قلبت التصريحات الأخيرة لقيادات قوات سوريا الديمقراطية، بعد لقاءات دمشق المرعيّة أميركياً في بدايات تشرين الأول (أكتوبر) 2025 التوقعات، وصار تنفيذ اتفاق 10 آذار (مارس) 2025 بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، أقرب لتفسير قسد منه إلى تفسير حكومة دمشق، خاصةً وأن قيادات دمشق التزموا الصمت حتى الآن ولم يوضحوا ما خَلُصت إليه مفاوضات دمشق الأخيرة.

لقاء دمشق: تغير مسار التفاوض

بعد أشهر من الجمود السياسي الذي تلا توقيع اتفاق 10 آذار، والتوتر الذي شهدته جولات المفاوضات الأخيرة التي أدّت إلى مطالبة قسد بعقد جولات التفاوض اللاحقة خارج دمشق، اجتمع الطرفان في دمشق بتاريخ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2025 بحضورٍ أميركي، بعد تحركاتٍ للدبلوماسية الأميركية خلال الأيام التي سبقت الاجتماع والتي مهدّت لهذا الاختراق. ويبدو أن تاريخ السابع من أكتوبر سيُسهم للمرة الثانية في كتابة تاريخ سوريا، إذ شهد أيضاً إعلان وزير الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية وقفاً شاملاً لإطلاق النار، في إشارة إلى توترات حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب التي سبقت الاجتماع بأيام، ولكن الأهم أن هذا الإعلان  أشار إلى وجود إرادة أميركية، وبالتالي دولية، واضحة لوضع الحرب خلف ظهر الطرفين والمضي قدماً في العملية السياسية.

لكن ما تبع اللقاءات كان مفاجئاً، فقيادات قسد تحدثت عن اتفاق شفهي مع أحمد الشرع يقضي بانضمام قوات سوريا الديمقراطية ككتلة واحدة لوزارة الدفاع السورية، إضافةً إلى انضمام الأمن الداخلي التابع لقسد إلى وزارة الداخلية السورية. بالمقابل، لم يصدر عن السلطة أي تأكيد أو نفي، على الرغم من استمرار تصريحات قيادات قسد التي شاركت في لقاءات تقنية مع دمشق بعد اجتماع السابع من تشرين الأول، أعقبها زيارة وفد أمني حكومي لمدينة الطبقة في ريف الرقة للتنسيق مع قسد.

يعني هذا التطور أن مسار المفاوضات لم يكن وفق رغبات دمشق التي أصرت في الفترة السابقة على تفكيك قسد وانضمام من يرغب من عناصرها بشكل فردي للجيش السوري، ويأتي هذا التغيير في موقف السلطة بعد زيارة الشرع إلى نيويورك والتأكيد على الشروط التي سبق أن تحدّث عنها الأميركيون وفي مقدمتها محاربة الإرهاب، التي، وفق معطيات تقدّم المفاوضات، سيكون لقسد الدور الرئيس فيها، إضافة إلى حديث المبعوث الأميركي عن تغيير حكومي قريب، وكل ذلك بعد أحداث السويداء التي زادت من الضغوط على السلطات السورية.

شرق الفرات: ورقة سياسية متعدّدة الأوجه

ظهر الشرع في الفترة السابقة مصرّاً على عدم التراجع عن مكتسباته ومكتسبات هيئة تحرير الشام في دمشق، لذا عمد إلى فرض الأمر الواقع من خلال الحوار الوطني والإعلان الدستوري واختيار أعضاء مجلس الشعب، ورفض التفاوض على التغيير وحاول كسب الوقت. يبدو أن الشرع اليوم ينظر إلى ملف الجزيرة السورية كورقة تكسبه المزيد من الوقت وتحميه من التنازل عن خطواته التي اتخذها منذ «مؤتمر النصر».

