في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، أصدر الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع المرسوم رقم (189) القاضي بإحداث الشركة السورية للبترول (SPC) كشركة عامة قابضة، لتصبح المدير الحصري لكافة الأصول والعقود المتعلقة بالنفط والغاز والتكرير في البلاد. جاء هذا التحول بعد قرار سابق بدمج ثلاث وزارات (النفط، والكهرباء، والموارد المائية) في كيان واحد تحت مسمى وزارة الطاقة. يطرح هذا التحول المؤسسي تساؤلات قانونية وسياسية واقتصادية حول ما الذي يعنيه تركيز كل ثروات البلاد النفطية والغازية تحت مظلة كيان واحد يتمتع بـ«الاستقلال المالي والإداري»، وما هي البيئة القانونية والدستورية والسياسية التي تمت فيها إعادة هيكلة قطاع الطاقة بالكامل؟

شركة قابضة تحل محل مؤسسات عامة

يحمل المرسوم تغييراً جوهرياً في هوية القطاع، إذ أن الشركة القابضة حلت محل «كل من المؤسسة العامة للنفط والشركات التابعة لها والمؤسسة العامة للتكرير والشركات التابعة لها» أينما وردت بالقرارات أو الصكوك التشريعية والالتزامات التعاقدية، وذلك حسب المادة الثالثة من المرسوم. أي إنها باتت «الوريث القانوني» لكل ما كان مملوكاً لمؤسسات النفط والتكرير: الشركة السورية للنفط، الشركة السورية للغاز، الشركة السورية لنقل النفط، مصافي حمص وبانياس، وشركة سادكوب لتخزين وتوزيع المحروقات. وبذلك، فإن الشركة القابضة الجديدة حلت محل ستة كيانات اقتصادية رئيسية في قطاع الطاقة.

يشرح الباحث محمد بوزي هذا التحول مقارناً بالماضي: «تحت حكم نظام الأسد، كان قطاع النفط يُدار بواسطة المؤسسة العامة للنفط (GPC). كانت GPC هيئة قانونية (مؤسسة عامة) مقيدة بشدة بقوانين القطاع العام، وتعمل كذراع تنظيمي للوزارة أكثر من كونها مؤسسة تجارية ربحية». أما الشركة الجديدة فهي «تحل محل المؤسسة العامة للنفط والمؤسسة العامة للتكرير وجميع الشركات التابعة لهما تحت مظلة مؤسسية واحدة».

ويرى بوزي أن هذا الفصل «يُحاكي نماذج إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة في دول مجلس التعاون الخليجي، والمصممة لتجاوز عدم كفاءة القطاع العام التقليدي»، كاشفاً عن دافعين استراتيجيين غير معلنين: الخصخصة الجزئية: حيث يرى بوزي أنه «غالباً ما يكون هيكل الشركة القابضة مقدمة لعمليات الخصخصة الجزئية، من خلال عزل الأصول وإنشاء ميزانية عمومية للشركة، بما يجعل من السهل بيع حصصٍ لشركاء استراتيجيين، وعلى الأرجح صناديق الثروة السيادية الخليجية في المستقبل». تسهيل تجاوز العقوبات: يُشير بوزي إلى أن «قرار إدارة ترامب تعليق عقوبات قيصر وتوجهها إلى إلغاء قانون قيصر نهائياً ورفع العقوبات التنفيذية في حزيران (يونيو) 2025، أمورٌ كانت بمثابة ‘الضوء الأخضر’ لإعادة الهيكلة»، مضيفاً أن استبدال الشركة الجديدة بالمؤسسة القديمة يُقدم «فائدة الامتثال: من خلال حل ‘المؤسسة العامة للنفط’ (التي كانت مدرجة على قوائم العقوبات) وإنشاء ‘الشركة السورية للبترول’… هكذا تقدم الحكومة السورية صفحة بيضاء لأقسام الامتثال للعقوبات في البنوك الغربية والخليجية».

من جانبه، يُفسّر المستشار في تشاتام هاوس زكي محشي، وهو باحث في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، المعنى العملي لهذا التحول، حيث يجد أن «الفرق بين الشركة القابضة والمؤسسة العامة أن مساحة الحرية أكبر في الاستثمار داخل وخارج البلاد، كما في الاقتراض والاستيراد والتصدير والتفاوض مع المستثمرين، بينما كان الاستقلال المالي والإداري ظاهرياً في السابق، ولم تكن المؤسسات تملك أسهماً ولا تستطيع أن تستثمر في الداخل والخارج. يُعطي نموذج الشركة القابضة مساحة استثمارية ومساحة للعمل الاقتصادي أكبر وأوسع من المؤسسة العامة ذات الطابع الاقتصادي».

