يشكّل انضمام الشرع إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” تطوراً سياسياً لافتاً، يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول أبعاده ودلالاته وتداعياته، سواء على المستوى الإقليمي أو داخل الساحة السورية نفسها. فالخطوة لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد تحرك أمني أو عسكري، بل هي مؤشر على تحوّل في مقاربة الشرع لعلاقاته الخارجية، وسعيه إلى إعادة التموضع ضمن معادلة إقليمية ودولية متغيرة.
يحمل الانضمام بعداً رمزياً يتجاوز الحرب على الإرهاب بالمعنى الميداني. فهو إشارة إلى رغبة الشرع في كسر طوق العزلة السياسية والدبلوماسية الذي أحاط به لسنوات، والتقرّب من المظلة الدولية التي ما زالت تمثل الشرعية الأوسع في إدارة ملفات الإرهاب والأمن الإقليمي.
هذا التحرك قد يُقرأ كمحاولة لإعادة التموضع في خريطة التحالفات، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الموقف الدولي من قضايا الشرق الأوسط، وعودة الجدل حول أدوار القوى المحلية والإقليمية في مرحلة ما بعد “داعش”.
من الناحية الأمنية، يمثل الانضمام فرصة لتبادل الخبرات والمعلومات الاستخباراتية، وتعزيز الجهود المشتركة في مواجهة التنظيمات المتطرفة التي ما زالت تحتفظ ببؤر وخلايا نشطة في بعض المناطق.
إلا أن التحالف، في جوهره، لا يقوم فقط على محاربة الإرهاب، بل يعبّر عن شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها أهداف الدول الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية. من هنا، قد يجد الشرع نفسه أمام معادلة دقيقة بين التعاون الأمني من جهة، والحفاظ على استقلالية قراره السياسي من جهة أخرى.
يأتي الانضمام في لحظة تشهد فيها الساحة الدولية إعادة ترتيب للأولويات، حيث تراجعت أولوية محاربة “داعش” لصالح ملفات أخرى، من أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، يبدو أن الشرع يسعى إلى استثمار الخطاب الدولي المتجدد حول مكافحة الإرهاب كمدخل لإعادة تعريف موقعه الإقليمي، وإظهار نفسه كطرف فاعل ومسؤول، قادر على الإسهام في حفظ الأمن والاستقرار، لا كمصدر تهديد لهما.
انضمام الشرع للتحالف الدولي لا يمكن فصله عن البيئة الإقليمية المتشابكة. فالدول الفاعلة في المنطقة تراقب هذه الخطوة بدقة، إذ قد تراها بعض الأطراف العربية مؤشراً على تقارب محتمل مع الغرب، فيما قد تقرأها قوى أخرى – كإيران أو تركيا – بوصفها محاولة لإعادة التوازن أو توجيه رسائل سياسية غير مباشرة.
في المحصلة، يبدو أن الشرع يحاول أن يستبق التحولات المقبلة في الإقليم، وأن يثبت لنفسه موطئ قدم في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.
داخلياً، يحمل هذا الانضمام انعكاسات متشابكة. فمن ناحية، قد يُستخدم كأداة لإبراز صورة الشرع كطرف منخرط في الحرب على الإرهاب، وهو ما يمنحه قدراً من الشرعية أمام المجتمع الدولي.
لكن في المقابل، قد يثير هذا الانخراط حساسيات داخلية، سواء لدى قوى المعارضة التي قد تعتبر الخطوة محاولة لتجديد شرعية سياسية بغطاء دولي، أو لدى بعض الحلفاء الإقليميين الذين قد يرون فيها ميلاً نحو محور غربي منافس.
اقتصادياً، يمكن أن يفتح الانضمام الباب أمام دعم أو تسهيلات محدودة في إطار التعاون الأمني، لكنه قد يضع الشرع أيضاً أمام مطالب داخلية متزايدة بالإصلاح والانفتاح السياسي.
أما اجتماعياً، فقد يسهم تبني خطاب “محاربة الإرهاب” في خلق حالة من الالتفاف المؤقت، لكنه لن يبدد بالكامل الانقسامات العميقة التي خلفتها سنوات الصراع.
في النهاية، يتضح أن انضمام الشرع للتحالف الدولي ضد “داعش” يتجاوز كونه تحركاً عسكرياً أو أمنياً. إنه خطوة سياسية بامتياز، تعبّر عن رغبة في العودة إلى المشهد الدولي من بوابة مقبولة ومشروعة.
غير أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على قدرة الشرع على ترجمة نواياه المعلنة إلى ممارسات ملموسة، وعلى مدى تجاوب الداخل السوري مع هذا التحول. فبين الاعتراف الدولي والقبول الشعبي، تبقى المسافة مليئة بالتحديات، في مشهد سوري وإقليمي لا يزال في طور إعادة التشكل.