دمشق ـ «القدس العربي»: التقى الرئيس السوري للمرحلة المؤقتة أحمد الشرع، في البيت الأبيض أمس الإثنين، نظيره الأمريكي دونالد ترامب، فيما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تعليق العقوبات المفروضة بموجب «قانون قيصر» على سوريا جزئيا لمدة 180يوما. كما أكد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، براين ماست، أن دمشق ستنضم رسميا إلى التحالف ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
الأولى منذ الاستقلال
وجاء اللقاء خلال زيارة الشرع لأمريكا، وهي الأولى لرئيس سوري منذ استقلال البلاد عام 1946، بعد أيام من شطبه من قائمة واشنطن للإرهاب.
وقبل أيام من الاجتماع، قال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض إن «تقدما كبيرا» تحقق في الملف السوري.
وأضاف «أعتقد أنه (الشرع) يبلي بلاء حسنا. إنها منطقة معقدة وهو رجل قوي، لكنني توافقت معه بشكل جيد جدا».
وبعد لقاء ترامب والشرع في الرياض في مايو/ أيار، أعلن الرئيس الأمريكي أنه سيرفع كل العقوبات المفروضة على سوريا.
لكن أكثر تلك العقوبات قسوة والمعروفة بـ«قانون قيصر» لا يمكن رفعها إلا بقرار من الكونغرس. وأعلن البيت الأبيض ووزارة الخارجية دعمهما صراحة لإلغاء القانون قبل نهاية 2025، إلا أن خبراء يقولون إن إغلاق الحكومة الأمريكية الحالي يمكن أن يؤثر على توقيت الخطوة.
وأعلنت الخزانة الأمريكية، تزامنا مع لقاء ترامب والشرع، تعليق «عقوبات قيصر» المفروضة على سوريا جزئيا لمدة 180 يوما، ماعدا المتعلقة بروسيا وإيران.
وأضافت أن هذه الخطوة تحل محل إعفاء سابق صدر في 23 مايو/ أيار.
ودعا عدد من أعضاء الكونغرس المؤثرين إلى رفع عقوبات «قانون قيصر». ويريد بعض الجمهوريين من أنصار ترامب إبقاء العقوبات سارية، لكن هذا الموقف ربما يتغير إذا مارس ترامب ضغوطا.
وقالت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، إن الشرع عقد اجتماعا مطولا مع عضو في الكونغرس ونجح في تخفيف موقفه المعارض لرفع العقوبات عن دمشق.
ونقلت «الإخبارية السورية» عن عضو التحالف السوري- الأمريكي عبد الحفيظ شرف قوله في بيان، إن الشرع «عقد اجتماعا مطولا مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب (الأمريكي) براين ماست في واشنطن».
ماست: انضمام دمشق رسمياً إلى التحالف ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»
وأضاف شرف أن الاجتماع أدى إلى «تغير مزاج ماست وتخفيف موقفه بشكل كبير، وتحول ماست الذي كان المعطل الرئيسي لإلغاء «قانون قيصر» إلى شبه مؤيد لإلغائه».
وتابع أن ماست كان «منصتا لكلام الشرع، ومعه دفتر ويسجل ما يقوله، واعتبر حديثه كلاما مهما للغاية يجب أن يُسجل». ونقل شرف عن ماست قوله بعد الاجتماع: «حان وقت إحلال السلام وإعطاء سوريا فرصة حقيقية».
وأعرب شرف عن اعتقاده بأنه «لم يعد هناك عوائق أمام إلغاء «قانون قيصر»، وأتمنى أن نبشركم بالإلغاء الكامل له قريبا».
جسور الأمل
وتجمع مواطنون سوريون أمام البيت الأبيض للترحيب بالشرع.
وذكرت وكالة الأنباء السورية «سانا» أنه «ترحيباً بالرئيس أحمد الشرع، أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة الأمريكية يتجمعون أمام مبنى البيت الأبيض في العاصمة واشنطن».
