تحولات ديموغرافية شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية نتيجة الحرب والأزمات الاقتصادية وسياسات الهجرة واللجوء، ما أثر بشكل مباشر على التركيبة السكانية وأسهم في إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وقد أجبر النزوح الداخلي والخارجي الملايين من السوريين على مغادرة منازلهم، مما أدى إلى تفريغ بعض المناطق من سكانها الأصليين وازدياد الكثافة السكانية في مناطق أخرى داخل البلاد وخارجها. يضاف إلى ذلك كشف العديد من التقارير قيام النظام المخلوع بمنح الجنسية السورية لعناصر قاتلوا إلى جانبه على التركيبة الديموغرافية، حيث شمل ذلك فصائل متعددة مثل “لواء فاطميون”، “لواء زينبيون”، “حزب الله”، “سرايا طلائع الخرساني”، و”عصائب أهل الحق” وغيرها، وهو ما ساهم في تغييرات على التوازن السكاني في مناطق محددة.
ومنذ عام 2011، صدرت مجموعة من القوانين والمراسيم المتعلقة بحقوق الملكية والعقارات والمساكن، وكان لها تأثير كبير على السوريين، لا سيما الخارجين من البلاد والمعارضين السياسيين والمتهمين بدعم “الإرهاب”، وشملت هذه التشريعات العقارات، السجل العقاري، معاملات الملكية، وإحداث مناطق تنظيمية وإزالة المخالفات، ما أتاح للنظام ممارسة سيطرة أكبر على توزيع السكان، ومن أبرز هذه القوانين المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 الخاص بتطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي، والمرسوم التشريعي رقم 40 لإزالة الأبنية المخالفة، إلى جانب قوانين لاحقة مثل القانون رقم 23 لعام 2015 المتعلق بتهيئة الأرض للبناء، والقانون رقم 33 لعام 2017 لإعادة تكوين الصحيفة العقارية المفقودة أو التالفة، والقانون رقم 35 لعام 2017 المتعلق بالحجز الاحتياطي على ممتلكات المكلفين بالخدمة الإلزامية غير المدفوعة.
كما صدرت في عام 2018 عدة قوانين، أبرزها القانون رقم 1 لإنشاء حرمين حول نفقي جر المياه، والقانون رقم 3 لإزالة أنقاض الأبنية المتضررة، والقانون رقم 10 الذي جاء مكملاً للمرسوم 66 ليشمل كامل الأراضي السورية، مع تحديد مهلة لتقديم الاعتراضات على الملكية وإمكانية الاستحواذ على الأملاك في غياب أصحابها، ما عزز تأثير التشريعات على إعادة تشكيل الخريطة السكانية في سوريا.
وفي حوار لـ “963+” مع الكاتب والصحفي السوري علي الأمين السويد أجاب فيه عن العديد من الأسئلة أبرزها الأسباب الرئيسية التي تقف وراء عمليات التغيير الديموغرافي في سوريا والتي حدثت على امتداد أكثر من 14 عاماً وكيف يمكن أن تؤثر هذه التغييرات على الخريطة السياسية والاجتماعية في سوريا.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
لقد تركت الحرب في سوريا، وما رافقها من نزوح داخلي وخارجي، آثاراً عميقة على توزيع السكان حتى بات من الصعب مقارنة الخريطة السكانية اليوم بما كانت عليه قبل عام 2011. فقد أُفرغت مناطق واسعة من سكانها الأصليين مثل داريا والزبداني وأحياء سكنية كاملة في حمص، وعفرين ومدينة الرقة ومعظم قرى ومدن ريف محافظة إدلب الجنوبي وريف محافظة حلب الشمالي. بينما تضاعفت الكثافة السكانية في مناطق أخرى داخل البلاد مثل دمشق، وحلب، وإدلب والقرى الحدودية مع تركيا. كما تضاعف عدد النازحين في دول الجوار كتركيا والأردن ودول أوروبا. هذا النزيف السكاني غيّر شكل المدن والبلدات ونمط الحياة فيها، وألقى عبئاً كبيراً على الخدمات والبنى التحتية وسوق العمل. علماً أنه منذ بداية النزاع السوري عام 2011 وحتى الآن، بلغ عدد النازحين السوريين حوالي 7 ملايين نازح داخل سوريا، و4.6 مليون لاجئ سوري مسجلين لدى الأمم المتحدة خارج سوريا حتى أوائل 2025.
