تحقيق: عامر مطر
مقدمة
منذ تأسيس شعبة المخابرات العسكرية السورية بشكلها المعروف عام 1969 كخليفة للمكتب الثاني الذي تعود جذوره لفترة الانتداب الفرنسي، شكّلت فروعها المنتشرة في البلاد شبكة متماسكة لإدارة الخوف والرقابة والعقاب، حيث كانت تعمل بتسلسل هرمي دقيق يربط بين القيادة العامة ودوائر القرار الأمني والسياسي في الدولة. ومع اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس عام 2011، لم تنهَر هذه المنظومة كما توقّع كثيرون، بل أعادت تنظيم نفسها لتتحوّل إلى آلة قتلٍ بيروقراطية تدير الموت كما تُدار أي إدارة حكومية: بالأوامر، بالجداول، و بالأختام الرسمية.
في صميم هذه المنظومة برز الفرع المعروف رسمياً باسم “الفرع 215” التابع لشعبة المخابرات العسكرية1، والذي تُشير وثائقه الداخلية إلى تسميات متعدّدة تعكس طبيعته المزدوجة: “الوحدة 215″ في الإطار التنظيمي العسكري، و”سرية المداهمة” في الاستخدام الميداني العملياتي. عكس هذا التنوّع في التسمية الدور المتحوّل للفرع بين كونه جهاز تحقيق أمني وبين كونه وحدة قتالية مسؤولة عن المداهمات والاعتقالات في دمشق وريفها.
ارتبط “الفرع 215” إدارياً وتنظيمياً بشعبة المخابرات العسكرية – وزارة الدفاع السورية، وكان يقع في المربع الأمني في حي كفرسوسة جنوب غربي دمشق، على مقربة من مقار أمنية أخرى تتبع لشعبة المخابرات العسكرية ومنها الفروع “248” و”293″ و”227″. أتاح هذا الموقع للفرع أن يعمل داخل النواة الصلبة للمنظومة الأمنية، ويشكّل حلقة مركزية في دورة الاعتقال والتحقيق والإخفاء التي تغطي العاصمة ومحيطها. في الوقت ذاته، ارتبط الفرع بخط مباشر مع مشفى يوسف العظمة العسكري والمعروف باسم مشفى 601 العسكري الكائن في منطقة المزة، والذي كان يُستخدم كمحطة طبية شكلية تمرّ عبرها جثث القتلى في المعتقلات لتُسجّل كوفيات نتيجة أسباب طبية عامة، قبل تحويل أوراقها الإدارية إلى “الفرع 248” حيث يغلق الملف رسمياً. هذا التقاطع بين الفروع والمشافي العسكرية2 ومقر الشرطة العسكرية في القابون، شكّل ما يمكن تسميته بـ “البنية الإدارية للقتل تحت التعذيب ونتيجة ظروف الاعتقال السيئة”.
يقدم هذا التحقيق دراسة حول الفرع 215 والمعروف باسم سرية المداهمة من خلال تحليل لآلاف الصفحات والوثائق والبيانات الرقمية والورقية ذات الصلة بـ “الوحدة 215”. هدفه تقديم صورة مؤسساتية ومسّجلة لآليات الاعتقال، التحقيق، التصفية، والإخفاء التي عملت داخل الفرع، وربط هذه الممارسات بسلسلة القيادة والهيكل الإداري للدولة.
اعتمد البحث منهجاً مزدوجاً: قراءة وصفية للأقسام والوظائف والبُنى التقنية داخل الفرع، وتحليلاً حقوقياً قضائياً يترجم الوثائق إلى دلائل مسؤوليّة. يُقسم البحث إلى أجزاء متكاملة تجمع بين السرد الوثائقي، التحليل الكميّ الإحصائي، والخرائط الإجرائية التي تُظهر كيف صُنعت الجريمة على مستوى البيروقراطية. ويهدف البحث في النهاية إلى تحويل الذاكرة إلى دليل قابل للاستخدام في المساءلة والعدالة.
يسعى متحف سجون سوريا من خلال هذا العمل إلى تثبيت الذاكرة وتقديم مادة يمكن الاستناد إليها قانونياً وأرشيفياً، من خلال شرح منهجية الجرائم التي ارتُكبت داخل “الفرع 215″، والخلفيات البيروقراطية التي نظمتها. فالمسؤولية هنا ليست على الأفراد فحسب، بل على النظام الذي أنشأ هذا الفرع، نظّمه، موّله، ووثّق قتلاه بأرقامه الرسمية.
تمهيد
يتوزّع الفرع 215 على مبنيين متجاورين، شكّلا معاً مسرحاً للجرائم واسعة النطاق التي حدثت في عهد نظام الأسد. المبنى الأول يتألف من سبعة طوابق، شغلته مكاتب مشتركة بين عدة فروع تابعة لشعبة المخابرات العسكرية، وقد ضمّ طابقُه السابع سجن الوحدة المخصص للتوقيف والتحقيق، إلى جانب مكاتب الذاتية والأمانات. أما قبو المبنى ذاته فاستُعمل كسجن تابع لـ “الفرع 248″، ما يعكس التشابك الجغرافي والتنظيمي بين الفروع داخل المربع نفسه. أما المبنى الثاني، الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة، فقد ضمّ مستوصفاً طبياً وقاعات مخصّصة للتحقيق، وسجناً آخر في الطابق السفلي، إضافة إلى مكتبات أرشيف واسعة تحتوي على ملايين الوثائق الورقية الخاصة بالشعبة، ما جعله مركزاً رئيسياً لحفظ البيانات الإدارية والملفات الأمنية.
