أبدى سوريون على منصات التواصل الاجتماعي استياءهم إثر تداول مقاطع من مسيرات بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانطلاق معركة ردع العدوان، أمس الجمعة، تضمّنت شعارات وهتافات وُصفت بأنها تحمل نزعات تحريضية وطائفية وقومية وتحضّ على الكراهية. وجاءت تلك المسيرات استجابة لدعوة وجهها الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمة متلفزة، حيث دعا إلى الخروج في مسيرات احتفاءً بالذكرى السنوية الأولى للمعركة وسقوط نظام الأسد، ما أسفر عن مشاركة شعبية لافتة ترافقت مع ظهور لافتات ومشاهد أثارت جدلاً كبيراً.
ورغم أن المسيرات حملت عنواناً سياسياً موحداً، أظهرت مقاطع منشورة على فيسبوك لافتات اعتبرها ناشطون دعوة مباشرة لإحياء خطاب الانقسام والتحريض. وكتب معلّقون أن ما ظهر هو “انحرافٌ عن قيم الثورة السورية الأولى” وتقويض لمبدأ المواطنة الذي تسعى البلاد لترسيخه، مطالبين بضرورة التصدي لمظاهر التحريض ومنع انتشارها في المجال العام. ويرى ناشطون أن هذه المشاهد لا تعبّر عن المزاج العام للسوريين، بل تعكس توترات اجتماعية وسياسية موروثة من سنوات الحرب والانقسام، تحوّلت لدى بعض الأفراد إلى قابلية لاستحضار الكراهية بدلاً من التوجه نحو المصالحة.
كما استعاد عدد من المتفاعلين أحداث العقد الماضي بوصفها دليلاً على النتائج المدمّرة لخطاب التعبئة الطائفية، محذّرين من أن التساهل مع انتشار تلك الشعارات، حتى وإن جاءت في سياق سياسي أو احتفالي، قد يهدّد أي مسار لبناء الثقة بين مكوّنات المجتمع السوري. وفي مقابل دعوات رسمية للاحتشاد، برزت أصوات مضادّة طالبت بإجراءات واضحة للحد من خطاب الكراهية، وتوسيع مساحات الحوار الوطني، بدلاً من العودة إلى أدوات الاستقطاب التي رافقت مراحل الصراع السابقة.
خطاب منقسم ومسؤولية رسمية
وقال عبد الحليم سليمان؛ صحافي ومحلل سياسي من القامشلي، لـ”العربي الجديد”، إن مختلف المكوّنات السورية “رفضت الظلم الذي مارسته الأنظمة السابقة، ورفعت شعارات الحرية والعدالة، لكن سنوات الحرب الطويلة أفرزت تناقضات اجتماعية غذّتها السلطة والأجهزة الأمنية، ثم جاء داعش وتيارات الإسلام السياسي لتكرّس الانقسام”. وأضاف: “بهذا تحوّلت الخلافات السياسية إلى شتائم وأحقاد، وأصبح جزء من المجتمع بيئة حاضنة لخطاب الكراهية”.
وأشار سليمان إلى أن الحكومة الانتقالية “فشلت في تعزيز الثقة بين السوريين منذ تشكيلها”، معتبراً أن مؤتمر الحوار الوطني والإعلان الدستوري “لم يكونا شاملين ولا قادرين على توحيد الشارع”، ما فتح الباب أمام دعوات إقصائية توظّف الهويات القومية والدينية بصورة خطيرة. وأضاف: “اليوم نرى سبُاباً للعلويين والدروز والكرد وهجمات لفظية بحق المسيحيين، مقابل تسويق هوية طائفية أحادية بوصفها الأعلى قيمة. هذا جهل سياسي وتاريخي، وتقع على السلطات مسؤولية وقف هذه التجاوزات قبل أن ينفلت الوضع بالكامل”.
رمزية مهينة وخطاب عنصري
من جهته، رأى الكاتب والصحافي عمار ديوب، من حمص، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن رفع صندوق “البويا” في إحدى التظاهرات بوصفه رمزاً ساخراً من الأكراد، يُعدّ “تصرّفاً مهيناً ودلالةً خطيرةً” تعكس نظرة فوقية تُنزع فيها المواطنة عن فئة كاملة من السوريين. وقال ديوب: “ملايين السوريين عاشوا ويعيشون من مهن بسيطة مثل البويا وغيرها. السخرية من مهنة تعني السخرية من الفقراء. والأكراد مواطنون كاملو الحقوق. أي خطاب يميز بينهم وبين غيرهم هو خطاب عنصري لا يؤسس لدولة، بل لصراع دائم”.
وأشار إلى أن “استسهال التطاول على فئات قومية أو اجتماعية يعيد إنتاج بنية سياسية قائمة على التفوق العرقي والعقائدي”، مضيفاً: “كان يجب إدانة ما جرى رسمياً، لا التغاضي عنه. فالكراهية تبدأ بإشارة رمزية صغيرة، ثم تنتشر كالنار. وما يجري ليس ضد الأكراد فقط، بل ضد 90% من السوريين الفقراء”.
المصدر العربي الجديد