من نافل القول إن الشرع وعبدي لا يملكان كل مفاتيح ما يحصل في الجزيرة السورية، لكنهما يتحركان في هامشهما المتاح من اللاعبين الدوليين. يسعى الشرع إلى استغلال كل الأوراق السياسية في ظلّ هشاشة نظامه أمنيّاً وسياسيّاً، ويبرز ملف «شرق الفرات» في هذا السياق، فالشرع اختبر هذه الورقة في آذار الماضي عندما وقع اتفاقاً مع قسد ساعده في تخفيف الضغوط عليه جرّاء أحداث الساحل السوري، الاتفاق الذي تجاوز بنوده، إذ رسخت الصورة في أذهان الكثيرين بأن الرئيس الانتقالي اعترف عملياً بقسد وقيادتها وتعامل معها كندٍّ له، بخلاف الطريقة التي تعامل بها، ولا يزال، مع هياكل المعارضة السياسية والعسكرية الأُخرى. الآن، وفي ظلّ تزايد المطالب المحلية والدولية بتحسين مسار الانتقال السياسي، فإن التعامل مع قسد يبدو أقل الخيارات كلفة بالنسبة للشرع وسلطته، فالاتفاق معها يبقى بعيداً عن دمشق ولا يُهدد رئاسته وصلاحياته التي أقرها بنفسه.

في المقابل، تُدرك قسد ذلك، وتعرف التوازنات الدولية والإقليمية التي تحول، حتى الآن على الأقل، دون تفكيكها، لذا تعمل على استثمار فرصتها التاريخية حتى آخر لحظة، وترفع سقف مطالبها المُعقّدة أصلاً، فبالإضافة إلى مطلبها الثابت بالانضمام ككتلة واحدة إلى الجيش والأمن السوريين، نراها تُعلن مؤخراً أن انسحابها من محافظتي الرقة ودير الزور غير مطروح على طاولة النقاش، وهو مُعطى جديد يُشير إلى اتجاه مغاير في المفاوضات، بينما كانت أوساط السلطة السورية تؤكد على أن الانسحاب من هاتين المحافظتين «تحصيل حاصل».

الدور الإقليمي والدولي: الشراكة نقطة تقاطع 

تشكّل المحاولات التركية لتعزيز حضورها العسكري في سوريا مؤشراً على أهمية سوريا بالنسبة لها، لكن من متابعة التطورات الميدانية والسياسية، ومنها تصريح وزير الخارجية التركي حول قلق تركيا من التحركات الإسرائيلية داخل سوريا، يُمكن إعادة قراءة أولويات تركيا في سوريا حاليّاً. تخشى تركيا أن تُعزز إسرائيل تمددها في سوريا بصورة تمكّنها فعلاً من التأثير على المصالح التركية في سوريا، ما قد يمنحها أدوات للتأثير في الداخل التركي مع مرور الوقت، لذلك فتركيا تُركز على المفاوضات الجارية بين السلطة الانتقالية في سوريا وإسرائيل برعاية أميركية وعينها على الاتفاق المرتقب وحدود السياج الأمني الذي ستحصل عليه إسرائيل.

لا يخرج الاتفاق بين تركيا وحزب العمال الكردستاني عن هذا السياق، فالحكومة التركية فضّلت التوصل لاتفاق مع زعيم الحزب المعتقل لديها، ألدِّ أعداء تركيا لعقود طويلة، لتجنب استغلال الحزب للتغيرات الجيوسياسية الحاصلة على المستويين الدولي والإقليمي، أو استغلال القوى الإقليمية والدولية المنافسة لتركيا للحزب، ما سيؤثر حكماً على الداخل التركي، لدرجة أن من أعلن الاتفاق هو الحزب القومي الأكثر تشدّداً تجاه الحركة القومية الكردية، وهذا يكشف رغبة الدولة التركية بجيشها وأمنها ومؤسساتها الرئيسية في تهدئة هذه الجبهة.

إن المسار التركيَّ-الكرديَّ في تركيا من جهة، وعلاقة أنقرة وتجربتها الناجحة مع أربيل، التي تشارك بالوساطة بين قسد ودمشق، يُمكن أن يساعدا تركيا على حلحلة عقدة قسد والتوصل لتوافق يحوّل قسد من خطر ماثل على الحدود التركية إلى جماعة يُمكن التفاعل معها، وربما حليف مستقبلي يُساعد تركيا أكثر في مواجهة التغييرات الكبيرة الجارية والمتوقَّع حدوثها في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما يُفسر اللقاءات المباشرة التي عقدت بين مسؤولين أتراك وقيادات في قوات سوريا الديمقراطية.

