
-
-
1. Anti-nuclear Protest in Post-Fukushima Tokyo: Power Struggles Routledge
-
عندما اندلعت المظاهرات في جاكرتا صيف 2025، لم يكن رفع راية One Piece تفصيلة أو نكتة بصرية عابرة، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية في المشهد الاحتجاجي. علمٌ كرتوني، بسيط في رسمه، يحمل جمجمة وقبعة قش، صار فجأة صورة قادرة على تلخيص غضب الآلاف، وتكثيفه في رمز واحد مألوف عالمياً وسهل الانتشار عبر الشارع ومنصات التواصل. ما جعل المشهد أكثر قوة أنّ هذا الرمز لم يأتِ من حزب سياسي ولا من حركة تقليدية، بل من عملٍ خيالي ينتمي إلى عالم الأنمي. وهنا تكمن المفارقة: أنّ السلطة واجهت صورة مرسومة كما لو كانت تهديداً أمنياً.
البداية جاءت من سائقي الشاحنات الغاضبين على لوائح الحمولة الجديدة (ODOL)، الذين رفعوا العلم كتعبير عن تمردهم على الظلم الاقتصادي. لكن سرعان ما تجاوزت الراية ساحة الشاحنات إلى الجامعات ومحيط البرلمان، وانتشرت في صور المظاهرات التي تناقلتها وكالات عالمية مثل رويترز ووسائل إعلام إندونيسية. رد الفعل الرسمي زاد الرمزية اشتعالاً: فقد صادرت الشرطة أعلاماً ووصفتها جهات حكومية بأنها تهديد للوحدة الوطنية، بينما وثّقت أمنستي إندونيسيا حالات اعتقال وملاحقة مرتبطة برفعها. ومن المفارقات التي تحدثت عنها الصحافة الإندونيسية هي أنّ السلطة تعاملت مع علم كرتوني بجدية تفوق تعاملها مع شعارات أحزاب معارضة تقليدية، الأمر الذي زاد من جاذبية الرمز ووسع دائرة تداوله، متحوّلاً إلى صورة بصرية مكثّفة تختصر الغضب الشعبي في رمز واحد. هذا الرمز الكرتوني استقبله الشارع بوصفه لغة جديدة للتمرّد، قادرة على الجمع بين السخرية والقوة، كما في منطق الكرنفال عند باختين: انقلاب التراتبيات، سقوط الرسمي في مواجهة الهزلي، ومنح الشرعية لمن يُفترض أن يكونوا «خارجين عن القانون».
One Piece هو أحد أكثر أعمال المانغا والأنمي شعبية اليوم، وأدى نجاحه لصناعة نسخة حيّة منه من إنتاج نيتفلكس، نجحت بدورها، لكن الشعبية العالية ليست هي فقط ما تضع علم القراصنة الخاص بأبطال العمل في سياق احتجاجي، إنما كيف يكون القرصان، المخالف للقانون، رمزاً للحرية. في ون بيس هناك سلطة مركزية تُسمّى حكومة العالم، تحكم عبر جيشها الضخم (المارينز) وأجهزتها السرية (السايفر بول)، وتفرض رقابة شديدة على التاريخ والمعرفة. الحكومة العالمية قوّة قمعية تحتكر الشرعية وتُعيد إنتاجها عبر العنف الرمزي والمادي. في مواجهة هذه السلطة يظهر القراصنة كرمز بديل، ففي عدم شرعية أعمالهم الباحثة عن كنوز، تتبدى الحرية، ومواجهة قمع سلطة العالم المركزية.
غير أن One Piece ليس عمل الأنمي الوحيد الذي يتحدث عن الحرية، في الحقيقة، الحرية ليست من ركائزه تماماً، على العكس من أعمال شعبية أخرى حصدت نجاحاً واسعاً وتمتلك قدرة إسقاطات أكبر على الواقع مثل Attack on Titan أو Vinland Saga. على العكس من جديتهما، One Piece هزلي، غروتسكي، ومرح بشكل تهريجي.