تُظهر السجلات التي اطّلع عليها وحللها الباحث وفريق الرصد أن “الفرع 215”3 كان أحد أكبر وحدات الشعبة من حيث التعداد والهيكلية، حيث ضم حوالي ألفي عنصر ما بين ضباط وصف ضباط ومجندين وموظفين إداريين، موزّعين على تسعة أقسام رئيسية تشمل التحقيق والمعلومات والمتابعة والشؤون الإدارية والفنية، إضافة إلى خمس سرايا ميدانية كانت تعمل في أحياء دمشق وريفها وتنفّذ مهام أمنية وقتالية. هذه البنية لم تكن تقنية أو إدارية فحسب، بل مصمّمة بدقة لتأمين السيطرة الكاملة على دورة العنف: من لحظة الاعتقال، إلى التحقيق، إلى التوثيق، فالإخفاء.
تُظهر البيانات المستخلصة من مقارنة جداول الوفيات الرسمية4 لفروع المخابرات العسكرية أن “الفرع 215” كان ثالث أكبر المصادر من حيث عدد حالات القتل تحت التعذيب، أو الوفاة نتيجة الإهمال داخل الشعبة بعد “الفرع 227” وفرع فلسطين “235”. فقد تم توثيق أكثر من 1530 حالة وفاة بالاسم والتاريخ بين عامي 2011 و2020، معظمها خلال ذروة العنف الأمني بين 2012 و2014، كما يُظهر التحليل الزمني أن أكثر من ثلثي الضحايا قُتلوا خلال أقل من ثلاثين يوماً من تاريخ توقيفهم، ما يعني أن الوفاة لم تكن نتيجة إهمال أو ظروف احتجاز قاسية فحسب، بل جزءاً مدمجاً في وظيفة الفرع نفسها.
تؤكد الوثائق أن “الفرع 215” لم يكن وحدة معزولة عن غيره، بل جزءاً من شبكة مترابطة تضم الفروع “227” (دمشق وريفها والمعروف باسم فرع المنطقة)، “235” (فلسطين)، و”248″ (التحقيق المركزي)، إضافة إلى الشرطة العسكرية والمشفى العسكري “601”. والتي كوّنت معاً سلسلة إدارية مغلقة أُديرت فيها حياة المعتقل حتى مماته من خلال المسارات نفسها، واللغة نفسها، والنماذج نفسها.
أما على المستوى البنيوي، فتُظهر السجلات التنظيمية أن الفرع عمل ضمن هرم إداري منضبط: على رأسه قائد برتبة عميد ركن، عاونه نائب، ثم مدراء أقسام متعددة يشرف كل منهم على شُعب صغيرة يرأسها ضباط من رتب متوسطة. القرارات وُقّعت عبر سلسلة واضحة، ورُفعت التقارير دورياً إلى الشعبة، ما جعل فصل الانتهاكات عن القيادة العليا أمراً مستحيلاً. هذه البنية هي التي حوّلت الموت من نتيجة إلى إجراء رسمي، ومن فعل ميداني إلى قرار إداري موثّق.
يُظهر التحليل الفني للوثائق بأن الفرع يمتلك منظومة تقنية متقدمة نسبياً مقارنة ببقية الفروع الأمنية، من أجهزة حواسيب وشبكات أرشفة رقمية، طابعات حديثة، وحدات مراقبة داخلية، ونظم متابعة إلكترونية استُخدمت لتسجيل التحقيقات وتنظيم الملفات. هذه البنية التقنية، التي يُفترض أنها مخصّصة “لتنظيم العمل”، تحولت فعلياً إلى آلية دقيقة لتوثيق الجريمة. الجداول الإلكترونية التي تحمل عناوين مثل “قوائم الوفيات” و“جداول التسليم والاستلام” و“أرشيف الأرشفة اليومية” تمثل جميعها أدلة على أن الموت كان يُدار كإجراء مكتبي ضمن دورة العمل اليومية.
جغرافياً، فقد غطت منطقة مسؤولية الفرع قلب العاصمة السورية، وشملت أحياء مثل المزة، كفرسوسة، دمر، التضامن، اليرموك، برزة، وصولاً إلى محيط داريا والقدم. هذا الانتشار الواسع جعل من الفرع مركز تنسيق أمني رئيسي، تستقبل أقسامه المعتقلين من مختلف الجهات العسكرية والأمنية، وتوزّعهم لاحقاً على فروع أخرى أو تحتفظ بهم داخل مقارّها للتحقيق والتصفية. وتبيّن المقارنة مع بقية الفروع أن “الفرع 215” شكّل ما يشبه غرفة عمليات مركزية للاعتقال والإخفاء في دمشق، إذ شكّل حلقة الوصل بين أوامر القيادة العليا في الشعبة وبين التنفيذ الميداني الذي تولّته سراياه القتالية.
على الصعيد التقني، فقد أنشأت الوحدة ما يمكن تسميته بـ “البنية التكنولوجية للرقابة”، وضمت مكاتبها منظومات تتبّع إلكترونية قادرة على مراقبة الاتصالات وتحليل البيانات وتحديد المواقع الجغرافية للأفراد، عملت بالتنسيق بين أقسام التتبُّع الإلكتروني ومكتب المتابعة والدوريات الميدانية. وقد راقبت فعلاً ملايين الاتصالات وسجلتها، واعتقلت آلاف المدنيين والعسكريين من خلال هذه العملية.
هذه البنية سمحت بخلق فضاء استخباري مغلق حول العاصمة، حيث يُمكن للوحدة تعقّب الهواتف، اعتراض البريد الإلكتروني، ومتابعة تحركات المطلوبين دون الحاجة إلى أوامر قضائية أو إشراف خارجي. بهذا الشكل، تحوّلت الرقابة الرقمية إلى امتدادٍ للرقابة الميدانية، وجزءٍ من آلية الاعتقال الاستباقي.
