فاجأ دولت بهجلي الرأي العام في تركيا حين قال في الاجتماع الأسبوعي لنواب حزبه في البرلمان: «إذا لم يتفق أعضاء اللجنة البرلمانية على زيارة وفد منهم لعبد الله أوجلان في سجن إيمرالي، فلن أتردد في القيام بهذه الزيارة برفقة ثلاثة من رفاقنا».
الواقع أن بهجلي واظب، خلال العام الماضي، عل إطلاق مفاجآت مماثلة من العيار الثقيل، كاقتراحه بأن يأتي أوجلان إلى مجلس النواب ويخاطب نواب حزب الديمقراطية والمساواة، ويطالب حزب العمال الكردستاني أن يلقي سلاحه ويحل نفسه. وهو ما حدث، من غير حضور أوجلان في البرلمان، فوجه نداء إلى حزبه بهذا المضمون. واستجاب الحزب وعقد مؤتمره الأخير وقرر فيه إلقاء السلاح وحل الحزب.
وكلما لمس زعيم الحركة القومية المتشددة تباطؤاً في هذه العملية السياسية نجح في تحريكها بمفاجآت من هذا النوع. لقد قدم حزب العمال الكردستاني كل ما هو مطلوب منه، بما في ذلك خطوات رمزية كإحراق الأسلحة في مشهد استعراضي، وسحبه عناصره من داخل الأراضي التركية، ثم من النقاط الحدودية. لم تقدم الدولة بالمقابل أي شيء إلى الآن لدفع العملية إلى الأمام. وتشكلت اللجنة البرلمانية التي من المفترض أن تقدم مشاريع قوانين لتأمين عودة مقاتلي الحزب إلى البلاد من غير أن تتم ملاحقتهم قضائياً، فيندمجون في الحياة العامة، بما في ذلك ممارسة العمل السياسي السلمي بصورة شرعية، إضافة إلى إصدار صيغة ما من عفو عام لإطلاق سراح معتقلي الحزب من السجون. ومن الأفكار المطروحة للنقاش إجراء ترتيب تشريعي من شأنه منح أوجلان الاستفادة مما يسمى بـ«حق الأمل» الذي يمنح المحكومين بالسجن مدى الحياة فرصة الخروج بعد فترة طويلة من السجن، خمسة وعشرين عاماً.
أحدث حلقات هذه العملية تمثلت في الجدل الذي أثارته بعض القوى السياسية بشأن اقتراح زيارة سجن إيمرالي. هناك طبعاً أحزاب قومية وأقلام في الصحافة سارعوا إلى رفض هذه الفكرة باعتبارها تمنح «رأس الإرهاب» مشروعية «لا يستحقها» أو أنها تعني «الذهاب إلى عند قدمي أوجلان» وفق التعبير اللغوي الشائع.
أما حزب الشعب الجمهوري بقيادة أوزغور أوزال فقد غاب نوابه عن تصويت اللجنة البرلمانية على إقرار زيارة إيمرالي. لكنه عاد وخفف من ثقل هذا الموقف، فميّز بين عرقلة العملية السياسية و«الالتحاق الأعمى بقطار أردوغان» حسب تعبيره. فنواب الحزب عبروا بغيابهم عن جلسة التصويت ورفضهم للمشاركة في الوفد عن هذا الموقف المركّب، فلم يعرقلوا العملية وإنما سجلوا موقفاً بسبب الحملة التي يتعرض لها الحزب منذ اعتقال أكرم إمام أوغلو في آذار الماضي والمستمرة إلى اليوم، وثمة تهديد جدي بحظر نشاط الحزب بقرار قضائي.
يتساءل كثيرون، على أي حال، كيف يمكن التقدم في عملية السلام مع كرد البلاد في الوقت الذي تفعل فيه السلطة كل شيء للتضييق على المعارضة والإعلام الحر والمثقفين غير المرضي عنهم. ولكن هذا التساؤل المحق لم يمنع استمرار التقدم في العملية السياسية على رغم التباطؤ. بل لعل في هذا التباطؤ خيراً لأنه يساهم في تطبيع هذا الملف الشائك لدى جمهور الطرفين. ويفسر البعض عدم الحماس الظاهر عند أردوغان للمضي قدماً على أنه يحسب حساباً لردود فعل الجمهور فيخشى أن يؤثر ذلك على شعبيته، هو وحزبه. لذلك نلاحظ وكأن بهجلي وحده قابض على جمر الحل السياسي، يقدم أفكاره الصادمة بالدرجة الأولى لجمهور حزبه القومي الذي تمت قولبة وعيه السياسي، على مدى عقود، بمعاداة حزب العمال الكردستاني وأي حقوق خاصة لكرد البلاد.
انتهت «عقدة أوجلان» إذن بإقرار الزيارة، وتم تشكيل الوفد من ثلاثة من أعضاء اللجنة البرلمانية، ينتمون إلى كل من حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية، وحزب المساواة والديمقراطية، على أن تتم في مطلع هذا الأسبوع، الاثنين أو الثلاثاء، بترتيب من جهاز الاستخبارات القومي. مهمة الوفد هي الاستماع إلى أوجلان لمعرفة تصوره عن الخطوات المقبلة في العملية السياسية. ومن المتوقع أن يدور أحد الأسئلة التي سيطرحها الوفد على أوجلان حول موضوع حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، وجناحه العسكري «وحدات حماية الشعب» فيما إذا كان يشملها قرار حل حزب العمال الكردستاني وتخليه عن السلاح. معروف أن السلطة قد عبرت عن رأيها بهذا الخصوص أكثر من مرة، فهي تريد هذا الشمول بما ينهي أي أحلام لدى كرد سوريا في نظام لا مركزي، في حين يريد الطرف الكردي الفصل بين المسألتين الكرديتين في تركيا وسوريا، فلكل دولة ظروف سياسية مختلفة عن الأخرى، وليس من العدل مطالبة وحدات حماية الشعب بحل نفسها وإلقاء سلاحها في الوقت الذي تفشل فيه سلطة دمشق في إقامة أي معالم لدولة تشمل كل المكونات السورية، بل أكثر من ذلك تتحمل مسؤولية مجزرتين في بضعة أشهر، مع احتمال تكرارها في مناطق مختلفة من الجغرافية السورية.
وعلى أي حال إن مطالبة الدولة التركية لأوجلان للعب دور في موضوع سوري، سيكون إقراراً بزعامته على مستوى قومي كردي، وهو ما يمنحه قوة معنوية كبيرة لا تريدها الدولة التركية.
قطار الحل السياسي في تركيا ماض على سكته نحو هدف معلوم بمعظم تفاصيله، ووفقاً لبعض المحللين أن الوصول إلى الحل السياسي للمسألة الكردية سيكون له تأثير إيجابي على دمقرطة تركيا وتجاوز الحكم السلطوي القائم اليوم.
كاتب سوري
المصدر القدس العربي
