وبينما البيت يظل واقفاً رغماً عن الصاروخ الذي ضرب أعمدته، تُفنى كل الأجساد.
أمّا «دُش»، فنسمع مونولوجاً لشاب فقد أسرته كلها حين دخل الحمّام لثوانٍ ليقف تحت الدُش وماؤه البارد. يقول الشاب: «نَقص الرقم عشرين 19 رقماً دفعة واحدة»، لتتحوّل الأرقام والمعادلات الرياضية التي يرددها لاحقاً في النص السردي إلى إعلان عن عجز المنطق الرياضي أمام فقده.
وعن هذه القصص يقول المصري بحسرة: «بحسّ إنه مش كافي ثلاث قصص عن حرب الإبادة. بفكّر أكتب مجموعة منفصلة عنها، تحكي التفاصيل التي ربما لا تُروى ولّا يعرفها غير الناس اللي عاشوها». موضحاً سبب تسمية هذا الجزء بهذا العنوان: «غزة هي التي تحكي عن أهلها في الإبادة». ثم تساءل بصوت اختلط فيه الأسى بالدهشة إلى حد بعيد: كيف يمكن أن نحسب الخسارة حين تُمحى أسرة كاملة في لحظة واحدة؟ ولم نجد، لا هو ولا أنا، أي إجابة.
ما تقوله الحرب: الذاكرة المؤطَّرة تحت النار
تجلّت ثيمة الفقد في أكثر صورها إيلاماً في القسم الأول في المجموعة، المعنون «ما تقوله الحرب». وقبل بدايته، وضع المصري جملة قصيرة: «إلى خان يونس في السادسة صباحاً»؛ وكأنها مفتاح زمكاني يُحدد نقطة انطلاق المجموعة، بينما غياب جمل مماثلة في بقية الأقسام يُعطي هذه نوعاً من الإهداء الخفي.
نجد في قصة «صور أمي المؤطرة» أمّاً تحاول حماية أبنائها من «قطط السماء» الإسرائيلية التي اصطادت من قبل والدهم، ليس بالأسلحة ولّا بالحصون، بل بوضع صور صغارها داخل براويز صور سوداء سميكة الحجم، قبل أن تُعلّقها على الجدران. لتُصبح الصور بديلاً هشاً للحياة، وفي الوقت نفسه شهادة على محاولة قد تبدو يائسة للانتصار على الموت. وكأن الأم تحمّي أبناءها باعتبارهم موتى سلفاً. وهذا المعنى يتجسد حين تنجو الصور المؤطرة بينما ينهار البيت، في مفارقة تكثّف سؤال الأدب التوثيقي: هل ينجو الأثر حين يفنى الجسد؟ بينما يُضيف المصري: «كنت أحاول الإجابة عن سؤال: ماذا تفعل بنا الحرب».
أمّا في «عيد ميلاد في سرداب» فيأخذ السردُ شكلاً يكاد يقترب من التقارير الصحفية متعددة الأصوات. تحكي القصة عن عائلة يخطر في بالها أن تحتفل بذكرى ميلاد أحد أبنائها تحت أرض البيت. اللافت أن البيت لم يُقدَّم باعتباره مكاناً للحياة الآمنة، بل كأنه قبرٌ مؤقت، يحمي ساكنيه من الموت القادم من السماء على حين غرة. كما تتحول التفاصيل الصغيرة المسرودة إلى علامات كبرى على أن «القطط الصهيونية» لا تصطاد الأجساد فحسب، بل تشوّه أبسط المعاني الأسرية، في مفارقة موجعة بين طقوس الفرح وظلال الموت.
ما يميز هذه الحكايات هو إدراكها العميق لقوة التفاصيل الصغيرة: براويز الصور السوداء، كيكة عيد الميلاد، زجاجة كوكا كولا. هذه التفاصيل هي التي تمنح النصوص صدقها التوثيقي، وتحمل رمزيات في طياتها عن الحياة المختزلة في بعض الأشياء الصغيرة، قبل أن تتلاشى أو تُمحى بفعل القصف. هكذا قد يتضح سباق الأدب مع الزمن، ومع الإبادة العلانية، ومع الذاكرة الشخصية التي قد تخون أصحابها إذا لم يحولوها إلى نصوص. بهذا المعنى، يصبح التوثيق الأدبي ضرورة وجودية، وليس خياراً جمالياً وسردياً لدى المؤلف.
وعن استشراف الإبادة في قصص هذا القسم المكتوبة قبل سنوات، فيُشير المصري إلى أن «هذا هو الواقع الذي يعيشه الفلسطيني في غزة من زمن طويل. عيد ميلاد في سرداب أو صور أمي المؤطرة مجرد نماذج. أمّا الإبادة الآن، فقد جعلت العالم كلّه يراها أوضح».