تُبرز هذه النتائج أن ما جرى داخل “الفرع 215” لا يمكن تفسيره بوصفه تجاوزاً فردياً أو انحرافاً مهنياً، بل هو نموذج مصغّر عن كيفية اشتغال الدولة الأمنية السورية باعتباره منهجاً تم تنفيذ كافة الأعمال الأمنية وما تلاها من نتائج وفقه. فكل رقم في الوثائق هو اسم ضحية موثّق، وكل توقيع هو دليل على أمر صادر من داخل التسلسل الرسمي للدولة. بهذه المعاني، لا يقدّم هذا البحث مجرد عرض لأرقام أو شهادات، بل يُظهر كيف صاغت الدولة نفسها نظاماً لتصنيع الموت، تديره بعقل أمني/إداري دقيق وبوسائل قانونية شكليّة.
الفصل الأول: البنية المؤسساتية
مثّلت “الوحدة 215” إحدى الركائز الأساسية في منظومة شعبة المخابرات العسكرية، وهي وحدة ذات طبيعة مزدوجة جمعت بين المهام الأمنية الميدانية والوظائف الإدارية المركزية داخل العاصمة دمشق. ولفهم دورها كأداة رئيسية في إنتاج المراقبة والقمع والقتل، لا بد من تفكيك بنيتها المؤسسية التي جمعت بين عنصرين متكاملين: الهيكل البشري والإداري من جهة، والبنية التقنية والمعلوماتية من جهة أخرى.
فمن خلال مراجعة الوثائق الصادرة عن الوحدة خلال الأعوام التي سبقت اندلاع الثورة السورية وما تلاها، يتّضح أن عملها لم يقم على الارتجال أو على طابع عسكري صرف، بل استند إلى نظام بيروقراطي شديد التنظيم، شمل توزيعاً دقيقاً للمهام بين مكاتب القيادة، والمتابعة، والتوثيق، والتحليل، إلى جانب شبكة واسعة من العناصر والمخبرين والكتَبة والفنيين. هذه البنية الإدارية ليست مجرد إطار تنظيمي، بل مثّلت في جوهرها أداة إنتاج للسلطة، حيث تُحوَّل المعلومات الميدانية إلى قرارات تنفيذية وملفات قضائية وشبكات مراقبة متشابكة.
في المقابل، شكّلت البنية التقنية والمعلوماتية للوحدة ذراعها الخفية، إذ طوّرت منذ منتصف العقد الأول من الألفية نظاماً متقدّماً في الرصد والتتبع يشمل مراقبة الاتصالات، حفظ الأرشيفات الرقمية، وإدارة قواعد بيانات ضخمة تربط بين أسماء المطلوبين، تحركاتهم، وأملاكهم. وبذلك أصبحت “الوحدة 215” مختبراً إدارياً لتقنيات المراقبة الحديثة في سوريا.
يهدف هذا الفصل إلى تحليل هذه البنية المؤسسية من منظورين متكاملين:
(أ) الهيكل البشري والإداري الذي يوضح تسلسل القيادة، توزيع الصلاحيات، وآليات اتخاذ القرار.
(ب) البنية التقنية والمعلوماتية التي تبيّن كيف استُخدمت أدوات التتبع والأرشفة والاتصال في إنتاج المراقبة بوصفها ممارسة سلطوية يومية.
أ- الهيكل الإداري والقيادي
يقع على رأس الهيكل قائد “الوحدة 215″، وهو المسؤول الأعلى الذي يجمع بين السلطة الإدارية والعملياتية. تحت قيادته المباشرة يعمل فريق مكتب القائد الذي يُعتبر مركز القيادة اليومي، ويضم مدير المكتب ومكتب المتابعة الإدارية والأمنية. هذا المكتب هو نقطة الاتصال بين القائد وسائر الأقسام، ومن خلاله تمرّ المراسلات والتعليمات وتُعتمد الجداول وتُرسل التقارير. جميع الوثائق المتعلقة بالتحقيقات، الوفيات، التحركات الميدانية، والمراسلات مع الشعبة، تمرّ عبر هذا المكتب الذي يمثل عقل القيادة التنفيذية للفرع.
يتكوّن الهيكل الداخلي للوحدة من مجموعة أقسام رئيسية تشكل جسد النظام الأمني. في المقدمة يأتي قسم الديوان، الذي يُعد القلب الإداري والتنظيمي للفرع. فيه تُكتب المراسلات الرسمية، وتُحفظ الملفات، وتُدار شؤون الأفراد. يضم القسم مكاتب متعددة منها الذاتية، المراسلات، الطباعة والفاكس، وصالة الأرشفة الضوئية، إضافة إلى مكتب التدريب ومكتب التتبع ومنظومة المراقبة وشعبة الحزب المسؤولة عن المتابعة السياسية والفكرية للعناصر. هذه الشعبة، رغم طابعها الحزبي، تؤدي وظيفة رقابية أمنية داخلية، تضمن ولاء العاملين للسلطة المركزية.
أما قسم المعلومات، فهو الجناح التحليلي للفرع، المسؤول عن جمع البيانات الأمنية وتحليلها. يتفرع هذا القسم إلى مكاتب متابعة وأرشفة وطباعة وذاتية، ويعمل كغرفة رصد استخباري تغذّي الأقسام الأخرى بالمعلومات. الوثائق التي فُحصت تُظهر أن هذا القسم يستخدم تقنيات أرشفة رقمية ويُدخل البيانات عبر منظومات حواسيب متعددة، ما يجعله قاعدة بيانات مركزية ضمن الفرع.
القسم الثالث، وهو قسم مكافحة الإرهاب، يُعتبر الأكثر نشاطاً ميدانياً، ويشمل مكتباً للتحقيقات وغرفة عمليات داخلية وصالة لإدخال البيانات، إضافة إلى مفرزة السجن التي تدير المعتقلين. هنا تتقاطع وظائف الملاحقة والتحقيق والتوقيف، ويظهر الطابع العملي المباشر للفرع. كما أن وجود مكاتب مثل “قلم التحقيق العسكري” و”الفيش الأمني” يشير إلى أن هذا القسم كان مسؤولاً عن التحقيقات الأولية التي كثيراً ما تنتهي بالعنف والتصفية.
