“مشكلتي أنني لم أعد أستطيع أن أكتب وأقرأ. الحياة كلّها لا تعنيني؛ ما يهمّني أن أظل أكتب وأقرأ”. بهذه الكلمات توجّه الراحل إسكندر حبش إلى الخوري الذي زاره قبل أيام من رحيله بأيام. فما كان يؤلمه أكثر من المرض: انقطاعه عن الكتابة والقراءة؛ يقول لزوجته شيرين موسى “أنا بلا كتب أموت”. وقبل أيام من رحيله هاتفتُه وسألتُه عن سبب انقطاعه عن إرسال مادته الأسبوعية لموقع “ضفة ثالثة”، أجابني متأثرًا: “لا أستطيع أن أمسك قلمًا يا دارين، لا أستطيع أن أكتب ولا أن أقرأ”.
هذا الألم كان آخر ما عبّر عنه إسكندر، وهو الذي كتب أكثر من مائة كتاب خلال حياته، لكنه أيضًا عاش ككاتب بروحه وبإنسانيته وتخلّيه عن الحياة ومغرياتها وفرصها والعلاقات التافهة التي تحكم الجو الثقافي. بنى مكتبته على مدى خمسين عامًا، كتابًا فوق كتاب، لتحتوي عشرات الآلاف من الكتب، وكانت أمنيته أن تستفيد منها قرى الجنوب اللبناني الحدودية، وكل من ليس لديه القدرة للوصول إلى كتب يمكن أن تمنحه معنى جديدًا وأفقًا آخر لحياته. اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان ودُمّرت القرى الحدودية بشكل شبه كامل، ولأن فلسطين كانت وجهته حتى آخر نفس، أعلنت زوجته الإعلامية شيرين موسى خلال أمسية ثقافية، نظمتها أكاديمية دار الثقافة في مخيّم مار الياس ببيروت تكريمًا لحبش في ذكرى أسبوع على رحيله، عن التبرّع بكامل المكتبة إلى الأكاديمية حيث سيتم إنشاء قاعة مكتبة تحمل اسمه وذلك لخدمة المخيمات الفلسطينية في لبنان. وقد جرى هذا الحديث الودي بيننا وبين زوجته شيرين موسى عن هذا القرار وعن المكتبة والكتب في حياة الراحل.
| إسكندر حبش وشيرين موسى |
(*) ما الدافع وراء اختيار المخيّم الفلسطيني تحديدًا للتبرّع بمكتبة الشاعر؟ كيف اتُخذ هذا القرار؟
كان إسكندر يقول لي دائمًا إنه عند وفاته يريد أن يتبرّع بهذه المكتبة الكبيرة التي يملكها للقرى الحدودية. وكان هذا الحديث قديمًا قبل مرضه.
قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، افتُتح مركز ثقافي في بلدة عيترون الحدودية، فقال لي إنه يريد أن ينقل جزءًا كبيرًا من مكتبته، إلى عيترون. وناقش الأمر مع صديق من آل حجازي من البلدة، واتفقا على طريقة لإرسال الكتب، ثم اندلعت الحرب ودُمّرت عيترون.
سألته في المدة الأخيرة من مرضه: هل ما زلت ترغب في التبرع بالمكتبة؟ فقال: نعم. قلت له: لمن؟ الآن لم تعد هناك قرى حدودية. أجابني: لا أعرف، ولكنّي أريد أن أتبرّع بالمكتبة. سألته: ألست محدِّدًا جهة ما؟ أجاب: لا.
وسألته عن كتبه غير المنشورة، ماذا يريد أن يفعل بها؟ هل يريدني أن أنشرها؟ فقال: نعم، أنتِ حرّة التصرّف بها. سألته إن كان قد رتّبها في مكان؟ فقال: نعم. قلت له: أين هي؟ فقال: لاحقًا، لاحقًا. لم يكن يتحدث دائمًا؛ هذان السؤالان اللذان كانا مرتبطين بكتبه غير المنشورة ومكتبته، كان جوابهما دائمًا: لاحقًا، لاحقًا. ربما كانت مزاجية إسكندر، وربما كان هروبًا من السؤال ومن الإجابة، لأن ذلك بالنسبة له إقرار بأنه ذاهب إلى الموت. لذلك كان دائمًا يهرب من الجواب.