تُظهر المعطيات السابقة أن تركيا تُركز على مصالحها الأمنية في سوريا قبل أي مصالح أُخرى، فهي تحافظ على مناطق انتشارها العسكري، وتسعى إلى توسيعها لتكون سوريا خط دفاع أمام أيِّ تحدٍّ أمني، لكن ترتيب تلك المصالح يختلف تبعاً لمسار التطورات في المنطقة، ويبدو أن هاجس تركيا الآن يَنصبُّ أكثر على أهداف إسرائيل. وبالتالي فإن السعي التركي للحفاظ على وحدة سوريا كجزء من الحفاظ على أمنها القومي مرهون بحالة قسد والتفاهمات مع الكُرد في تركيا، وكذلك ما ستحصل عليه إسرائيل في سوريا. إن نجحت مساعي الاتفاق مع حزب العمال الكردستاني وتوصلت تركيا لتفاهمٍ ما مع قسد، ونجحت إسرائيل بالمقابل بمنع تركيا من التمدد داخل سوريا وحصلت هي على حرية الحركة في سوريا، فإن أنقرة قد ترى نفسها مجبرة على التراجع والحفاظ على المناطق السورية القريبة منها سواء ضمن سوريا موحدة أم لا.

يبرز الموقف الإسرائيلي الذي يبدو من أكثر الأدوار فاعلية في سوريا، فإسرائيل «لا تريد أن تكون سوريا جنوب لبنان أو غزة جديدة يمكن من خلالها إعادة سيناريو طوفان الأقصى»، وهي بالتالي تريد أن تؤمّن حدودها مع سوريا بشكلٍ «يحول دون خطر مستقبلي» بحسب التوصيفات الإسرائيلية. لذا تُطالب بنزع السلاح جنوب سوريا وضمان حرية حركة قواتها الجوية لمواجهة أي تهديد محتمل، والبقاء عسكرياً في مواقعها في الجولان وجبل الشيخ. إسرائيل هنا ستعمد إلى عرقلة أيّ تحركٍ تركي داخل سوريا يُحتمل أن يقوم، فيما بعد، بدورٍ في سوريا يشبه الدور الإيراني مع حزب الله. في هذا السياق، تُشكل قسد بالنسبة لإسرائيل أيضاً قوّة يمكن الوثوق بها مع وجود حكومة انتقالية غير موثوقة، هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة بين إسرائيل وقسد، لكن يعني أن مصلحة إسرائيل ببقاء قسد قائمة، وهذا يُمثّل أحد الموانع أمام قدرة تركيا على توسيع نفوذها في سوريا بما في ذلك القيام بعمل عسكري واسع ضد قسد، لتكون إسرائيل مانعاً إضافياً غير مباشر أمام تفكيك قسد.

من جهتها، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز الهدوء في سوريا وفق نهج ترامب «السلام من خلال القوة» وذلك لعدة أسباب، أولها، رغبة الولايات المتحدة في تحصين نفوذها في المنطقة عبر توسيع قاعدة حلفائها، في ظلّ تصاعد المنافسة الدولية مع قوى كبرى في مقدمتها الصين، ويُعد الشرق الأوسط ساحة صراع أساسية حيث يضم العديد من نقاط القوة، في مقدمتها المعابر الحيوية التي تلعب دوراً في الصراع الجيوسياسي بين محور الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، ومحور الصين وحلفائها ومنهم إيران من جهة أُخرى. ثاني الأسباب، طلب حلفاء الولايات المتحدة وفي مقدمتهم المملكة السعودية التي تريد كسب مزيد من النفوذ في سوريا لتحقيق مسعاها الاستراتيجي في منع عودة النفوذ الإيراني وإغلاق سوريا كمعبر لتمويل حزب الله (وهو ما يتوافق مع الأهداف الأميركية)، وإرساء موطئ قدم لمواجهة أي خطر قد يُشكّله النفوذان التركي والإسرائيلي في سوريا على مصالح السعودية ودول الخليج. ثالثاً، منع عودة نشاط التنظيمات المتطرفة في سوريا، فتنظيم داعش استعاد بعضاً من مرونته في الأشهر السابقة ونفّذ عمليات دقيقة في مناطق سورية عديدة.