ما تقوله فتيات شارع المحطة: أصوات النساء والحياة المعلّقة
بُنيت المجموعة القصصية على القسم الثاني، «ما يقوله شارع المحطة»، بعدما كان عنوانه الأوّلي «فتيات شارع المحطة». ألّفه المصري عام 2019، وفيه تتعدد الأصوات وتتشابك المصائر من قلب شارع المحطة في مدينة خان يونس، أحد الأمكنة المتكررة في المجموعة كمسرح للحكايات. إذ تنتقل القصص من مشاهد الحرب المباشرة إلى تفاصيل الحياة اليومية المُعاشة، بكل ما تحمله من: حب، فقر، أجساد، وخذلان.
وفق المصري، تُركّز قصص هذا القسم على العنف البنيوي والاجتماعي داخل المؤسسة الزوجية والعائلة وعلى النساء اللواتي تُحجب المساحات المتاحة لهنّ في غزة، بالتوازي مع التركيز على رمزية القطار المهجور، إذ لم يعد هناك خطوط سكة حديدية تربط القطاع بالعالم الخارجي. يُضيف: «الفتيات في شارع المحطة يسلطنّ الضوء على إشكاليات نسوية لا تُحكى وسط أهوال الحرب».
كشفت حكاية «أن تقولي وداعاً ولا تسافري»، عن انعدام مساحات الحرية أمام النساء في غزة. يسرد راوٍ عليم عن امرأة أجبرتها عائلتها على الزواج من رجل بليد المشاعر منذ صغرها، فعاشت معه حياة قاسية وأنجبت منه ثلاثة أبناء. وبعد سنوات طويلة تُقرر الطلاق منه أخيراً، بعد موت أحد أبنائها وسفر الآخر وزواج الثالث. ولم تُقدّم المرأة كضحية خالصة، بل كإنسانة تسعى إلى الحرية، حتى وإن جاء قرارها متأخراً أو لم تبلغه أصلاً. «المرأة الغزاوية مركز الحياة، حين أكتب عنها لا أكتب عن الهامش، بل عن المحور الذي يظل قائماً حتى في قلب الحرب»، يقول، مما يدل على أن القصص لا تكتفي بتصوير معاناة المرأة، وإنما تجعلها حاملة للذاكرة الجمعية، وضامنة لإمكانية استمرار الحياة رغم كل شيء.
أما في «العربة رقم 10 إلى القاهرة»، فيغدو القطار فيها رمزاً للرحلة المجهضة والعبور من المستحيل: الحدود. فالراوي، عز الدين، يحكي عن بقايا قطار شارع المحطة المهجور حين كان يربط غزة بالقاهرة، لكنه أصبح لا يتحرك ولا تُسمع صوت صافرته إلا في الخيال. تمزج القصة بين حكاية الراوي الشخصية، مع أمه التي رحلت بعد أن أنجبته، وابنته التي تحلم بالسفر إلى مصر لإتمام دراستها في جامعة القاهرة؛ وبين الحكاية الجماعية الأوسع لغزة وأهلها المحاصرين. بينما تمنح رمزية رحلة القطار أفقاً يتجاوز الجغرافيا الضيقة لغرة؛ إذ تُحيل إلى السفر المؤجل لحين غير معلوم، وإلى الهجرة القسرية للفلسطينيين. كل ذلك يجعل من «شارع المحطة» استعارة لمصير جماعي مُعلَّق، لا مجرد مكان في النصوص.
بينما في «يوم تحولت إلى فراشة أو ذئب أو كلب»، يروي شاب فقير يعمل في مزرعة بطاطا قصته مع الحبيبة التي تخلّت عنه بسبب فقره حينما كانا يدرسان سوياً في مرحلة الشهادة الثانوية، قبل أن يلتقيها مجدداً بعد سنوات كعاملة جنس في بيت أحد أصدقائه. فيظل يضحك بلا توقف متحاشياً البكاء في لحظة الذروة. هكذا يعتبر نفسه قد تحول إلى حيوان أو حشرة، ثم يطير. بالنسبة للمصري، فإن استخدام الفانتازيا كان وسيلة لتصوير تشوّه الروح تحت وطأة العوز والقهر في ظل الاحتلال.
وفي «مملكة الموتى»، تتصاعد الفانتازيا لذروتها. يقصّ راوٍ عليم عن فتاة وُلدت بعد سنوات من عقم والدها، الذي يطرد والدتها ظانّاً منه أن ابنته ثمرة الخطيئة. لتتحول الطفلة المنبوذة إلى ملكة على الموتى الذين يعودون للحياة بعد الحرب، في مدينتها التي غمرتها الأمطار. ورغم طابعها الفانتازي، تعكس القصة الأخيرة مأساة النساء الغزيات، وتصوّر كيف تبقى حياتهنّ معلّقة بين الموت والحياة المستحيلة تحت ثقل اتهامات البغاء وقسوة المجتمع. وفي أكثر نصوصه خيالاً، لا يبتعد المصري عن واقع تواجه فيه النساء موتاً مضاعفاً، اجتماعياً وفعلياً.