ويشير ذلك إلى أن عدد النازحين السوريين الذين أجبروا على مغادرة منازلهم بسبب القمع الأسدي أودخول تركيا إلى مناطق سورية عدة أو بسبب سيطرة التنظيمات الإرهابية كداعش وجبهة النصرة يتجاوز 11.5 مليون شخص. هناك أيضاً حوالي 1.87 مليون سوري من النازحين واللاجئين عادوا إلى ديارهم بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024 وأوائل 2025، لكن العدد الإجمالي للنازحين لا يزال كبيراً ويشكل حوالي 40% من سكان سوريا قبل بدء الحرب.
ما الفرق بين التغييرات الديموغرافية الطبيعية وتلك الناتجة عن عوامل قسرية أو سياسية؟
التغيّرات الديموغرافية الطبيعية هي تلك التي تنتج عن مسار الحياة العادي: زيادة في أعداد المواليد، انخفاض أو ارتفاع في الوفيات، وهجرة طوعية مرتبطة بفرص العمل أو الدراسة أو تحسين مستوى المعيشة. هذه التغيّرات عادةً تدريجية ويمكن للدولة والمجتمع التكيّف معها. أما التغيّرات القسرية أو السياسية فهي التي تفرضها الحرب أو سياسات التهجير والحصار والاعتقال وسحب الحقوق، وغالباً ما تتم بسرعة وتحت ضغط شديد، وتستهدف أحياناً إعادة تشكيل الخريطة السكانية بما يخدم أهدافاً سياسية أو أمنية.
كيف يمكن أن يؤثر ملف إعادة الإعمار والملكية العقارية على عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية؟
ملف إعادة الإعمار والملكية العقارية سيكون عاملاً حاسماً في تحديد من يستطيع العودة إلى منطقته ومن سيُستبعَد عملياً، فإذا ضمنت القوانين حق المالكين في استعادة بيوتهم أو الحصول على تعويض عادل، وإذا أُزيلت العوائق الأمنية والإدارية أمام عودتهم، فإن ذلك سيشجّع على عودة واسعة ويحدّ من التغيير الديموغرافي.
أما إذا استُخدمت قوانين التنظيم العمراني أو المشاريع الاستثمارية لانتزاع الملكيات أو تغيير صفة الأراضي من سكنية إلى تجارية أو غيرها من دون ضمان حقوق أصحابها، فسنكون أمام تثبيت لواقع سكاني جديد يصعب التراجع عنه.
ومن الملاحظ أن هناك العديد من المشاكل التي بدأت تتفاقم بسبب سياسات الحكومة الانتقالية في سوريا. هذه الممارسات ثبت أنها تتجاهل الواقع السوري قبل، وأثناء الثورة، وفي وجود نظام الأسد.
فقد اتضح أن هناك جملة من القوانين الانتقائية صارت إلى اتخاذها لأسباب بعضها غامض، وبعضها الآخر مفضوح يتلخص في كونه تسهيل لتسيير مصالح بعض متنفذي الدولة الجديدة في سبيل الاستحواذ على العقارات المميزة والمرافق ذات الثقل الاقتصادي.
كيف ترى تعامل الحكومة مع التغييرات السكانية التي حصلت في بعض المناطق السورية؟
بداية سعى نظام بشار الأسد إلى تحويل مطالب الشعب السوري من الحرية والديموقراطية إلى البحث والعثور عن مأوى للسكن ومكان للعمل وتحصيل لقمة العيش. ولهذا اتبع سياسة البراميل المتفجرة.
وقد أثمرت هذه السياسة بالفعل عن تحييد نسبة هائلة من الشعب السوري باتجاه الانشغال بلملمة الجراح أكثر من الاهتمام بإسقاط النظام. في دمشق، على سبيل المثال، زاد عدد السكان مع توسيع المناطق العمرانية باتجاه الريف، مع ارتفاع الأحياء العشوائية، كجزء من سياسة تغيير التركيبة الاجتماعية للدولة بهدف السيطرة السياسية والأمنية.
وفي حمص، وبسبب الأعمال الحربية الممنهجة، تعرضت أحياء رئيسية لتهجير قسري للسكان الأصليين، وأسكن النظام وفصائل تابعة لإيران سكاناً آخرين في مكانهم، مع تدهور البنية التحتية والخدمات في الأحياء المتضررة.
وقد حدث ما يشبه هذه التغييرات السكانية في مدن أخرى ضمن سياسة أمنية تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي التقليدي في مناطق عدة من سوريا. ومن المؤسف أن نرى أن تعامل الحكومة السورية الانتقالية مع التغييرات السكانية في عدد من المناطق اتسم، في تقديري، بقدر كبير من الغموض وغياب الرؤية الوطنية الشاملة.