في العلاقة بين دمشق وقسد لا بد من الحديث عن دور فرنسا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، فهي داعم رئيسي لقوات سوريا الديمقراطية، وترى في سوريا فرصةَ تحقّقِ مجموعة أهداف دفعةً واحدة، فهي ساحة لمواجهة النفوذ التركي المتصاعد، والانخراط في الصراع الدولي المحتدم في الشرق الأوسط وعليه، وهو صراع يؤثر عليها بشكل مباشر، كما تُمثّل سوريا ساحةً للتضامن مع حلفائها في الولايات المتحدة والمنطقة العربية في منع عودة إيران والتنظيمات المتطرفة إلى سوريا، والدفع لتحويل سوريا من بلد يُصدّر اللاجئين إلى مكان قابل لاستقبال العائدين من أوروبا.

لتحقيق ذلك، عدّلت الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي من سياستها المتّبعة سابقاً مع دمشق، وأوقفت العقوبات الصارمة لأنها أدركت أن النهج السابق قدّم سوريا مجاناً لخصومهم، على أن سيف العقوبات سيبقى أداة يلوّحون بها في حال فشل نهجهم الجديد.

بعد لقاءات أكتوبر: ما هي سيناريوهات التنفيذ المتوقعة؟

كل ما صدر عن الطرفين المتفاوضين يُشير إلى أن مسار المفاوضات يُركز على الاندماج العسكري والأمني، يليه تفاهمات على عمل المؤسسات المدنية، لكن في حال تحقق الاندماج وفق ما أعلنت عنه قسد، فإن واقع عمل المؤسسات المدنية سيكون تحت مظلة حكومة دمشق رمزياً مع الإبقاء على مؤسسات الإدارة الذاتية وكوادرها على ما هي عليه. لا يُشكل هذا النموذج صعوبة في التفسير في محافظتي الرقة والحسكة، لكن في دير الزور، المحافظة المنقسمة بين قوات دمشق وقسد، فإن تطبيق هذا النموذج يقودنا إلى أحد سيناريوهين:

1- تقسيم دير الزور إلى محافظتين شرقية وغربية تتبعان لدمشق يكون لكل منهما مركز مستقل عن الأخرى، على أن تدير مؤسسات الإدارة الذاتية (التي ستتبع الحكومة في حال حصل الاتفاق) القسم الشرقي من دير الزور، وهو سيناريو مستبعد لأن إعادة تشكيل التقسيم الإداري لسوريا لا يبدو مطروحاً على الطاولة بشكل جدّي في الوقت الحالي.

2- توحيد المحافظة تحت سلطة دمشق، وهو السيناريو الأرجح، على أن تبقى مؤسسات الإدارة الذاتية في مواقعها وتواصل عملها وتُمثّل في مختلف المؤسسات صاحبة القرار على المستوى المحلي لتأمين سير عمل المؤسسات على طرفي النهر. وهذا يعني في المحصلة أن الحكومة السورية ستتواجد رمزياً في دير الزور شرق الفرات، لكنّ ممثلي الإدارة سيتواجدون عمليّاً في المؤسسات الحكومية، وبالتالي فإن الحكومة ستتمكن من بسط سيادتها شرق الفرات، إلا أن ممثلي شرق الفرات هم من سيعبرون النهر.

يبقى سيناريو فشل المفاوضات مطروحاً، فالمصالح المتضاربة داخلياً وإقليميّاً يُمكنها أن تعرقل التقدّم أو تأخّره رغم السعي الأميركي لدفعه قدماً، وهنا سيبقى الحال على ما هو عليه حالياً، وتبقى مناطق الجزيرة السورية بحكم المنفصلة عن دمشق.

تطبيق اتفاق 10 آذار: توحيد أم تفتيت؟

مع مرور الوقت، تظهر رغبة السلطة السورية في تثبيت المسار الانتقالي الذي خطّته للبلاد مع سقوط الأسد، فالرئيس الانتقالي لم يستجب حتى اللحظة لأي دعوة للحوار الموسع، بل على العكس يُصرّ على أن تشكيل المؤسسات الانتقالية «يسير في الطريق الصحيح»، ويُتابع النهج نفسه رغم التحذيرات الدولية والإقليمية من خطورة ما يحصل، وآخر الأمثلة تعيين محمد عمر قديد، المعروف بأبو عبد الرحمن زربة وهو من أبرز المقربين للشرع، رئيساً للجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا، والتضييق المُتصاعد على العمل السياسي والمدني، في الوقت الذي تنتظر فيه البلاد رفعاً للعقوبات وما يُتوقَع أن يرافقها من إقبال للمستثمرين والدعم الدولي والذي يُوجِب، منطقياً، أن تخطو السلطة من أجله خطوات جديّة وسريعة لبناء الثقة مع الجهات الداعمة.