الغروتيسك عند ميخائيل باختين هو لغة كرنفالية تقلب التراتبيات وتجمع بين المتناقضات: الموت والحياة، السخرية والجد، العالي والوضيع. وهذا بالضبط ما نجده في ون بيس: أجساد مطاطية بلا حدود، ضحكات صاخبة في مواجهة الخطر، قراصنة يتحولون إلى رموز للحرية، فيما تبدو حكومة العالم الرسمية باردة أو فاسدة أو مثيرة للضحك. هكذا يُصبح الأنمي نفسه فضاءً كرنفالياً، يجعل من رفع علمه في الشارع لحظة قلب للنظام، حيث يُتوّج المهمشون رمزاً شعبياً ويخلعون شرعية السلطة.هذا ما يوجد في عالم One Piece، رفع علم القراصنة، ذا الشكل الهزلي غير المرعب، هو مثل إظهار المؤخرة في وجه السلطة، ويبدو أن السلطات الإندونيسية تلقت هذه الفكرة جيداً.
انتشر علم القراصنة ليدخل في تصميمات الغرافيك الداعمة لسفن رفع الحصار عن غزة؛ تداول ناشطون ملصقات تُظهر سفينة القشّ بألوان العلم الفلسطيني، مصحوبة بعبارة «لا يمكن إغراق المبادئ». بهذا المعنى، صار العلم رمزاً يربط بين نضال عمال الشاحنات الإندونيسيين وقضية الحصار في الشرق الأوسط. إنه انتقال سريع للرموز عبر الفضاء الرقمي، حيث تتجاوز الصور حدود الجغرافيا وتُعيد صياغة معنى التضامن.
لم يكن One Piece هو الظهور الأول للأنمي في ساحات الاحتجاج، ففي هونغ كونغ، استخدم المحتجون صور بيكاتشو وويني ذا بوه، وففي احتجاجات تايلاند عام 2020، استعان الطلاب بأغنية الأنمي الياباني هامتارو (Hamtaro)، إذ غنّوا لحنها الأصلي لكن بدّلوا الكلمات للسخرية من الفساد الحكومي، وركضوا حول «نصب الديمقراطية» في بانكوك مثل هامستر في عجلة، في فعل احتجاجي كرنفالي صريح. مثل هذه الأمثلة توضّح أن الرموز البصرية والكرتونية لم تعد استثناءً، بل صارت جزءاً من «القاموس البصري» للاحتجاج العالمي، حيث لم تعد الصورة مُكملاً للبيان السياسي، بل أصبحت هي البيان ذاته: تختصر، تكثّف، وتفتح أفقاً تخييليّاً يُعيد صياغة علاقة الناس بالسلطة. واحدة من المحتجين قالت أنها تعلم أن الجيل الأكبر قد لا يأخذهم محمل الجد وهم يحملون شخصية همستر كرتونية، لكنها لغة جيلهم، ويفعلونها بشكل مختلف على أمل التغيير بدلاً من الطرق التقليدية.
وفي تركيا انتشر مقطع فيديو لمحتج يهرب من الشرطة مرتدياً زي بيكاتشو في مشهد هزلي، يضع السلطة في موقع مجنون يلاحق شخصية كرتونية.
لماذا الأنمي؟
يمتلك الأنمي لغة بصرية وفكرية مرنة، قادرة على العبور من سياق إلى آخر. يُوضح الباحث الياباني كويتشي إوابوتشي في كتابه Recentering Globalization أنّ جزءاً من قوة الثقافة الشعبية اليابانية ينبع من ما يسميه «انعدام الرائحة الثقافية» (cultural odorlessness)، أي غياب العلامات المحلية الثقيلة التي تجعل العمل الفني مُقيداً بسياق قومي مُحدد. شخصيات مثل «كابتن أميركا» ترتبط مباشرة بالهوية الوطنية الأميركية، مما يُصعّب استخدامها، بينما شخصيات الأنمي تُقرأ كصور مفتوحة قابلة لإعادة التوطين من دون مقاومة ثقافية كبيرة.
كما ترى سوزان نابيير في Anime from Akira to Howl’s Moving Castle أنّ الأنمي يعمل كمستودع تخيلي مرن: شخصياته وعوالمه قابلة لإعادة الشحن بالمعاني الأخلاقية والسياسية. هذا ما يجعل شخصية «لوفي» مثلاً – القرصان الخارج عن القانون في ون بيس – تتحول في جاكرتا إلى رمز للحرية والتمرّد ضد الدولة.