قبل ثمانية أيام من وفاته، قبل دخوله في حالة الغيبوبة وعدم قدرته على الكلام، اتصلتُ بأخيه المحامي، وقلت له إن إسكندر لم يعد قادرًا على الكلام، وطلبت منه أن يسأله عن هذه التفاصيل: أن يحدّد جهة نتبرّع لها بالمكتبة، أو إن كان لديه وصية يريد أن يقولها. فجاء أخوه وجلس معه، لكن إسكندر لم يستطع الكلام، قال له: تعبان لا أستطيع الكلام. ولم يتكلم. ورحل إسكندر من دون أن يتكلم. لم يقل لمن يريد التبرع بالمكتبة.
وبحكم معرفتي به على الأقل، وأنا أعرف إسكندر منذ أربع عشرة سنة، بين حب وزواج، أستطيع القول إن إسكندر يحب هذه المكتبة كثيرًا. وبما أنه لم تعد هناك قرى حدودية ولا مراكز ثقافية فيها بعد التدمير الإسرائيلي لها، أستطيع أن أقول إن إسكندر يفضّل أن يذهب هذا الإرث الضخم، إلى جهة تستفيد منها، وإلى أشخاص يحبهم؛ من جهة كانت فلسطين بالنسبة إليه القلب، والشباب في المخيم الفلسطيني كانوا دائمًا يقصدونه وينظمون ندوات له ويتناقشون معه. تحدثت مع أخيه عن التبرّع بها للمخيمات الفلسطينية، وقال إن هذا رأيه أيضًا.
كان هناك خيار آخر: وزارة الثقافة قالت إن بإمكانها أخذ كتب إسكندر كتبرّع، وستطبع على الكتب أنها تبرّع، لكن لن يُنشأ لها قاعة ولا جناح خاص، بل ستُنقل إلى المستودعات، وعندما تُطلب الكتب تُخرج فقط. فقلت لأخيه إن هناك هذين الخيارين، لكنني أميل إلى خيار الجبهة الشعبية والمخيّمات، فقال إنه أيضًا معي، لأن إسكندر لو كان موجودًا لكان هذا هو خياره. وهكذا تم الأمر.
| قال للخوري قبل ايام من وفاته: مشكلتي أنني لم أعد أستطيع أن أكتب وأقرأ. الحياة كلّها لا تعنيني؛ ما يهمّني أن أظل أكتب وأقرأ |
وقبل أيام، في ذكرى مرور سبعة أيام على وفاة إسكندر، أقامت دار أكاديمية الثقافة في مخيّم مار الياس أمسية تكريمية له، وأعلنّا عن هذا الموضوع، وكانوا هم شديدي الترحيب، وفرحوا كثيرًا، وأعلنوا عن الانطلاق في إنشاء قاعة مخصصة في الأكاديمية باسم إسكندر، ومن هناك توزّع الكتب على جميع مكتبات المخيمات الفلسطينية. على الأقل كي نقول للناس الذين لديهم فكرة عن المخيمات بأنها مرتع للمخدرات أو للإرهاب: لا، قد يكون ذلك موجودًا، ولكن هناك جانب آخر لا يشاهده الناس، وهو أن هناك شبابًا كثيرين مهتمين بالثقافة، ويهمهم أن يتابعوا ويعرفوا، وقد لا تكون لديهم القدرة للوصول إلى الكتب. إسكندر يقدّم لهؤلاء الشباب أسهل الطرق للوصول إلى الكتب التي قد يحتاجها أي شاب. المكتبة كبيرة جدًا، وأعتقد أن عشرات الآلاف من الشباب سيستفيدون منها. وأتمنى من كل قلبي أن كل من يزور هذه المكتبة يتذكر أن إسكندر قدّم هذا الشيء لأنه أحب أن يقدّمه. ورغم أنه لم يقل ذلك صراحة، لكنني على يقين كبير أن هذا الأمر سيُريحه وأنه سيكون سعيدًا به.
