فرصة تاريخية أمام دمشق لإعادة بناء الداخل ومعالجة الملفات الكرد. والساحل. والسويداء…
يشكّل القرار الأخير الصادر عن الخزانة الأمريكية بتعليق جزء من عقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا تطورًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا، قد يفتح نافذة جديدة أمام دمشق لإعادة صياغة علاقتها مع المجتمع الدولي، والأهم من ذلك، لإصلاح الوضع الداخلي الذي أنهك البلاد خلال السنوات الماضية.
ورغم أن التعليق لا يعني رفع العقوبات بشكل كامل، إلا أنه يحمل مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها في حال استثمرتها الحكومة السورية بجدّية ومسؤولية. فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يرسل إشارة واضحة مفادها أن الانفتاح ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية للإصلاح والانفتاح الداخلي.
اليوم، تمتلك السلطة في دمشق فرصة تاريخية لإطلاق مسار إصلاح حقيقي، يبدأ من معالجة الأزمات المعيشية والاقتصادية المتراكمة، خصوصًا في الساحل السوري الذي شهد خلال الأشهر الأخيرة توترات اجتماعية واقتصادية متزايدة نتيجة الظروف الصعبة.
كما أن تعليق العقوبات يمكن أن يشكل أرضية مناسبة للانفتاح على القوى المحلية، وخصوصًا في منطقتي الشرق والشمال الشرقي عبر التفاهم مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على صيغة تفاهم وطني تحفظ وحدة البلاد وتضمن مشاركة عادلة في إدارة الموارد.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك، ضرورة التعامل بمرونة سياسية وحس وطني مع الحراك الاجتماعي في السويداء، بما يؤدي إلى تفاهمات واقعية تضمن الاستقرار وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. فالتحديات التي تواجه البلاد لم تعد تحتمل المقاربات الأمنية وحدها، بل تتطلب حلولًا سياسية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة.
إن تعليق عقوبات قيصر ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل هو اختبار سياسي للسلطة في دمشق. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة التاريخية لإعادة بناء الداخل السوري على أسس جديدة من الشفافية والمواطنة، أو تضيع الفرصة مجددًا، وتبقى البلاد رهينة الأزمات والانعزالات.
يبقى الأمل أن تدرك القيادة السورية أن اللحظة الراهنة لا تحتمل التردد، وأن العالم مستعد لفتح صفحة جديدة، شرط أن تفتح دمشق باب الإصلاح بصدق وجدية.