احتجاجات فوكوشيما كلحظة تأسيسية
لفهم كيف صار الأنمي جزءاً من لغة الاحتجاج العالمية، لا بدّ من العودة إلى موطن الأنمي نفسه، في اليابان. بعد كارثة فوكوشيما النووية عام 2011، خرج عشرات الآلاف حينها إلى الشوارع بشكل غير مألوف: موسيقى صاخبة، أزياء ملوّنة، وشخصيات كرتونية تتصدر المسيرات. من أبرز هذه الرموز شخصية مونجو-كون (Monju-kun)، دمية كرتونية صُممت للسخرية من مفاعل «مونجو» النووي. مظهرها الطفولي البريء كان يُخفي هجاءً لاذعاً لمؤسسة رسمية، فتحولت بسرعة إلى أيقونة احتجاجية يسهل تداولها.
هذا المزج بين اللعب والسياسة وصفه باحثون مثل ألكسندر براون الذي تناول الظاهرة في كتابه 1 : بأنه «بنية جمالية مميزة»؛ فالاحتجاجات لم تكن فقط خطاباً عقلانياً ضد الطاقة النووية، بل تجربة حسية واحتفالية جمعت الناس حول صور وأغانٍ قريبة منهم. ومن زاوية أخرى، يتسق مع ما يصفه لورنس بوغاد (L. M. Bogad) بـ «اللعب الجاد»: حيث يُصبح المزاح والأداء الهزلي تكتيكاً سياسياً مقصوداً، يُخفف من وطأة الخوف ويُتيح لجماهير أوسع المشاركة، فالكوميديا والأزياء الغريبة جعلت الخوف من التلوث النووي قضية علنية قابلة للنقاش، وحولت القلق الفردي إلى ذاكرة جماعية تشاركية.
يَعتبرُ باختين أن الكرنفال لحظة انقلاب تُسقَط فيها الهيبة ويُحتفى بالهامش. جسد مونجو-كون الكرتوني لم يكن مجرد تميمة، بل تجسيداً للغروتيسك الباختيني: جسد مشوّه يضحك وهو يكشف عجز السلطة. ويُمكن أيضاً فهم جمالية الكوايي kawaii (المُحبّب واللطيف)، كما شرحتها الباحثة في الثقافة اليابانية المعاصرة شارون كينسيلا، بأنها ليست بريئة تماماً، بل أداة تفاوض مع السلطة تُستخدم أحياناً في خدمة النظام وأحياناً ضده. لكن في السياق الاحتجاجي، امتلك المحتجون علم قراصنة قبعة القش، الغروتسكي، غير الكاوايي، المختلف عن هيلو كيتي ودورايمون. ليذهب بهذا إلى منطق كرنفالي يقلب التراتبيات ويُعيد توزيع المعنى. فيه يُسمح بالضحك في وجه السلطة، ويُحتفى بالجسد الغروتيسكي الذي يكسر القواعد. وهذا بالضبط ما يُقدمه ون بيس: وجوه مبالغ فيها، أجساد تتمدد وتتجاوز المنطق، ضحكات صاخبة في مواجهة الموت، وقراصنة يتحولون إلى حماة العدالة. إنّ رفع علمهم في الشارع يعني استدعاء هذا العالم المقلوب إلى الواقع وتحويله إلى خطاب احتجاجي ينزع الهيبة عن الدولة.
بهذا المعنى، لم تكن فوكوشيما حدثاً محلياً فحسب، بل لحظة تأسيسية كرنفالية رسّخت إمكانية تسييس الأنمي والرسوم الكرتونية. لقد أثبتت أنّ الغروتيسك واللعب الجادّ قادران على حمل احتجاج عميق، وفتحت الطريق لأن نرى لاحقاً أعلام ون بيس أو شخصيات بيكاتشو تتحول إلى رموز سياسية في شوارع بعيدة، من جاكرتا إلى إسطنبول.