(*) كان للراحل موقف ثابت مع فلسطين والمقاومة، وفي أحد حواراتي معه قال لي: أنا فلسطيني لبناني سوري. كيف ترين انعكاس ذلك عليه كإنسان وككاتب؟
هناك إشكالية يتداولها الناس دائمًا، وهي أن إسكندر فقط فلسطيني. إسكندر لبناني فلسطيني. جنسيته لبنانية، ويحمل من أهله الجنسية الفلسطينية، وإن لم يحمل الهوية الفلسطينية. أو جواز السفر الفلسطيني، لكنه يملك جواز السفر والهوية اللبنانيين. أما الانتماء إلى فلسطين، فهو موجود من خلال الجذور الموجودة في العائلة، رغم عدم وجود الوثيقة التي تثبت ذلك، لكن هذا الانتماء ما زال قائمًا. وظل إسكندر حتى آخر لحظة متمسكًا بكل مواقفه، رغم أن آلاف الكتّاب غيّروا مواقفهم تجاه فلسطين. وأنا أفتخر به فعلًا، إسكندر ظلّ حتى آخر لحظة على نفس الموقف. وكنت أقول له: يا إسكندر “نريد أن نعيش، كفى حروبًا”، فكان يجيبني: “لا، لا أستطيع”. وظل حتى اللحظة الأخيرة كما هو، ورحل من دون أن يتنازل أو يُباع أو يُشترى.
| زوايا من مكتبة حبش |
(*) مكتبة إسكندر تضم عشرات الآلاف من الكتب، وتشغل مساحة كبيرة من البيت ومكانًا مهمًا في حياته. ماذا كان يعني وجودها له ولك؟
لقد تمّ نقل المكتبة أكثر من أربع أو خمس مرات؛ كانت في البداية في منطقة الرملة البيضاء، ثم نُقلت إلى برجا، ثم من برجا إلى جدرا، ثم من جدرا إلى الحمرا، وهي موجودة حاليًا في الحمرا. إسكندر شخص قليل المراء. في كل عملية نقل كنا نحن من ننقلها، وكنت أتعب معه في مسألة ترتيب المكتبة، لأنني أحب الترتيب كثيرًا، أحب كل شيء منظّمًا، بينما إسكندر لم يكن هذا الأمر يعنيه، فكان دائمًا هذا موضوعًا للنقاش بيننا، إن صح التعبير.
آخر مكان استقرّت فيه المكتبة هو هذا البيت في الحمرا، وقد رتّبتُ المكتبة كلّها بكثير من الحب، لكن مع الوقت، ومع بداية مرضه، وحتى قبل مرضه، بنحو خمسة أو ستة أشهر، كانت الكتب الجديدة تصل باستمرار؛ فكما تعلمين دور النشر ترسل كتبًا جديدة للكتّاب والقرّاء والصحافيين والشعراء، فكانت المكتبة تزداد وتزداد وتزداد، وكل شيء يتكدّس: كتب فوق كتب، وكراتين فوق كراتين، وكتب مرمية هنا وهناك. أنا أسمّيها “مغارة علي بابا”.
“يوم 15/12/2025، ستكون هناك فعالية في مبنى “السفير” في الطابق الأول لتخليد ذكرى إسكندر، اسم المعرض “ذاكرة إسكندر حبش”؛ يتضمّن كل الصور التي تجمعه مع كل من عرفهم في حياته، ويتضمن لوحات له” |
إسكندر كان كذلك؛ شخص إذا جلس أمام طاولة الكمبيوتر تجدين آلاف الأشياء حوله، ولا تُهمّه. هذه طبيعته، ولن أجمّل الصورة الآن لأقول غير ذلك. لم يكن يعنيه هذا الأمر، يدخل إلى المكتبة ويمشي بين الكتب الملقاة على الأرض، والكراتين الممتدّة على الأرض، وآلاف القصاصات المنتشرة، ويمشي ويصل إلى ما يريده. جاء المرض، وكان كثيرًا ما يقول: أريد أن أرتّب المكتبة. وكانت لديه الرغبة فعلًا، لكن بسبب المرض لم يستطع أن يفعل شيئًا. وفي الفترات القصيرة بين العلاجات، حاول أن يدخل ويرتّب شيئًا، لكنه لم يقدر، لأنه كان يحبها كثيرًا.
بين انتقال وآخر كانت المكتبة تحتاج إلى شاحنتين لنقلها لكبر حجمها. صدقًا، أثاث المنزل بكامله يحتاج إلى شاحنة، والمكتبة تحتاج إلى شاحنتين. رغم أنني كنت أحيانًا أقول له: الكثير من الكتب، أليس هذا بكثير!
يقول لي: “أنا بلا كتب أموت”.