في حين أن القسم الفني بدوره يؤمّن البنية التحتية التكنولوجية للوحدة. يحتوي على منظومة الإشارة، المقسم، أنظمة الاتصالات، تجهيزات الحواسيب والكاميرات والطابعات. من خلال هذا القسم تُدار الشبكات الداخلية والاتصال بين المفارز والسرايا.
أما قسم الشؤون الإدارية، فيمثّل الجهاز اللوجستي الذي يضمن استمرار العمل اليومي. يشمل مستوصفاً طبياً، استعلامات، مهمات5، صالة حلاقة، مصبغة، ثكنة، مستودعات أسلحة، ومحطة. هذا القسم يُظهر كيف بُني الفرع كمنظومة مغلقة مكتفية ذاتياً، قادرة على العيش والعمل بمعزل عن أي دعم خارجي. تتقاطع فيه الحياة العسكرية بالخدمات المدنية.
في حين أن السرايا القتالية الخمس شكّلت العمود الفقري التنفيذي لـ “الوحدة 215″، وهي وحدات مسلّحة منظّمة تُنفّذ الإجراء الأمني الميداني وتربط بين القرار الإداري والتنفيذ على الأرض؛ الأولى: هي سرية المداهمة، النواة العملياتية التي تتولّى تنفيذ مداهمات الاعتقال السريعة في دمشق وريفها (المزة، كفرسوسة، دمر، المعضمية…) وتعمل بتوجيه مباشر من قائد الفرع أو رئيس قسم العمليات، وغالباً ما تكون طرف التنسيق مع فروع أخرى؛ الثانية: سرية المفارز والحراسة المسؤولة عن إقامة الحواجز الدائمة والمؤقتة وتأمين المقارّ الحسّاسة (مبانٍ حكومية، مؤسسات إعلامية، نقاط اتصال) ومهمة رصد الحركة والقبض على المطلوبين عند نقاط التفتيش؛ الثالثة: سرية المتطوعات وهي وحدة نسائية متخصّصة في عمليات التفتيش والتعامل مع الموقوفات والمهام الاستخبارية المتعلقة بالنساء، وتُستخدم كذلك في مهام رقابية داخلية حيث يكون الحضور النسائي مطلوباً؛ الرابعة: سرية الخدمات والدعم اللوجستي التي تؤمّن النقل والإمداد ونقل المحتجزين والمعدّات، وتدير المستودعات والمحطات اللوجستية وتحافظ على قدرة السرايا القتالية على الحركة والتنفيذ؛ والخامسة: سرية الهندسة والمسح الميداني المتخصّصة في كشف المتفجرات والمسوحات الوقائية والتعامل الهندسي مع الأجسام المشبوهة، وتعمل يومياً على تقليل مخاطر الحوادث وتمكين العمليات في المناطق العامة والحسّاسة. هذا التوزيع الوظيفي يجعل من “الوحدة 215” وحدة متكاملة تجمع بين قدرات اعتقالية قتالية، شبكة مراقبة واستطلاع، وبنية لوجستية وفنية تدعم تحويل الأوامر البيروقراطية إلى أعمال ميدانية منتظمة.
إلى جانب تلك السرايا تنتشر مفارز ميدانية عديدة لحماية منشآت حيوية: السفارات (العراقية، المصرية، العمانية، وغيرها)، الوزارات، مجلس الوزراء، المؤسسات الإعلامية الرسمية كوكالة سانا والتلفزيون السوري والإخبارية، فضلاً عن مواقع ثقافية مثل دار الأوبرا وجامعة دمشق والمشافي العامة. المفارز الخاصة بالوحدة نفسها، والتي تضم 58 عنصراً، تتولى حماية المبنى من الداخل والخارج، ما يدل على درجة عالية من الانغلاق الأمني والانضباط الداخلي.
تُظهر سجلات التسليم والتجهيز أن البنية التقنية للوحدة متقدمة ومتشعّبة. إذ توزعت أكثر من 90 محطة حاسوب ولابتوب من أنواع متعددة، إلى جانب منظومات مراقبة وكاميرات واتصالات داخلية. هذه التجهيزات، بحسب الوثائق، مخصصة لأقسام الهندسة والتحقيق والإشارة والأرشفة، وتُستخدم أيضاً في “منظومات الاختراق والتتبُّع” التي تدير مراقبة الاتصالات والإنترنت. وجود شرائح اتصال خاصة وأجهزة UPS وأنظمة مراقبة داخلية يعني أن “الفرع 215” كان يمتلك شبكة معلومات مستقلة، وهو ما يتوافق مع طبيعة عمله كجهاز أمني يتعامل مع قضايا حسّاسة.
أما المهام التشغيلية الفعلية للفرع، فتغطي نطاقاً واسعاً من دمشق ومحيطها. تشير التعميمات الأمنية المؤرّخة حتى كانون الأول/ ديسمبر 2020 إلى انتشار ميداني في أحياء المزة، المعضمية، دمر، كفرسوسة، خلف الرازي، الأمويين، الربوة، والفحّامة. كما تنصّ على تنفيذ مهام قتالية دعماً للفروع الأخرى مثل “219” في حماة، و”261″ في حمص، إضافة إلى مناطق بيت سحم وبرزة والسويداء. هذه المهام تشمل الملاحقة الميدانية، جمع المعلومات، والتحقيق مع الموقوفين المحالين من فروع أخرى، إلى جانب مراقبة الفعاليات الدينية والثقافية والرياضية ضمن مناطق الانتشار، وإجراء مسوحٍ هندسيةٍ لرصد العبوات والأجسام المشبوهة. كل ذلك يبرهن أن “الفرع 215” لم يكن وحدة تحقيق فقط، بل منظومة أمنية–عسكرية شاملة تمتد من الشارع إلى المكتب، ومن الزنزانة إلى شبكة الاتصالات.