في الكرنفال لا يكون الجسد جسداً فردياً فحسب، بل جسداً جماعياً غروتيسكياً: ممتداً، متحوّلاً، ينفتح على العالم ويُذيب حدوده. الضحك الصاخب، الامتلاء، التمدد، كلها سمات لهذا الجسد الذي يقوّض القواعد الرسمية. والقناع جزء أساسي من هذه اللغة؛ فهو لا يخفي الهوية فقط، بل يُتيح تجربة بديلة، ويُحوّل الوجه إلى ساحة للعب والتقويض. من هنا يُمكن فهم ارتداء زيّ بيكاتشو في تركيا وهونغ كونغ لا كطرفة، بل كممارسة كرنفالية: متظاهر يحوّل جسده إلى درع طفولي ساخر، يكشف عنف السلطة حين تحاول قمعه.
هذا البُعد الأدائي يقودنا إلى جوديث باتلر ومفهومها عن الأدائية (performativity). فالهويات لا تُعطى مرة واحدة، بل تتشكل من خلال تكرار الأفعال في العلن. من هذا نقرأ ما حدث: رفع الراية، ترديد الهتاف، ارتداء القناع. كل فعل يُرسّخ هوية احتجاجية جديدة ويُحوّل «الأنا» الفردية إلى «نحن» جماعية. لهذا كان علم ون بيس في جاكرتا أكثر من قطعة قماش؛ لقد كان أداة إنتاج هوية مشتركة، تتكوّن وتُعاد وتترسخ في المجال العام.
وهذا المجال العالم اليوم ينتقل إلى العالم الرقمي من الشارع وبالعكس، صورة سفينة «قبعة القش» مرسومة بألوان العلم الفلسطيني. لم تُرفع في الشارع بل وُلدت رقمياً وانتشرت عبر الوسوم مثل #GlobalSumudFlotilla. قوتها لم تنبع من جسد متظاهر فقط، بل من جهاز كامل: تصميم رقمي، إعادة نشر، خوارزميات منصّات. هكذا نرى أنّ الكرنفال لم يعد مقصوراً على الساحة الميدانية، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي حيث تُنتَج السياسة عبر تضافر الجسد والقناع والصورة والمنصّة معاً.
الكرنفال لحظات مؤقتة، لا تنتهي بقلب الأدوار في الواقع بالضرورة، لكنها تُحافظ على خيال يُمكن تذكر إمكانية التغيير فيه. ومع الزخم الذي منحته رموز الأنمي للاحتجاجات، قد تتحول إلى مجرد تريند سريع الاستهلاك، الأمر ذاته يُلمّح إليه لورنس بوغاد في حديثه عن «اللعب الجادّ»؛ إذ يُحذر من أن يتحوّل المزاح والأداء الهزلي إلى مجرد ترفيه ما لم يرتبط ببرنامج احتجاجي واضح يُرسّخ أثره.
تجربة هونغ كونغ عام 2019 تكشف الحدود الكرنفالية بوضوح، فعندما اندلعت التظاهرات رفضاً لمشروع قانون يسمح بتسليم المطلوبين إلى الصين القارية، ورآها الناس تهديداً مباشراً لاستقلالية القضاء والحريات. ومع اتساع الحراك، رفعت الحركة مطالب أوسع: الديمقراطية الكاملة، التحقيق في عنف الشرطة، والعفو عن المعتقلين. خرج الملايين إلى الشوارع، مستخدمين تكتيكات مبتكرة مثل شعار «كن مثل الماء» فيما ملأت الرموز الكرتونية من بيكاتشو إلى ويني ذا بوه، الجدران والمنصّات الرقمية، لتجعل الحركة مرئية عالمياً.
لكن نهاية الحركة كانت مع قمع عنيف، اعتقالات جماعية، إغلاق وسائل إعلام مستقلة، وتشديد قبضة بكين عبر «قانون الأمن القومي» عام 2020، الذي جرّم عملياً أي شكل من أشكال المعارضة. ورغم أن الحكومة تراجعت عن مشروع القانون الأصلي، فإن المطالب الأوسع للحركة لم تتحقق؛ بل جرى قلب المعادلة رأساً على عقب: من حلم بالديمقراطية إلى واقع منكمش على الحريات.
هكذا تكشف هونغ كونغ حدود الكرنفال الاحتجاجي: يُمكن أن يفتح فضاءً تخييلياً ويجعل السلطة موضع سخرية، لكنه قد يتحول إلى مجرد ذاكرة بصرية، تُستعاد في مكان آخر، لكن لا محدوديتها هي ما قد يحدها في الوقت نفسه.
المصدر الجمهورية. .نت
-