أريد أن أقول شيئًا للمرة الأولى: يوم الأحد الذي سبق الخميس، أي قبل وفاته في الثلاثين من الشهر، جاء الخوري ليُناوله في البيت. قال له إسكندر: أنا ليس لدي مشكلة أن أبقى في السرير هكذا، لكن مشكلتي أنني لم أعد أستطيع أن أكتب وأقرأ. الحياة كلّها لا تعنيني؛ ما يهمّني أن أظل أكتب وأقرأ. هذا الكلام قاله حرفيًّا. ما آلمه آخر أيام حياته عدم قدرته على الكتابة والقراءة.
(*) هل تكتشفين يومًا بعد يوم ميزات جديدة في إسكندر؟
نعم، منذ وفاته وأنا أكتشف جوانب لم أكن أعرفها، وللأسف الشديد كنت أتمنى لو عرفتها قبل. هذا الهدوء الذي يتحدث عنه الجميع، هذا السلام الذي يخيّم في علاقته مع أي شخص. كنت أتعلم منه أنه شخص مسالم. وكنت دائمًا أقول له: فلان قال عنك كذا، لماذا لا تردّ؟ فيرفع يده ويقول لي: “انسي”.
كم من الناس آذوه، وكم من الناس أوجعوه، وكان يدير ظهره ويقول لي: “انسي، انسي”. الآن أفكر: إسكندر كان يعيش وحده على الأرض، ويمشي وحده، ولا أحد حوله.
وكانت لديه ميزة أخرى: احترام الكتّاب الذين يرسلون له المقالات للنشر بعد استلامه رئاسة القسم الثقافي في جريدة “السفير”؛ لا يؤخّرهم، ويتجاوب معهم فورًا. وقد قال لكِ في الحوار بينكما إنه عندما نشر للمرة الأولى، تم استقبال نصّه بالطريقة نفسها؛ فقد ذهب إلى جريدة “السفير” في عام 1984 وسلّم قصيدة كتبها لرئيس القسم الثقافي حينها محمد علي فرحات، فنشرها له بعد يومين. في ذلك الزمن، كان نشر قصيدة في جريدة أمرًا في غاية الأهمية، وعندما نُشرت قصيدته كان عرسًا بالنسبة إليه. إسكندر عامل الآخرين بالطريقة نفسها؛ كان يضع نفسه مكان أي كاتب يحاول أن يساعدهم، ويتصرّف على هذا الأساس.
(*) هل كانت لديه أحلام قبل وفاته، تتعلق بالكتابة أو بأي أمر في الحياة؟
آخر سنة نشر الكثير من الكتب مع دار دلمون، وكنت دائمًا أقول له: أليس كثيرًا كل شهر كتاب، يجيبني: ما عاد عندي وقت. عندي الكثير وأريد أن أُخرج كل شيء كتبته.
(*) في الختام، ماذا تودين أن تقولي لمحبّي إسكندر؟
أريد أن أقول إنني تبرّعت بالمكتبة بناءً على رغبته، وحدّدت الجهة، لكنني كل يوم أدخل إلى المكتبة، أنظر إليها، أتجوّل فيها ـ رغم أن لا مجال للتجوّل أصلًا لكثرة الكتب ـ أقف وأتأمّل، وأبكي. وأقول إن الشيء الوحيد الذي يواسيني هو أن هذا كله سيذهب إلى مكان سأذهب إليه يومًا ما، وأجد اسم إسكندر حبش موجودًا، وسيظل اسمه حاضرًا حتى لو تركت هذا المكان الذي خَلّد الكثير من الأشياء. هذا البيت خَلّد الكثير، وسأتركه؛ لن أستطيع البقاء فيه. لكن يعزّيني أن المسافة قصيرة جدًا بيني وبين مخيم مار الياس، حيث سأدخل إلى مكتبة إسكندر، وأرى اسمه هناك في القاعة.
وأود أن أذكر أنه في يوم الخامس عشر من الشهر المقبل، كانون الأول/ ديسمبر، ستكون هناك فعالية في مبنى “السفير” في الطابق الأول لتخليد ذكرى إسكندر، اسم المعرض “ذاكرة إسكندر حبش”. يتضمّن كل الصور التي تجمع إسكندر مع كل من عرفهم في حياته، ويتضمن لوحات له، لأنه كان رسامًا أيضًا، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون عنه، ويتضمن تكريماته كلها، وجناحًا كاملًا لهوايته في الحياة وهي جمع الغلايين، كما يتضمن كتبه الأخيرة لمن يحب أن يحصل عليها.
المصدر ضفة ثالثة