من حيث التعداد البشري، تُظهر الجداول الرسمية أن القوة العاملة داخل الفرع بلغت نحو 1897 عنصراً، موزّعين على أقسامه وسراياه. ضمّ قسم الديوان 124 عنصراً، قسم المعلومات 171، مكافحة الإرهاب 49، التحقيق 53، الهندسة 45، الشؤون الإدارية 113، الشؤون الفنية 135، سرية المفارز والحراسة 409، والسرايا القتالية 792 عنصراً. هذه الأرقام، الموثّقة إدارياً، تُظهر أن الفرع لم يقتصر على بضعة ضباط محققين، بل ضم جهازًا إدارياً–عسكرياً متكاملاً، مع منظومة قيادة وإدارة وخدمات وتشغيل.
إنّ قراءة هذا الهيكل التنظيمي لا تكشف فقط عن القوة المادية للوحدة 215، بل عن طبيعة النظام الذي أنتجها. فالتنظيم المفرط، والانضباط البيروقراطي، والتكامل بين الأمني والإداري، كلّها عناصر تؤكد أن الفرع لم يكن شاذّاً داخل الدولة، بل تجسيداً لطريقتها في العمل. من خلاله، يمكن رؤية كيف تتحوّل البنية المؤسسية إلى أداةٍ للقتل، وكيف يصبح المكتب والسجل والختم عناصر في مسرح الجريمة نفسها. “الفرع 215″، كما يظهر من وثيقته التنظيمية، ليس فقط فرعاً أمنياً، إنه صورة الدولة عندما تتحول بالكامل إلى جهاز مراقبةٍ وسجنٍ مغلق، يعمل بدقةٍ وفعاليةٍ ودمٍ بارد، تحت راية القانون وشعار الجمهورية.
وتوثّق الجداول الإدارية أسماء عدد من الضباط والإداريين الذين عملوا في هذه الأقسام، من بينهم:
- العميد شفيق يوسف – قائد الفرع حتى منتصف عام 2013.
- العميد سامر العلي – قائد الفرع بين 2013 و2015.
- العقيد علي خلوف – قائم بالأعمال في أواخر 2015.
- العميد الركن أسامة صيوح – قائد الفرع حتى عام 2023.
- العميد الركن حسام سبوع – المكلف بتسيير أمور الوحدة حتى تحريرها آخر عام 2024.
جداول الهيكل التنظيمي للوحدة 215 (سرية المداهمة):






1. القيادة والإدارة العامة
| المكوّن | الوصف | المهام الأساسية |
| قائد الوحدة (عميد ركن) | يتبع إدارياً لشعبة المخابرات العسكرية، ويتلقى توجيهاته من مكتب الأمن الوطني | الإشراف العام، إصدار الأوامر، المصادقة على التحقيقات |
| مكتب القائد | يضم مدير المكتب ومكتب المتابعة الإدارية والأمنية | تمر عبره جميع المراسلات، الجداول، والتقارير |
| السكرتاريا الأمنية | تنظيم البريد الرسمي والمراسلات | إدارة الاتصال الداخلي بين الأقسام |
| وحدة الارتباط العملياتي | حلقة وصل مع القيادة المركزية والفروع الأخرى | التنسيق الميداني بين دمشق والفروع الرديفة |
2. الأقسام التنفيذية
| القسم | الوظيفة | الملاحظات |
| التحقيق (السرّي) | التحقيق مع المعتقلين داخل غرف مغلقة | يعمل مباشرة تحت إشراف القائد |
| العمليات والمفارز | إدارة المفارز الميدانية في دمشق وريفها | مناطق النشاط: المزة، كفرسوسة، دمر، برزة، اليرموك |
| الحراسة والأمن الداخلي | حماية مبنى الفرع ونقاط التفتيش | مسؤولة عن الأمن الداخلي والخارجي |
| المعلومات والرصد الفني | جمع وتحليل المعلومات التقنية | يتعامل مع الاتصالات، الهواتف، الإنترنت |
| الأرشفة والتوثيق | حفظ ملفات التحقيق والوفيات | يعتمد منظومات رقمية متطورة |
3. السرايا القتالية
| اسم السرية | المهام الميدانية | الملاحظات |
| سرية المداهمة | تنفيذ الاعتقالات والمداهمات | تعمل بأوامر مباشرة من القيادة |
| سرية المفارز والحراسة | تأمين المقارّ والحواجز | تنتشر حول المنشآت الحكومية والإعلامية |
| سرية المتطوعات | تفتيش النساء والمهام الاستخبارية الخاصة | وحدة نسائية متخصصة |
| سرية الخدمات والدعم | النقل، الإمداد، إدارة المستودعات | تربط العمليات اللوجستية بالسرايا |
| سرية الهندسة والمسح الميداني | كشف المتفجرات والمسوحات الأمنية | تعمل يومياً في المناطق الحساسة |
4. الدعم الفني واللوجستي
| القسم / الوحدة | المهام | التجهيزات الموثقة |
| قسم الصيانة الفنية | صيانة كهربائية وحاسوبية | وحدات UPS، كاميرات مراقبة |
| مستودعات ومخازن | تخزين الأسلحة والمعدات | تديرها سرية الخدمات |
| منظومة المراقبة | مراقبة داخلية للأقسام | خاصة في غرف التحقيق |
| التجهيزات الحاسوبية | إدارة البيانات الرقمية | أكثر من 90 جهاز (Lenovo، Dell، Toshiba…) |
5. الارتباطات المؤسسية
| الجهة المرتبطة | طبيعة العلاقة | الغرض |
| الفرع 248 | إشراف وتحقيق مركزي | إحالة الملفات |
| الفرع 227 | أمن دمشق وريفها | تنسيق عملياتي |
| الفرع 235 (فلسطين) | تحقيقات خاصة | تبادل موقوفين |
| الفرع 261 (حمص) | دعم ميداني | تبادل عناصر |
| المشفى العسكري 601 | توثيق الوفيات ونقل الجثث | تغطية طبية إدارية |
| الشرطة العسكرية (القابون) | استلام الجثث والمعتقلين | مرحلة الإغلاق الإداري |