إذ لم تُطرح حتى الآن سياسة واضحة لعودة جميع النازحين واللاجئين، بل جرى التعامل مع الموضوع غالباً من زاوية أمنية أو من خلال مبادرات موضعية محدودة. هذا الأسلوب ترك فراغاً كبيراً في إدارة الملف، وفتح الباب أمام الانطباع بأن بعض الوقائع السكانية التي نشأت خلال الحرب يجري القبول بها، أو حتى الاستثمار فيها بدل العمل الجاد على تصحيحها.
كيف تنظر إلى ملف التجنيس الذي نشط بحسب تقارير بعد عام 2011 وما علاقته بعمليات التغيير الديموغرافي التي حدثت؟
ملف التجنيس الذي نشط وفق تقارير عديدة بعد عام 2011 يحمل بُعداً حساساً، لأنه يتقاطع مع مسألة الهوية الوطنية والتوازنات السكانية. التجنيس في حد ذاته ليس مشكلة إذا كان يتم وفق معايير قانونية وشفافة، ويعامل الجميع على قدم المساواة.
لكن عندما يتم في سياق نزاعات وحروب، وفي مناطق معيّنة دون غيرها، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل يتم التجنيس هنا لتعويض خروج فئات من السكان أو لتغيير الوزن الديموغرافي والسياسي لمناطق بعينها؟ إلا أنه من الواضح تماماً أن الإحصاءات الاستراتيجية في سوريا مغيبة لدوافع سياسية بدأت منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011.
وأشيع أن النظام جنس أكثر من مليون إيراني في خطوة لتشجيع انخراط الإيرانيين في الجيش السوري أو في الميليشيات الرديفة للجيش. تم تغييب أي إحصاء رسمي لعدد السكان السوريين. حتى الحكومة الانتقالية نفذت ذات الإجراءات التضليلية وغير المفهومة وغير القانونية.
فقد ادعت الحكومة بأنها أسقطت الجنسية عن ما يقارب 1.8 مليون إيراني، ولكن لا يوجد دليل واحد على صحة هذه البيانات. وتخطط الحكومة إلى منح الجنسية السورية للمقاتلين الأجانب المصنفين إرهابيين لتزيد من قوتها باعتبار أن من سيحمي النظام الجديد هم هؤلاء الأجانب. وبالرغم من الضغوطات التي يسمع عنها السوريون حول دعوة الدول الغربية الحكومة السورية لطرد المقاتلين الأجانب، إلا أن الحكومة لا يبدو أنها ستنفذ أي شيء من هذا. أخيراً، إذا لم يُدار هذا الملف بأقصى درجات العلنية والعدالة، فسيتحوّل إلى عنصر جديد من عناصر عدم الاستقرار.
ما الخطوات الضرورية لمعالجة آثار التغييرات الديموغرافية واستعادة التوازن السكاني في سوريا؟
معالجة آثار التغيّرات الديموغرافية تحتاج إلى خطة وطنية على مستويات عدة منها: تأمين عودة طوعية وآمنة للنازحين واللاجئين، عبر ضمان الأمن ورفع القيود الإدارية والأمنية، وتوفير الخدمات الأساسية في مناطق العودة، ووضع تشريعات واضحة لحماية الملكية وإعادة الحقوق، مع إنشاء آليات قضائية مستقلة للنظر في النزاعات العقارية التي نشأت خلال الحرب، وربط إعادة الإعمار بسياسة تنموية متوازنة تعيد الحياة الاقتصادية إلى مختلف المحافظات، وتمنع تركّز الفرص في مناطق محدودة، وإشراك المجتمع المدني والجهات الحقوقية في توثيق الانتهاكات ومراقبة أي محاولات جديدة لتغيير التوزيع السكاني بالقوة.
هل يمكن أن تؤثر التغييرات الديموغرافية التي حدثت على الخريطة السياسية والاجتماعية في سوريا، وكيف؟
لا شك أن التغيّرات الديموغرافية ستترك بصمتها على الخريطة السياسية والاجتماعية في سوريا لسنوات طويلة. فالتمثيل السياسي، سواء في البرلمان أو المجالس المحلية أو أي صيغة حكم مقبلة، يفترض أن يستند إلى واقع سكاني متغيّر، وإلى مناطق فقدت جزءاً كبيراً من سكانها وأخرى استقبلت أعداداً كبيرة من الوافدين.
اجتماعياً، هناك تحديات كبيرة تتعلق باندماج النازحين العائدين مع من بقي، وبإعادة بناء الثقة بين المكوّنات المختلفة التي خبرت مستويات متباينة من العنف والتهجير، إذا لم تُعالَج هذه الملفات بسياسات عادلة وشاملة، فقد تؤدي إلى توترات جديدة؛ أما إذا أُحسن التعامل معها، فيمكن أن تكون نقطة انطلاق لعقد اجتماعي أوسع يضمن حقوق جميع السوريين دون تمييز.