الحزبان الرئيسيان في إقليم كردستان العراق، الديمقراطي الكردستاني والاتّحاد الوطني، بعد أن أهدرا أكثر من سنة دون أن ينجحا في تشكيل حكومة جديدة للإقليم، لم يعودا يمتلكان ترف تأجيل ذلك الاستحقاق المهم، عقب إجراء الانتخابات البرلمانية في العراق والشروع في حراك تشكيل حكومته الاتّحادية.
أربيل/السليمانية (كردستان العراق) – كسر ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية، وما نتج عنها من تغيرات جزئية في الخارطة الحزبية والسياسية ستكون لها تأثيراتها في تشكيل الحكومة الاتحادية القادمة، جمودَ ملف تشكيل حكومة جديدة لإقليم كردستان العراق بعد أن ظل مطويا على مدى أكثر من عام منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في الإقليم في شهر أكتوبر سنة 2024.
وبات الحزبان القائدان بشكل رئيسي للعملية السياسية في الإقليم والشريكان الأولان في إدارة سلطاته، الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل جلال طالباني، يعملان تحت ضغط. وذلك في اتجاهين مختلفين، اتجاه تشكيل حكومة للإقليم لتكون شريكة للحكومة الاتحادية القادمة وتتمتع بكامل الشرعية لمحاورتها بشأن الملفات المعقدة لاسيما الخلافية منها على غرار الملف المالي والتحكّم بموارد النفط وإدارة شؤون المناطق المتنازع عليها والمشمولة بالمادة 140 من دستور العراق، واتجاه لملمة صفوف القوى الكردية للمشاركة في حراك تشكيل الحكومة العراقية وما يجري في نطاقه من مفاوضات صعبة ومساومات معقدة حتى يتمكّن كل طرف من الحصول على حصصه في السلطة والحفاظ عليها.
مقترح من الاتحاد الإسلامي الكردستاني يقضي بجمع الأطراف الكردية الفائزة في الانتخابات تحت مظلة سياسية واحدة
ولم يكن إعلان الإطار التنسيقي الشيعي المكون من أبرز الأحزاب والفصائل الشيعية المسلحة عن حفاظه على تماسكه وتشكيله الكتلة البرلمانية الأكبر، وكذلك إعلان عدد من الأحزاب السُنية عن تشكيل هيكل جامع لها شبيه بالإطار ويحمل اسم المجلس السياسي الوطني، من دون تأثير في الأحزاب والقوى الكردية، خاصة حزبي طالباني وبارزاني اللذين باتا يشعران بوطأة ضياع الوقت بسبب انغماسهما في الخلافات والصراعات البينية على السلطة، وبخطورة الإبقاء على تشتت الصف وتفرّق الكلمة في ظل تجمّع القوى الأخرى وتوحّدها.
وبادر الحزبان في ضوء تلك المعطيات بإطلاق مشاورات سياسية مع عدد من أحزاب إقليم كردستان بشأن تشكيل حكومة الإقليم وكذلك المشاركة في حراك تشكيل الحكومة الاتّحادية.
وفي هذا الإطار زار وفد من الحزب الديمقراطي، الأربعاء، المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي الكردستاني للتشاور مع قيادة الأخير بشأن تشكيل الحكومتين، فيما ينتظر أن يقوم وفد من الاتحاد في وقت لاحقا بزيارة إلى جماعة العدل، بحسب ما نقلته وكالة شفق نيوز الإخبارية عن مصادر حزبية. ومن جهته عقد الاتحاد الوطني الكردستاني، الأربعاء، اجتماعا مع وفد قيادي من الاتحاد الإسلامي وذلك في مقر المكتب السياسي للاتحاد الوطني في مدينة السليمانية.
وجاء في بيان للمكتب أن عضويْ المكتب السياسي للاتحاد الوطني سركوت زكي ويوسف كوران استقبلا وفد الاتحاد الإسلامي الذي ضم مصطفى عبدالله وسمير سليم عضوي المكتب السياسي للحزب.
وبحسب البيان خُصص الاجتماع لتقديم مبادرة من الاتحاد الإسلامي تتعلق بعقد اجتماع موسع للأطراف الكردستانية التي ستشارك في الانتخابات العراقية المقبلة، بهدف تعزيز التنسيق السياسي بين القوى الكردية.