6. قسم المتابعة والأرشفة الأمنية
| المهام الأساسية | نوع الوثائق التي يديرها | المخرجات |
| أرشفة الوثائق اليومية | محاضر التحقيق، السجلات الطبية، قوائم الوفيات | تقارير دورية إلى رئاسة الشعبة |
| تتبع ملفات الموقوفين | حركة النقل، التحقيق، الوفاة | تحديث قاعدة بيانات الفرع |
| إعداد القوائم الرسمية | أسماء المتوفين والمحتجزين | إرسالها إلى القيادة العليا |
7. المهام التنفيذية وأدوار سلسلة القيادة
| المخرجات أو الخطوة التالية | الوظيفة / الدور | الجهة | المستوى |
| إرسال توجيهات إلى رئاسة الشعبة ومكتب الأمن الوطني | تحديد السياسات الأمنية والاستراتيجية العامة | القيادة العليا / قائد الشعبة | 1 |
| إصدار تعليمات تنفيذية إلى قائد الوحدة 215 | تفويض وتشغيل الخطط، اعتماد قوائم التوقيف والسياسات العامة | رئاسة الشعبة / مكتب الأمن الوطني | 2 |
| تمرير الأوامر إلى مكتبه للتوزيع على الأقسام | تنفيذ التوجيهات العليا عبر أوامر يومية مكتوبة | قائد الوحدة 215 | 3 |
| توزيع المهام على الأقسام التنفيذية | ترجمة الأوامر إلى تعليمات تفصيلية، المتابعة الميدانية والإدارية | مكتب قائد الوحدة | 4 |
| إنتاج ملفات تحقيق / قوائم موقوفين / تقارير ميدانية | تنفيذ المهام المتخصصة وفق نوعها:
• المعلومات والرصد الفني – جمع البيانات • التحقيق – استجواب الموقوفين • العمليات والسرايا – تنفيذ الاعتقالات • الشؤون الفنية – دعم تقني وأرشفة • الشؤون الإدارية – نقل ولوجستيات |
الأقسام التنفيذية | 5 |
| تسليم الموقوفين أو الجثث إلى الفرع أو المشفى العسكري | التنفيذ المباشر للمهام في الميدان: توقيف، تسليم، نقل | المفارز الميدانية ونقاط التفتيش | 6 |
| إرسال التقارير إلى الأرشفة أو الفرع 248 | التوثيق الطبي للوفاة / تثبيت السبب الرسمي | المستوصف / مشفى 601 | 7 |
| رفع تقرير إحصائي إلى القيادة العليا | اعتماد النتائج النهائية وإغلاق الملفات | قسم الأرشفة / الفرع 248 | 8 |
8. جدول ربط المهام بوحدات التنفيذ ونقاط القرار الإدارية:
| رقم | المهمة الرئيسية | الوحدة / القسم المسؤول عن التنفيذ | نقطة القرار / الجهة الموقّعة أو الآمرة | الأثر الإداري / الوثيقة الناتجة |
| 1 | الانتشار الأمني ونقاط التفتيش | قسم العمليات والسرايا القتالية، المفارز الميدانية | قائد الوحدة/ مكتب القائد (أوامر نشر) | قوائم نقاط التفتيش، تقارير دوريات يومية |
| 2 | الدوريات والملاحقة الميدانية | سرايا قتالية ومفارز أمنية | قائد الفرع/ رئيس قسم العمليات | محاضر ضبط، سجلات إيقاف |
| 3 | مهام قتالية ودعم فروع أخرى | سرايا قتالية (قوات دعم ميداني) | تعليمات من الشعبة → قائد الوحدة | أوامر تحريك عناصر، تقارير عمليات |
| 4 | تتبع اتصالات ومراقبة إلكترونية | قسم المعلومات والشؤون الفنية | مكتب المتابعة/ قائد القسم | سجلات تتبّع، تقارير فنية، إخطارات إحالة |
| 5 | التحقيق مع الموقوفين | قسم التحقيق (السرّي) | رئيس قسم التحقيق → مصادقة مكتب القائد | محاضر استجواب، تقارير تحقيق |
| 6 | التوثيق الطبي للوفيات | مستوصف الفرع/ المشفى العسكري 601 | توقيع الطبيب العسكري → إرسال إلى الأرشيف | شهادة وفاة، ورقة نقل حالة |
| 7 | إدارة الجثث ونقلها | وحدة النقل اللوجستي + مشفى 601 + الفرع 248 | قرار واعتماد من مكتب القائد → فرع 248 | قوائم تسليم ودفن، “إغلاق ملف” |
| 8 | إعداد دراسات استخبارية | قسم المعلومات والتحليل الأمني | رئيس القسم → إرسال إلى الشعبة | تقارير دورية، ملفات تحليلية |
| 9 | حماية منشآت حساسة | مفارز الحراسة والسرايا | تعليمات القائد → تقارير يومية | قوائم حماية، محاضر تأمين |
| 10 | المسح الهندسي ومكافحة المتفجرات | قسم الهندسة + فرق متخصّصة | نوبات ميدانية بموافقة قائد الوحدة | محاضر مسح، تقارير فنية |
ب- البنية التقنية والتجهيزات التشغيلية
شاع في التصورات العامة أن فروع المخابرات السورية عملت بأساليب بدائية، معتمدة على العنف المباشر فقط بدلاً من التنظيم أو التكنولوجيا. غير أن الوثائق الداخلية وسجلات التجهيزات الخاصة بالوحدة 215 تكشف صورة مغايرة تماماً، فخلف الجدران المعزولة، كان الفرع يمتلك بنية تقنية متماسكة وُضعت لخدمة ثلاث وظائف مترابطة: جمع المعلومات، إدارة المعتقلين وملفاتهم، وتثبيت الرواية الرسمية لما جرى لهم بعد الوفاة. هذه المنظومة التقنية لم تكن مجرد أداة مساعدة، بل جوهر العمل الأمني نفسه؛ إذ تربط بين المعلومة والقرار والتنفيذ، وتحول القمع من ممارسة عنيفة إلى عملية إدارية مؤتمتة، تُنظَّم فيها الحياة والموت عبر الشاشات والجداول والأختام الرسمية.