الحوكمة المركزية وغياب الرقابة

تم إحداث الشركة بمرسوم رئاسي «بناءً على أحكام الإعلان الدستوري» وليس بناءً على عملية تشريعية مرّت عبر برلمان، كما أن النظام الأساسي للشركة وهيكلها الوظيفي يصدران بـ«مرسوم» بحسب المادتين 15 و16 من المرسوم. وعلى هذا يعلّقُ الباحث في الاقتصاد السياسي محمد العلبي أن «السلطة الانتقالية تقوم بإعادة هيكلة دائمة وواسعة للأصول الوطنية وتُصدِرُ قوانينها عبر مراسيم رئاسية، وهو تجاوز لصلاحيات السلطة التنفيذية/الرئاسية في ظل غياب سلطة تشريعية».

بحسب المادة السادسة من المرسوم، يتولى إدارة الشركة كل من مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، والمادة السابعة تنصّ على أن يكون وزير الطاقة هو رئيس مجلس الإدارة. وبحسب المادة نفسها، يُسمَّى كافة أعضاء المجلس بمرسوم رئاسي، ويُسمى الرئيس التنفيذي أيضاً بمرسوم رئاسي منفصل بحسب المادة التاسعة.

والرئيس التنفيذي عضو مجلس الإدارة، لكن ليس له حق التصويت على القرارات، وتحدد المادة 10 من المرسوم مهام الرئيس التنفيذي بـ«تنفيذ قرارات مجلس الإدارة وضمان تطبيق السياسات والخطط الاستراتيجية المعتمدة. والإشراف على كافة العمليات الإدارية والتشغيلية والفنية والمالية للشركة. وإعداد مشروع الموازنة التقديرية، والميزانية السنوية والقوائم المالية والحسابات الختامية، ورفعها إلى مجلس الإدارة لاعتمادها. وتنفيذ استراتيجيات وإجراءات إدارة المخاطر وتطوير أنظمة الرقابة الداخلية لضمان الالتزام بالمعايير القانونية والمحاسبية المعتمدة. ومتابعة تنفيذ عقود الخدمة المصدقة بنصوص تشريعية والإشراف على الشركات التابعة والمشتركة. وتقديم تقارير دورية إلى مجلس الإدارة حول الأداء والكفاءة والامتثال للمعايير المعتمدة»، وتُشير هذه الأخيرة بوضوح إلى وجود دور رقابي لمجلس الإدارة على الرئيس التنفيذي.

هنا ينتقد العلبي بشدة تركيبة مجلس الإدارة، بداية من تلك التي تجعل الوزير رئيساً له؛ يقول: «يقوم الوزير (الرقيب) بـ رئاسة المجلس (التنفيذي) الذي يُشرف على الرئيس التنفيذي، مما يُكرس احتواء الرقابة ضمن الجهاز التنفيذي ويُفقدها استقلاليتها». ويفصّلُ العلبي هذه الإشكالية بأنه «يبقى تضارب المصالح قائماً ما دام وزير الطاقة يجمع بين دورين متعارضين: دور ‘المنظّم وصاحب الولاية السيادية’ على قطاع النفط والغاز، ودور ‘رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة’ التي تُمثل الذراع التنفيذية والتجارية للدولة… هذا الجمع يجعل وظيفةَ الوزير كمُنظِّم للقطاع (التي تضمن العدالة والمنافسة والرقابة) ثانويةً أمام دوره كمدير لأكبر مُشغّل في السوق، ويخلّ بمبدأ الفصل بين الملكية والتنظيم الذي تعتمد عليه المعايير الدولية لحوكمة الشركات الحكومية».

وفيما يتعلق بالرقابة الداخلية، يُقلل العلبي من كفايتها، مؤكداً: «حتى لو كانت الشركة تمتلك أنظمة رقابة داخلية قوية ولجان مراجعة نشطة، فإن الرقابة الخارجية تظل ضرورة حتمية… تكمن أهمية الرقابة الخارجية في كشف الأخطاء التي لا يُمكن للرقابة الداخلية كشفها بسبب القرب المؤسسي».

يُشير بوزي أيضاً إلى «غياب ذكر لهيئة رقابية مستقلة بصلاحيات حقيقية في المرسوم»، مُحذِّراً من أنه «بدون برلمان قوي يمتلك أدوات المساءلة، أو هيئة مكافحة فساد مستقلة، يمكن لشركة SPC ‘المستقلة’ أن تتحول بسهولة إلى صندوق أسود للإنفاق خارج الميزانية. المخاوف تتزايد من أن ‘السرية التجارية’ التي تتمتع بها الشركات القابضة ستُستَخدَم كغطاء لإخفاء العقود الممنوحة للمقربين من السلطة الجديدة».