ما يقوله الرجل الذي التفت إلى الوراء: المتوسطية والذاكرة
يطرح المصري في القسم الثالث المؤلّف عام 2022، والذي استوحى منه عنوان المجموعة المركزي نفسه، «ما يقوله الرجل الذي التفت إلى الوراء»، سؤال الهوية والذاكرة بوصفه قلب المشروع. فالالتفات إلى الوراء ليس مجرد حركة جسدية، بل فعل رمزي يعكس علاقة الفلسطيني بتاريخ يلاحقه أينما ذهب، وذاكرة وهوية جماعية لا يمكن الإفلات منها. وكي يصوغ المصري هذه الأفكار، يخلط الواقع بالخيال في معادلة دقيقة تعبّر عن الوجود الفلسطيني المعلّق.
فالراوي المُصاب بشلل نصفي، في النص السردي «مرّتان في حياتي»، يعيش جُل تفاصيل حياته من منتصفها. نصف الجسد ونصف الحياة، كما قال لي المصري، يرمز لوجود الفلسطيني بين الحياة والموت في الحرب أو بين عالمين: أحدهما ينهار والآخر لا يكتمل. مشيراً إلى أن السرد السريالي لم يكن ترفاً، بقدر ما كان محاولة لتجسيد الوجود المبتور والمشوّه للإنسان في الحرب.
بينما القصة المركزية، «الرجل الذي التفت إلى الوراء»، التي تُعيدنا إلى عنوان المجموعة. فنسمع فيها ماضي، التلميذ الذي يُطلب منه أن يقف ملتفتاً إلى الخلف عقاباً له، والذي يُصبح رمزاً لجيل كامل حُكم عليه بالنظر وراءه للأبد: إلى تاريخ فلسطين، إلى قريته، إلى ذويه وأصدقائه وأحبابه، وإلى البحر المتوسط الذي يُغريه بالهجرة بحثاً عن حياة كريمة. بهذا المعنى، يُصبح العنوان استعارة كبرى عن الفلسطيني العالق بين المضارع الدموي والماضي الذي لم ينقطع أبداً، وبين الرغبة في المضيّ قُدماً والخوف من فقدان ما تبقى من الذاكرة إذا لم يلتفت إلى الوراء.
أمّا «واحد لا يساوي واحداً»، الأقرب إلى قلب الكاتب كما قال، فهي شهادة نسوية على القهر اليومي في غزة. فأسيل، الطفلة التي أُجبرت على ارتداء الحجاب، تُحرَم من حرية ينعم بها أخوها التوأم بلا قيد. فيتبدّى سؤال العدالة والمساواة في أكثر أشكاله الحميمية: هل شعرُ الأخت لا يتساوى مع شعر الأخ؟ وبينما يكدّ السرد في عَرض معادلات رياضية كثيرة، محاولاً إثبات أن واحد يساوي واحداً على الورق فقط، يطرح الواقع المتخيّل بهذه المعادلات الدقيقة عُرضَ الحائط بصرامة موجعة، مجسداً العبث واللاجدوى في المشاهد.
بينما «آذان النساء في إسطنبول»، التي تبدو أقرب إلى هلوسة شاعرية عن الأقراط والآذان والفراشات، يبقى سؤال الهوية حاضراً في جوهرها: كيف يرى الفلسطيني جسد المرأة وحريتها حين يقف في مدينة ليست مدينته؟ ليبرز البُعد المتوسطي للنصوص، حيث تركيا والبحر المتوسط يفتحان أفقاً أبعد من حدود غزة الضيقة. ومع ذلك، فهو أفق لا يخلو من القلق والتيه.
امتازت نصوص القسم الأخير، كما المجموعة كلها، بأساليبها السردية المتنوعة. فالكاتب راوح بين ضمائرِ حكيٍ متعددة: من الراوي العليم الذي يقدّم المشهد من الأعلى، إلى السرد بضمير المتكلم الذي يضع القارئ داخل التجربة، إلى النصوص التي تشبه في نَفَسها التقارير الصحفية المهتمة بكل تفصيلة مهما ضؤُل حجمها، أو المونولوجات الداخلية ذات النبرة الشعرية التي تمنح عمقاً وجدانياً، أو السرد الاعترافي الذي يخاطب القارئ كأنما هو المقصود وحده. كما تأرجحت لغته بين البساطة العامية التي تُحاكي كلام الناس، وبين القفزات السريالية حيث تتحاور الأعضاء المبتورة. وهذا كلّه في سبيل عكس تعدد الأصوات الفلسطينية، فلا صوت واحد يُهيمن، وإنما جوقة جماعية من البشر في رباعية موضوعية، كلٌ يروي حكايته.
-