تُظهر سجلات الأجهزة أن الفرع يمتلك على الأقل واحداً وستين حاسوباً مكتبياً من أنواع مختلفة (Dell، HP، Asus، Fujitsu، وحواسيب تجميعية، وحواسيب محمولة)، موزّعة على أقسام أساسية مثل التحقيق، الأرشفة، الديوان، وقسم “الإرهاب”، إضافةً إلى ما لا يقل عن أربعٍ وخمسين شاشة عرض، وعشر طابعات من طرازات متعددة، وخمس أجهزة فاكس. هذا العدد الكبير والمتنوّع من الحواسيب والطابعات لا ينتمي إلى منطق “المكتب الإداري العادي”، بل إلى منطق مركز بيانات مغلق يستخدم الحوسبة لإدارة كمّ هائل من المعلومات: ملفات معتقلين، محاضر تحقيق، قوائم وفيات، مراسلات مع الفروع الأخرى والمشفى العسكري 601، ومذكرات إحالة واستلام وتسليم. وجود أقراص تخزين خارجية، وفق ما تظهره الوثائق، يدل كذلك على أن جزءاً من هذه البيانات، خصوصاً تسجيلات التحقيقات والاعترافات، كان يُحفظ ويُنقل على وسائط رقمية بشكل مستقل عن الملفات الورقية، بما يعزز قدرة الفرع على الاحتفاظ بالأدلة التي تخدمه، ومحو أو تعديل ما يضرّه.
في هذا السياق، يبدو “مركز المعلومات والأمن الرقمي” داخل الوحدة كقلب تقني حقيقي، يتعامل مع الحواسيب والبرامج وأنظمة التشغيل القديمة والحديثة، ويستفيد من التعاون مع قسم الإشارة في الشعبة لتشغيل برامج تتبُّع إلكتروني ومراقبة اتصالات، سواء للهاتف أو البريد الإلكتروني أو حركة الإنترنت. أدوات المراقبة والتتبّع هذه تمنح الفرع قدرة على تحويل كل نشاط اجتماعي أو سياسي أو حتى شخصي إلى مادة أمنية قابلة للتخزين والتحليل. هنا تظهر البنية التقنية كامتداد عملي لمنظومة السيطرة: تُنتج “خرائط” للمطلوبين، وتحدد أنماط الحركة، وتولّد قوائم اعتقال يمكن تنفيذها ميدانياً عبر السرايا والمفارز، ثم يُعاد إدخال نتائجها في النظام الرقمي نفسه عبر محاضر التحقيق والجداول اليومية.
إلى جانب ذلك، تكشف سجلات الفرع عن اعتماد كثيف على منظومة الطباعة والتوثيق الورقي–الرقمي. عشرات الطابعات وآلات التصوير والمحوّلات استُخدمت في طباعة محاضر التحقيق والاعترافات، وتجهيز كتب الإحالة إلى الفروع الأخرى، وصياغة مذكرات التوقيف، وتنظيم المراسلات مع الشرطة العسكرية والمشافي. كثافة حركة الورق هذه ليست تفصيلاً ثانوياً، فهي ما يحوّل التعذيب والقتل والإخفاء إلى معاملات موقعة مختومة يمكن أرشفتها وإعادة استدعائها عند الحاجة. تحديث هذه المعدات بشكل متكرر بين 2016 و2020، كما تشير سجلات الاستلام، يكشف أن النظام لم يعتبر هذه البنية “كمالية”، إنما استثماراً ضرورياً لاستمرار عمله القمعي، حتى في ذروة الأزمة الاقتصادية والحرب.
يندرج ضمن ذلك قسم كامل للأرشفة الرقمية، يظهر حضوره في وثائق مثل “دوام قسم الأرشفة” و”لوائح استلام الأجهزة”، ويبدو أنه المسؤول عن تخزين الملفات إلكترونياً باستخدام برامج مثل Excel وWord، وحفظ قوائم الموتى والمحتجزين، وتحديث جداول المتابعة اليومية، وربما إدارة خادم محلي بسيط لتبادل الملفات داخل الفرع. نمط تسمية الملفات كما تعكسه الوثائق – من قبيل “وفيات_215_شباط_2017.xlsx” – يدل على وجود نظام تسمية شبه مؤسسي يسهّل استرجاع البيانات عند الطلب، سواء لأغراض إدارية داخلية أو لإرسال تقارير مجمّعة إلى القيادة العليا. بهذا المعنى، لا تعمل الأرشفة الرقمية كخدمة ثانوية، بل كأحد أعمدة تحويل القتل إلى أرقام وجداول متكررة، يمكن تحليلها داخلياً واتخاذ قرارات على أساسها.
وتشير بعض الوثائق كذلك إلى وجود منظومة مراقبة وتسجيل بصري وصوتي: كاميرات داخلية في الممرات وبعض الغرف، أنظمة تسجيل صوتي أثناء التحقيق متصلة بالحواسيب، واستخدام الحواسيب المحمولة من قبل الضباط لتدوين ملاحظات أو تعديل محاضر التحقيق قبل طباعتها النهائية. هذه المنظومة تضيف طبقة أخرى من السيطرة: إذ لا يُراقَب المعتقلون فقط، بل يُراقَب سير العمل نفسه داخل الفرع، بما يضمن الالتزام بالتوجيهات ويمنع خروج الممارسة عن الإطار المطلوب. وجود أقسام صيانة متخصصة بأجهزة التحقيق والشبكات الداخلية يعكس أن هذه البنية التقنية كانت تُعامَل كبنية استراتيجية، تحتاج إلى جاهزية دائمة ودعم فني لحظي يضمن استمرار التسجيل والتوثيق دون انقطاع.