وعليه يعتبر زكي محشي أن الأثر الاقتصادي لهذه الهيكلية سينعكس سلباً على «ثقة المستثمرين» بسبب المركزية الشديدة وتحكُّم الشركة بالقطاع، مشيراً إلى أولئك الذين يستثمرون على المدى المتوسط ومستثنياً شركات الاستثمار العالمية التي تبحث عن الربح السريع، خاصة وأن «الشركة وقراراتها أصبحت تؤثر على كل المجالات في القطاع»، أي على كافة عقود الاستثمار على تنوعها من الاستخراج والتكرير إلى النقل والتوزيع.

الأثر الاقتصادي

في الحديث عن الأثر المباشر على الاقتصاد، ومعنى أن قطاع الثروة النفطية والغازية بالكامل بات تحت مظلة شركة واحدة تابعة أو مرتبطة بوزارة واحدة، يعود محمد بوزي إلى التفصيل المتعلق بمرجعية «الرئيس التنفيذي»، حيث أن «تعيين الرئيس التنفيذي بمرسوم رئاسي مباشر يُشير إلى أنه بينما تضع الوزارة السياسات العامة، فإن الأموال والعمليات تخضع للمساءلة المباشرة أمام مكتب الرئيس». ويمنح هذا الاستقلالُ للرئيس التنفيذي مزايا عملية، بحسب بوزي، مثل «الإعفاء من سقف الرواتب العامة: لجذب الكفاءات الهندسية والإدارية… هذا الاستقلال يسمح للشركة بوضع جداول رواتب خاصة بها»، و«القدرة على الاحتفاظ بحسابات بالعملة الأجنبية في الخارج… للدفع مقابل الصيانة والتكنولوجيا، بدلاً من توجيه جميع العملات الصعبة عبر مصرف سوريا المركزي».

بينما يُحذر زكي محشي من الاحتكار، إذ أن الشركة المرتبطة مباشرة بالرئاسة «تعمل الآن كتاجر يحتكر قطاع النفط والغاز، دون وجود أي نوع من أنواع الرقابة الخارجية على الشركة»، وعليه تتمحور المخاوف الاقتصادية الكبرى حول الصلاحيات المالية الواسعة. إذ يلفت محشي إلى بند «خطير» (المادة 14/ب) ينصَّ على القروض بضمانة أصول الشركة، معتبراً أن البند غير مفهوم إذ أن أصول الشركة سيادية: «هل من المنطق أخذ قرض من مستثمر خليجي بضمانة مصفاة حمص مثلاً!». كما ينتقد محشي المادة 18 المتعلقة بالإعفاءات الضريبية، متسائلاً: «ماذا عن الربح الخاص بالشركة؟ هل سيتحول إلى الموازنة العامة أم الصندوق السيادي الذي هو مثل الثقب الأسود لا نعرف أين تذهب أمواله»، معتبراً أن «حوكمة الشركة لا تعكس الاستقلال المالي والإداري، بل هو استقلال عملياتي فقط في التعيين وغيره».

يتفق محمد العلبي مع هذا التحذير، مُشيراً إلى أن منح الاستقلال المالي والإداري لوزارة أو كيان تابع لها في ظل غياب رئاسة مجلس الوزراء يضعها «في منطقة رمادية بين الجهاز الحكومي والمؤسسة المستقلة»، ويَنتج عن هذا التضارب «ديون والتزامات موروثة وصعوبات قانونية»، محذراً من أن هذا التركز المالي «قد يتحوّل، في غياب آليات شفافة للرقابة والمساءلة، إلى احتكار مؤسسي جديد يُفاقم مشكلات الحوكمة بدل أن يُخففها».

في تصريح لصحيفة الثورة بتاريخ 12 تشرين الثاني (نوفمبر)، على هامش معرض الطاقة والبترول سيربترو 2025 بدمشق، قال المدير التنفيذي لـ SPC، يوسف قبلاوي، أنه «من المقرر أن تصدر الهيكلية النهائية للشركة الأسبوع المقبل، وستكون مطابقة للشركات العالمية». ونظراً لأن الهيكلية لم تصدر بعد، تواصلنا مع مكتب العلاقات العامة في وزارة الإعلام لنحصل على تصريح خاص حول الهيكلية، فأَحالَنا إلى شخص آخر من المكتب الصحفي، وعند التواصل مع المكتب الصحفي أجابنا بأن الأسئلة اختصاصية وحولنا إلى مكتب العلاقات في وزارة الطاقة. تواصلنا مع مكتب العلاقات في وزارة الطاقة، الذي أحالنا بدوره إلى مكتب العلاقات في الشركة السورية للبترول.

بتاريخ 21 تشرين الثاني (نوفمبر) تواصلنا مع مكتب العلاقات في الشركة وحصلنا على وعد بالعودة لنا بإجابات دقيقة لاحقاً، ولم نحصل عليها حتى لحظة نشر هذا التقرير.