كما بحث الجانبان آخر المستجدات والمتغيرات السياسية في إقليم كردستان وعموم العراق، مؤكدين “أهمية وحدة الصف وتوحيد الموقف الكردستاني في مواجهة التحديات وحماية المكتسبات الوطنية.” وأشار البيان إلى أن الطرفين شددا خلال اللقاء على استمرار الحوار والتعاون بين القوى الكردستانية لضمان استقرار الساحة السياسية في الإقليم.
ومن جهته كشف القيادي في الاتحاد الإسلامي الكردستاني مصطفى عبدالله عن تقديم مقترح جديد للأطراف السياسية الفائزة في انتخابات مجلس النواب العراقي، بهدف توحيد الموقف الكردي تحت مظلة سياسية واحدة.
وتبدو تلك المبادرة مستنسخة من مبادرة قام بها مؤخّرا السياسي السنّي زعيم تحالف السيادة خميس الخنجر تجاه عدد من القوى السنية وأفضت إلى تشكيل المجلس السياسي الوطني الذي ضم أحزابا سنيّة كانت معروفة بخلافاتها الشديدة وتنافسها الشرس ومع ذلك تمكّنت من تجاوز تلك الخلافات خدمة لمصالح مشتركة تتمثّل أساسا في منع ضياع حصصها في السلطة العراقية الجاري تشكيلها في ضوء نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
وبإقدام الأحزاب السنية المتخاصمة على تلك الخطوة التصالحية باتت الأحزاب الكردية التي ترفع لواء تمثيل ثالث أكبر مكون في العراق الوحيدة التي لا تمتلك إطارها السياسي الجامع، وذلك على الرغم من الحاجة الأكيدة لمثل ذلك الإطار لتقوية موقف تلك الأحزاب داخل مؤسسات الدولة الاتحادية العراقية والصمود في وجه ما تمارسه القوى الأخرى المتنفذة داخلها من ضغوط على سلطات إقليم كردستان في عدة مجالات سياسية وأمنية واقتصادية ومالية.
كسر جمودَ ملف تشكيل حكومة جديدة لإقليم كردستان العراق بعد أن ظل مطويا على مدى أكثر من عام منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في الإقليم في شهر أكتوبر سنة 2024
وعلى عكس المنتظر من حزبي بارزاني وطالباني المؤتمنين على توحيد صفّ أكراد البلاد دفاعا عن قضاياهم وحماية لمصالحهم، أصبح التأخر الكبير في تشكيل حكومة الإقليم، بل تعطيل البرلمان بعد مرور أكثر من عام على انتخابه مدعاة لاتهامهما بتشتيت كلمة المكون الكردي وإضعاف صوته في الدولة الاتحادية العراقية بما يثيرانه من خلافات لا تنتهي وما يخوضانه من صراعات لا تهدأ على السلطة.
وأسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق عن حصول الأحزاب الكردية مجتمعة على أكثر من ستين مقعدا في البرلمان الاتّحادي ذهبت ثمانية وعشرون منها إلى الديمقراطي الكردستاني، وخمسة عشر إلى الاتحاد الوطني.
وبينما حلّت القوى الشيعية في المرتبة الأولى بمجموع مقاعد بلغ عددها مئة وتسعة وسبعين مقعدا، جاءت القوى السنية في المرتبة الثانية بثلاثة وسبعين مقعدا ما حدا بعدد من القادة السياسيين السنّة إلى المبادرة بتشكيل المجلس الجديد في سبيل اكتساب قدرة تفاوضية خلال عملية تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب.
وفي مقابل ذلك القدر من الوحدة الشيعية والسنية ستظل القوى السياسية الكردية العراقية في غياب هيكلها الجامع مضطرة إلى التفاوض كل بشكل منفرد سعيا لتحقيق مصالح حزبية ضيّقة.
واستقّر العرف السياسي في العراق على أن يكون منصب رئيس الوزراء، وهو المنصب التنفيذي الأهم في البلاد، من نصيب الشيعة، وأن يكون منصب رئيس الجمهورية من نصيب الأكراد، ومنصب رئيس البرلمان من نصيب السنّة.
ولا يوجد في الدستور العراقي ما يؤكّد تلك القسمة ويحميها من إمكانية التغيير، وهو ما يجعل وحدة القوى الممثلة للمكونات العراقية أمرا ضروريا لحماية أنصبتها في المواقع الرئيسية بالسلطة.
المصدر العرب اللندنية