ورفع المشاركون علم سوريا، ولافتات كتب عليها: «مرحبا بالرئيس أحمد الشرع»، و«فخر لكل سوري أول رئيس سوري في البيت الأبيض» و«من دمشق إلى واشنطن جسور من الحوار والأمل».
وتوقف موكب الشرع عند التجمع حيث نزل الرئيس السوري من سيارته وحيا المتجمهرين.
وكان الشرع قد وصل إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، قادماً من البرازيل، بعد مشاركته في أعمال قمة المناخ التي عُقدت يومي السادس والسابع من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري في مدينة بيليم، حيث التقى خلالها عدداً من رؤساء الدول والحكومات وممثلي المنظمات الدولية.
وعن زيارة الشرع، قال رئيس المجلس السوري ـ الأمريكي فاروق بلال لـ «القدس العربي»: رغم عدم وجود جدول أعمال رسمي معلن، فإنّ عددا من القضايا الحساسة مطروح بقوة على الطاولة، في مقدمتها انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، إضافة إلى ملف العقوبات، وموضوع الوجود الإيراني في سوريا وسبل منع تمدده، وكذلك مسألة «قسد» وإمكانية دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
كما سيحضر، وفق بلال، ملف السويداء والاعتداءات الإسرائيلية ضمن النقاشات، نظرا لحساسيتهما وتأثيرهما المباشر على الاستقرار الإقليمي.
وفي سياق الحديث عن مسألة الانضمام إلى «التحالف الدولي» ضد تنظيم «الدولة»، أوضح بلال أنّ هناك عاملين أساسيين يدفعان بهذا الاتجاه، أولا، تعتمد الولايات المتحدة حاليا على قوات «قسد» في مواجهة التنظيم، غير أنّ وجود دولة قائمة في سوريا يجعل واشنطن أكثر ميلا للتعاون مع مؤسسات الدولة نفسها في هذا الملف. وثانيا، وبحكم أن سوريا كانت دولة حاضنة نشأ فيها التنظيم وتمدد، فمن الطبيعي أن تكون طرفا رئيسيا في أي تحالف دولي يسعى إلى مكافحة الإرهاب.
زيارة «تاريخية»
وبالنسبة للنتائج المتوقعة من الزيارة، اعتبر بلال أنّ أهميتها تنبع من كونها زيارة تاريخية، إذ إنها الأولى لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ عقود طويلة، وهو ما يشكل تحولا سياسيا مهما في طبيعة العلاقات السورية ـ الأمريكية.
ومن شأن هذا التحول، حسب تقديره، أن يعيد صياغة العلاقة بين البلدين على أساس الشراكة بدلا من التوتر والابتزاز والعقوبات.
وأضاف أنّ هذه الزيارة تمثل أيضا خطوة جوهرية في مسار الانفتاح السوري على الغرب، حيث ستفتح الباب أمام تعاون أكبر في مجالات مكافحة الإرهاب والحدّ من النفوذ الإيراني. ومن شأن هذه التطورات أن تسهم في رفع العقوبات عن سوريا، وتعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية، بما يمكّن الدولة من معالجة ملفات معقدة في المنطقة، مثل ملف السويداء، والاعتداءات الإسرائيلية، وإدارة خط الفصل بين سوريا وإسرائيل.
ووفق بلال، فإن الحكومة الحالية في دمشق، ومنذ تولّيها السلطة، تعمل بشكل متواصل مع المجتمع الدولي لتنفيذ الشروط اللازمة لرفع العقوبات المفروضة على سوريا.
وطبقا له، معظم تلك العقوبات كانت موجَّهة ضد نظام بشار الأسد بسبب سياساته التي اتسمت بالابتزاز تجاه الدول الإقليمية والغربية، الأمر الذي دفع هذه الدول إلى فرض إجراءات صارمة عليه.
