يتجاوز العنف الرهيب الذي يشهده السودان، كونه لحظة جنونٍ طارئة، أو مجرّد انفجار كراهية كامنة بين متنازعَين على السلطة والثروات. فنحن بإزاء الحصيلة الأصدق تعبيراً عن مشروع الإخوان المسلمين، الذي تجلّى، في السودان، منذ انقلاب عام 1989، بصيغة مشروع فكريّ مغلق اتّخذ من الدين وسيلةً لتمكين الإسلاميّين، ومن الدولة جسراً لاحتكار الإيمان، ومن العنف لغةً للتطهير السياسيّ وجوهراً للهويّة. فالانتهاكات المتمادية، مذّاك، تقع في صلب آليّات عمل المنظومة الدينيّة الشموليّة التي نظَّر لها حسن الترابي واختزل عمر البشير وجهها إلى حين سقوط نظامه عام 2019.
فالحرب في الجنوب سُمّيت “جهاداً”، وقتل المدنيّين في جبال النوبة صار “نصرةً للإسلام”، والإبادة في دارفور قُدّمت على أنّها “حماية للوطن من التمرّد”. وليس من باب الصدفة أنّ كلّ المذابح التي عرفها السودان منذ 1989 حتّى اليوم، من الجنوب إلى دارفور، من كادقلي إلى الخرطوم والفاشر، تحمل بصمة الدولة الإخوانيّة. بهذا المعنى، جُعل، على الدوام، من العنف تجسيداً لفكرة الدولة نفسها، ومطهراً دمويّاً ضروريّاً، لتنقيتها من الكفر السياسيّ.
تنظيم شبه كهنوتيّ؟
وفق هذا التصوّر، جمع الترابي، المثقّف الآتي من السوربون، بين صرامة الفقه ودهاء التنظيم، فصاغ فكرة “التمكين” بمعناها العمليّ، ومؤدّاها أن يستولي الإخوان على كلّ ما يشكّل مفهوم الدولة من جيش وأمن واقتصاد، وتعليم وإعلام، حتّى تنعدم سبل التفريق بين شخصيّة الدولة وحدود التنظيم.
نقل الترابي المشروع الإسلاميّ من فكرة تدور حول استعادة النقاء العقديّ في وجه الحداثة الغربيّة، كما كان الحال مع “المودودي” بشكل رئيسيّ وسيّد قطب إلى حدّ بعيد، إلى هندسة الدولة، أي إلى تنظيمٍ قادرٍ على تحويل النصّ إلى نظام حكم.
ملأ الترابي هذه الفجوة، ونجح في توظيف منطق “الاحتراف البيروقراطيّ” لخدمة المطلق الدينيّ، فجعل التنظيم الإخوانيّ جهازاً شبه كهنوتيّ، يُدير المقدّس بأدواتٍ تستعير شكل الإدارة الحديثة، على نحوٍ يُذكّر بملاحظات ماكس فيبر عن “عقلنة” المسيحيّة وتحوُّل الإيمان إلى مؤسّسة.
تفوّق الترابي حتّى على الخميني الذي بنى شرعيّة الدولة على ولاية الفقيه، أي على التفويض الشرعيّ اللاهوتيّ والإلهيّ المستمرّ لفقيهٍ يُمثّل الإمام الغائب، والمُستند إلى النسب الروحيّ والعلم الدينيّ. أمّا الترابي، فبنى شرعيّة الدولة على التمكين التنظيميّ، أي سيطرة جماعة مؤمنة تُعبّر عن “إرادة الله في المجتمع” ولا تستمدّ قداستها من الفقيه.
آمن إخوان السودان، بقيادة فكر حسن الترابي، بأنّ المواطنة تخضع لمفهوم الاصطفاء، الذي يقسم المجتمع بين مؤمنين من أبناء “أمّة دار الإسلام” ورافضين لا مكان لهم في منظومة الحكم، إنّما يتمتّعون بحقوقٍ ومسؤوليّات تقرّرها قواعد الفقه.
وعليه، أفقد هذا التصنيف الأخلاقيّ المغلق، الإنسان السودانيّ قيمته كذات حرّة، وجعل منه مجرّد أداة في معركة خلاص جماعيّ، هدفها تأسيس أمّة الإسلام
كان الإعلام يُشيطن الخصوم، والمدارس تلقّن الأطفال شعارات الحرب، والمجتمع يُعاد تشكيله على أساس “الطاعة قبل الوعي”، ممّا جعل من العنف والقتل فضيلة وواجباً، لتحقيق أعلى مستويات الخضوع، بوصف ذلك من براهين الإيمان.