يجد الشرع ضالته في قسد، ويمنحها إلى حدٍّ كبير، على الأقل وفق ما أُعلن، ما تريده، مقابل عدم المساس بمساره الانتقالي، وهذا يعني أننا أمام حالة من ترسيخ نموذج للإدارة الذاتية في الجزيرة السورية من دون الإعلان عن ذلك رسميّاً. أمّا «الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا»، فتجد نفسها تحصل على ما تريد دون تنازلات تُذكر، ودون أن تضطر لإحداث تغييرات على نموذجها الذي لم يُثبت قدرته على إقناع المجتمعات المحلية بأنه البديل المناسب، ولا إمكانيته على مواكبة الاحتياجات والتطلعات السورية بعد الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024.

إذا سارت المفاوضات بهذا الشكل، فإننا أمام إعلان عن لامركزية مُوَسّعة في الجزيرة السورية، من المتوقع أن يتبعها مطالبات في مناطق أُخرى، خاصة في السويداء، في ظلّ مركز هشّ يقوم على حكم الرجل الواحد، يختصر كل سوريا والسوريين في قراراته ورؤيته، ويحتكر الفضاء العام بالأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية، ويمنع العمل السياسي ويختزل الساحة المدنية لمجموعة من الأنشطة الإغاثية، تكون النتيجة أننا لا نسير باتجاه سوريا واحدة، كما يدّعي طرفا العاشر من آذار، فنموذج اللامركزية يستوجب مركزاً قويّاً متماسكاً، أمّا في شكله الحالي، فإننا أمام طريق يتجه نحو تفتيت البلاد بدلاً من توحيدها.

احتمالات فشل الاتفاق: كل الأطراف ترسم طريقاً للعودة!

أثبتت المرحلة السابقة أن لا ثقة بين طرفي اتفاق العاشر من آذار، ليس بسبب الخروقات العسكرية المتكررة فحسب، بل أيضاً لأن الطرفين يملكان مشروعين مختلفين تماماً، كما أن مرجعيتهم الفكرية متناقضة.

تُواصل «الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا» عملها وكأن شيئاً لن يتغير، وهي بذلك تقول أحد أمرين، إما أن الاتفاق المُنتظر لن يُغير كثيراً من عملها وهيكليتها، أو أن ما يحصل هو جزء من كسب الوقت للطرفين استجابة للإرادة الدولية بانتظار تغيّر الظروف لمصلحة أحد الطرفين. بالمقابل، الحكومة الانتقالية لم تعلن رسمياً عن أي خطوة جديدة تجاه قسد، ووفقاً لما قاله بعض القيادات في الإدارة الذاتية، فإن السلطة وافقت ولكن لم توقع رسمياً، وبالتالي فإن الحكومة لديها حسابات أخرى يمكن تلخيصها بالتالي: أولاً، التنسيق مع الحليف التركي الذي، كما ذكرنا، ينظر إلى الجزيرة السورية كقضية أساسية لكنها لا تتجاوز في الأهمية التفاهم السوري مع إسرائيل. ثانياً، انتظار رفع العقوبات ونتائج المفاوضات مع إسرائيل بهدف إعادة إحياء الزخم الدولي الذي انكمش بعد أحداث السويداء. وثالثاً، انتظار تداعيات الحنق الشعبي على قسد بسبب الأوضاع الأمنية والخدمية وكذلك الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها قسد والتي أضرت بعشرات الآلاف، ومن ذلك إغلاق المدارس والجامعات في بعض مناطق الجزيرة السورية وكذلك إغلاق البنوك وعدد من دوائر الدولة.

بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في سوريا لا رجعة إلى الوراء، فدعم شكلٍ من الاستقرار في سوريا أساسي، لكن في حال فشل الاتفاق لأي سبب كان، تبقى قسد في مواقعها وقواتها كحليف في سوريا، هذا الحليف الذي اُختبر خلال سنوات وأثبت إمكاناته في ثلاث مجالات، وهي: الانضباط الكامل، فأسلحة التحالف الدولي التي سُلمت لقسد بقيت تحت السيطرة، كما أن هذه الجماعة المسلّحة لا يمكن أن تتحول إلى جماعة إسلامية متطرفة بأي حالٍ، إضافة إلى كفاءة قسد القتالية خاصة في الصراعات مع جهات محترفة كالتنظيمات الجهادية.

كما أنّ الداعمين المباشرين وغير المباشرين لقوات سوريا الديمقراطية لم يأمَنوا بعد جهة السلطة الحالية نظراً لإرثها الجهادي أولاً، وسلوكها السلطوي والدموي ثانياً، وبالتالي فإنّ مساراً ينتهي بتفكيك الحليف الأساسي في سوريا وتسليم أسلحته لمجموعة فصائل من المرجح أنها ستَستَخدم السلاح في غير المكان الذي يرغب به أصحاب هذا السلاح، لن يكون له نصيب من النجاح. لذا نجد الولايات المتحدة وفرنسا تذكّران حكومة الشرع في كل مرّة بضرورة «التفاوض والشراكة».

هل فعلاً نحن على طريق الاستقرار؟

إن استعادة سوريا لعافيتها ليس عسيراً بسبب الدمار والحصار الاقتصادي فحسب، بل ثمة عوامل محلية وإقليمية تُشكل كُبرى التحديات. فإسرائيل، على سبيل المثال، ليس من صالحها بناء سوريا كدولة قويّة ومتماسكة، كما أن التنافس الإقليمي سواء بين تركيا ودول الخليج مع إسرائيل، أو بين تركيا ودول الخليج، أو بين دول الخليج نفسها لا يمكن تجاهله، فمصالح تلك الأطراف متضاربة، والشاهد الحاضر على ذلك ما يحصل في السودان وليبيا واليمن، والتي تزداد الأوضاع فيها تأزماً عكس ما أوحى إليه التقارب الدبلوماسي مؤخراً بين تلك الدول، وسوريا سيكون لها نصيبٌ من هذا التوتر عاجلاً أم آجلاً.

على الصعيد المحلي، فإن الاتفاقات المتفرّقة في الجزيرة السورية والجنوب بعيداً عن أي حوار سوري شامل لن ينعكس استقراراً طويل الأمد، وهي اتفاقات قابلة للنكوص مع أي تغيّر في الظروف المحلية أو الدولية، وهو ما تدركه كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.

إذاً، تنفيذ اتفاق 10 آذار بالطريقة الحالية، من دون رؤية سوريّة شاملة تقوم على تقاطعات مختلف الجماعات السورية، خاصةً ما يتعلق بهوية الدولة ونظام حكمها والمبادئ الدستورية وشكل الدولة، لن يكون قادراً على الصمود، وهو أمام احتمالين، إما التراجع عنه من الطرفين، أو أن يُشكل فاتحة تحوّلِ سوريا إلى شكلٍ جديد مشوّه لا يشبه إلا الدول الفاشلة.

إن تنفيذ اتفاق العاشر من آذار مهمٌّ لتجنّب أي تصعيد عسكري يؤثر على المدنيين السوريين، على أن يكون بدايةً لشراكة سوريّة متعددة الأطراف، وألا يكون قرباناً يُقدمه الطرفان كأقصى ما يُمكن إنجازه. وهذا يقتضي إجراء تغييرات على مستوى المركز، وهنا من الواجب الدعوة لطاولة مستديرة تضم السلطة وأطراف عسكرية ومدنية وسياسية مؤثرة تنتهي بتشكيل حكومة تملك صلاحياتٍ كاملة، وتشكيل غرفة ثانية لمجلس الشعب الحالي منفصلة عن السلطة التنفيذية، للتحضير لقانونَي أحزاب وانتخابات، وإجراء انتخابات برلمانية ومحلية بعد سنة ونصف، ورئاسية بعد ثلاث سنوات. وأن تعمد الحكومة الجديدة إلى الموازنة بين المصالح الإقليمية وعدم التماهي معها بما يُضر بمصالح سوريا، وتوسيع الحوار الوطني السوري حول الهوية وشكل الدولة والعيش المشترك.