ويضاف إلى ذلك، كما قال، أنّ سوريا صُنّفت في تلك المرحلة دولة راعية للإرهاب، فضلاً عن مسؤولية النظام عن القتل والجرائم والمحاصرة التي طالت المدنيين، إضافة إلى ممارسات التعذيب في السجون، وهي جميعها أسباب تراكمت وأدت إلى فرض حزمة واسعة من العقوبات.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، أكد بلال أنّ الحكومة السورية تعمل اليوم على معالجة مختلف الأسباب التي أدّت إلى فرض العقوبات، وقد وصلت بالفعل إلى المرحلة النهائية من هذا المسار، مشيرا إلى أنّ الرئيس ترامب كان قد ألغى جميع العقوبات المرتبطة بالأوامر التنفيذية السابقة، ولم يبقَ سوى «قانون قيصر» الذي يتطلّب إقراراً من الكونغرس الأمريكي.
وتابع أنّ قرار إلغاء هذا القانون تم اعتماده في مجلس الشيوخ، وهو الآن قيد الدراسة في مجلس النواب، حيث يجري انتظار الحسم بالتزامن مع لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس ترامب.
لقاء موسع
وكان الشرع قد عقد مساء الأحد، اجتماعاً موسّعاً مع الجالية السورية في العاصمة الأمريكية واشنطن، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، والمُوفد الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك.
وأكد الشرع خلال الاجتماع أهمية ارتباط السوريين في الخارج بوطنهم سوريا، ودورهم في نقل الصورة الحقيقية عنها والدفاع عن قضاياها العادلة، منوهاً بجهودهم ومبادراتهم التي تعبّر عن انتمائهم العميق واعتزازهم بوطنهم. في حين ألقى براك مداخلة أشاد فيها بدور الجالية السورية في تعزيز العلاقات بين سوريا والمجتمع الدولي. وأكد حرص الولايات المتحدة على دعم المبادرات التي تُسهّل عودة سوريا إلى المحيطين الإقليمي والدولي.
كما قدّم الشيباني كلمة مقتضبة شكر فيها الجالية على مساهمتها ودورها في دعم الوطن من الخارج، مؤكّداً أن الحكومة تولي المغتربين جلّ الاهتمام وتفتح أبواب التواصل معهم.
وقدم عدد من المشاركين في الاجتماع من أبناء الجالية السورية آراءهم ومواقفهم، حيث ردً عليها الرئيس الشرع بشفافية، معبّراً عن تقديره لمشاركتهم وحرصهم.
في نهاية اللقاء، دعا الشرع الحاضرين إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الحكومة السورية، والتفاعل الإيجابي مع البرامج الوطنية التي أطلقتها الدولة من خلال وزارة الخارجية والمغتربين، مجدّداً الدعوة إلى المزيد من الالتزام والمسؤولية تجاه الوطن.
كما التقى الشرع ممثلي المنظمات السورية الأمريكية، لمتابعة أوضاع السوريين في المهجر وتعزيز التواصل معهم، وأشاد بمساهمات الجالية السورية وممثلي هذه المنظمات في تعزيز الوعي بالقضايا السورية، وتعزيز الانتماء وتعميق الروابط مع الوطن الأم.
الحاجة لجهود أبنائها
وقال خلال لقائه المنظمات السورية في واشنطن: إن «العقوبات في مراحلها الأخيرة، وعلينا متابعة العمل لرفعها»، مؤكداً أن سوريا في حاجة لجهود أبنائها في الداخل والخارج لإعادة إعمارها.
وأصدر ترامب أمراً تنفيذياً، في الـ 30 من حزيران/يونيو الماضي، لإنهاء برنامج العقوبات على سوريا، مع الإبقاء على العقوبات الفردية على المجرم بشار الأسد ومعاونيه ومنتهكي حقوق الإنسان، لتبدأ بعدها خطوات إلغاء «قانون قيصر» بالتصويت عليه في مجلس الشيوخ في الـ 10 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ليصبح اليوم في حاجة إلى تصديق مجلس النواب وتوقيع الرئيس لإلغائه رسمياً.