أمسك تنظيم الإخوان بالسودان في لحظةٍ كانت فيها المنطقة تتقلّب بين انهيار الاتّحاد السوفيتيّ وصعود موجة جديدة من موجات الإسلام السياسي، بدفع من الشراكة بين الاسلاميّين الجهاديّين وأجهزة المخابرات الغربيّة، وقتال الاثنين معاً ضدّ الشيوعيّة في أفغانستان.
أحسن الترابي استثمار هذه اللحظة والفجوة الأيديولوجيّة التي خلّفتها نهاية الحرب الباردة، ليطرح السودان كنموذج إسلاميّ عالميّ بديل، عن “الاشتراكيّة العالميّة” التي كانت تستقطب جزءاً كبيراً من النخب العربيّة والإفريقيّة. فتح البلاد لمعسكرات التدريب، ولجوء الحركات الجهاديّة، واستضافة أسامة بن لادن. في التسعينات، كانت الخرطوم مختبراً للتنظيم الدوليّ للإخوان، ومركزاً لتصدير “المجاهدين” إلى إفريقيا والشرق الأوسط، ولإدارة اقتصاد ظلٍّ يقوم على النفط والذهب والسلاح والتهريب.
مقبرة الدّول
لم تكن الجغرافيا السودانيّة سوى ساحة وظيفيّة في لعبة أكبر. رأت فيه واشنطن وقتها “إسفنجنةً تمتصّ بقايا اليسار العربيّ”. واعتبرته طهران جسراً إلى إفريقيا السنّيّة، ليحصل على أرضه أوّل لقاء بين تنظيم “القاعدة” ممثّلاً ببن لادن و”الحزب” ممثّلاً بعماد مغنيّة. وجعلته أنقرة والدوحة لاحقاً مخزوناً أيديولوجيّاً يمكن استدعاؤه في لحظات التحشيد.
بيد أنّ هذا النموذج نفسه هو الذي جعل من السودان رهينة التوازنات الخارجيّة، التي اتّكأ عليها، حتّى غدا نظاماً يعيش ويستمرّ بالعنف، بوصف العنف ورقته الوحيدة للتفاوض الإقليميّ والدوليّ.
فحين بدأت جرائم دارفور تتسرّب إلى الإعلام الدوليّ في 2003، حوّل النظام القتلة إلى مؤسّسة، لتولد ميليشيا “الدعم السريع” من رحم ميليشيا “الجنجويد”، بقرار رئاسيّ من البشير، ثمّ بقانون رسميّ عام 2017 جعلها قوّة شرعيّة تحت إمرة القائد العامّ. نقلت هذه الخطوة العنف العاري من الأطراف إلى المركز، ومن الحرب الأهليّة إلى بنية الحكم نفسها. اليوم، حين تقاتل “الدعم السريع” الجيش، فالمعركة في جوهرها ليست بين “دولة” و”متمرّدين”، بل بين صيغتين من رحم الإخوانيّة المسلّحة:
الأولى عقائديّة يمثّلها الجيش وحلفاؤه، وثانية ميليشياوية وظيفيّة أقلّ عقائديّة وأكثر عنفاً، بنت شرعيّتها على تمكين نظام الإخوان من دون أن تكون من لدنه الفكريّ في السابق من السنوات حتى وصلت إلى الاستنجاد بإسرائيل تلسحاً وتدريباً والتي وجدت في هذا التدخل فرصة إلغاء لعنوان الدولة الواحدة في السودان.
الآن، وبينما تتكدّس المقابر ويُحاصر الجوع الملايين، عاد الإخوان إلى خطابهم القديم بغية إعادة تعريف المأساة وتبرئة أنفسهم منها.
والحال، يمضي السودان في فصل آخر من فصول العنف الممنهج الذي هيمن على تاريخه الحديث. بيد أنّ ما نشهده ليس انكسار جيش أو تمرّد ميليشيا، بل سقوط السودان كمختبرٍ انهارت فيه آخر الأوهام عن “الدولة الإسلاميّة”.
منذ الترابي حتّى البرهان، ومن “المشروع الحضاريّ” إلى “جهاد الفاشر”، خيط واحد يصل كلّ الأجزاء هو برغم الجزء الأخواني منه أنه المكلّف بالرسالة الإلهية، وفي العنف طقساً من طقوس الإيمان.
قد لا تحمل الحرب الراهنة نهاية مشروع الإخوان في السودان، لكنّها بالتأكيد لحظة تعرية تامّة له في الداخل والخارج مقابل ميليشيا تعتمد أبغض الحرام الإسرائيلي التقسيمي لمواجهة مشروع دولة ولو كانت حصة الإخوان فيها مقرّرة.
المصدر اساس ميديا