حين ننظر إلى هذه البنية من منظور حقوق الإنسان، يتضح لنا أن التقنية هنا ليست محايدة، بل متورطة في الجريمة منذ لحظتها الأولى حتى لحظة الإخفاء النهائي. الجداول الرقمية استُخدمت لتوثيق حالات الوفاة وتنسيق دفنها، بما في ذلك إدخال تواريخ مزيفة تجعل الوفاة أقدم من الاعتقال أو متزامنة معه، في سيناريوهات لا يمكن تفسيرها إلا بالقتل الفوري أو التلاعب الممنهج بالبيانات. مذكرات الإحالة المصاغة إلكترونياً أخفت ظروف الاعتقال والتعذيب، واستبدلتها بسرديات إجرائية مبهمة. التقارير التي رُفعت إلى القيادة الأمنية العليا صيغت بصيغة رقمية منضبطة، لكنها تجنّبت دائماً ذكر السبب الحقيقي للوفاة، مكتفية بمصطلحات عامة من نوع “توقف القلب” و”هبوط حاد”.
يقدّم الجدول الآتي عرضاً تحليلياً مبسّطاً للبنية التقنية داخل “الوحدة 215″، استناداً إلى الوثائق الإدارية ولوائح التجهيزات التقنية الصادرة عن الفرع. ويهدف هذا الجدول إلى توضيح كيفية تموضع الأقسام التقنية ضمن الهيكل الإداري والأمني للوحدة، والدور الذي تؤديه في تحويل التكنولوجيا إلى أداةٍ وظيفية داخل منظومة القمع.
فكل قسم من هذه الأقسام يمتلك وظيفة محدّدة ضمن دورة العمل الأمني: من جمع المعلومات وتحليلها، إلى تنفيذ عمليات الاختراق والتتبُّع، وصولاً إلى توثيق التحقيقات وترقيم الأرشيفات. كما يُظهر الجدول طبيعة الأجهزة المستخدمة، وتنوّع المخرجات الإدارية التي تنتج عنها، ما يسمح بفهم العلاقة المباشرة بين البنية التقنية والإنتاج البيروقراطي للعنف داخل الفرع.
| مخرجات/ وثائق مرتبطة | أمثلة التجهيزات المسجلة | الدور الأساسي | القسم/ المكوّن التقني |
| سجلات استلام/ تسليم، جداول صيانة | سِرفر داخلي، راوترات TP LINK، UPS | إدارة الشبكة، سيرفرات، توزيع الأجهزة والنسخ الاحتياطي | قسم المنظومة (البنية التحتية) |
| جداول بيانات وقوائم مشتبهين، تقارير تحليلية | حواسيب DELL /Lenovo، قواعد بيانات محلية | جمع/ تخزين/ تحليل البيانات الاستخباراتية | قسم المعلومات |
| سجلات عمليات، تقارير فنية، إخطار إحالة | حواسيب متطورة، ناسخات، أجهزة فاكس متقدمة | عمليات اختراق/استراق معلوماتي، تنصت رقمي | قسم الاختراق (Offensive) |
| سجلات تتبُّع، خرائط مسارات | لابتوبات بحزم تحديد موقع، شرائح اتصال مخصصة | تتبع جغرافي/ هاتفـي للأفراد والمركبات | قسم التتبع |
| محاضر استجواب رقمية، نسخ مسح ضوئي | حواسيب في غرف التحقيق، ماسحات ضوئية | توثيق التحقيقات رقمياً، معالجة أدلة رقمية | قسم التحقيق (تقني) |
| أرشيف رقمي، جداول دوام الأرشفة | ماسحات ضوئية، أقراص CD/DVD، نظم تخزين | رقمنة الوثائق وحفظها مؤمناً | قسم الأرشفة الضوئية |
| مقاطع فيديو، تقارير مراقبة | كاميرات زووم، أجهزة تسجيل مرتبط | تسجيل الفيديو والمراقبة المباشرة | منظومة المراقبة (كاميرات) |
| فواتير محابر، قوائم استهلاك | طابعات HP /Canon /Brother، أقراص CD | طباعة/ نسخ/ تخزين وسائط | أجهزة دعم (طابعات/ ماسحات) |
الفصل الثاني: التحليل المعماري لبناء الفرع
منذ بدء العمل على دراسة الوحدة 215، سعى فريق متحف سجون سوريا لتحديد المساحات والطوابق التابعة لها ضمن المربع الأمني، خاصة وأن مكاتبها الإدارية وزنازينها الانفرادية والجماعية توزعت على مبنيّن متجاورين.
1- البرج الطابقي
تشغل الوحدة 215 أو سرية المداهمة،الطابق السابع من بناء برجي داخل المربع الأمني في حي كفرسوسة، مؤلف من قبو وطابق أرضي تعلوه سبعة طوابق (بمجموع كلي يبلغ 9 طوابق) إضافة إلى مكاتب تتبع للوحدة 215 موزعة على طوابق المبنى المختلفة، بجوار مكاتب فروع أمنية أخرى تتبع شعبة المخابرات العسكرية ومنها الفرع 248.
ضمن هذا المبنى يأخذ القبو ومعه الطابقين الأرضي والأول شكل حرف (L) بحيث تبلغ مساحة كل طابق على حدة 1500 متراً تقريباً. يمتلك القبو تصميماً داخلياً مختلفاً، لأنه يضم عدداً كبيراً من المنفردات، ويتبع إدارياً إلى الفرع 248 وفق المعلومات التي جمعها المتحف حتى اللحظة.
أما بقية الطوابق (بدءاً من الطابق الثاني وحتى السابع) فتتشابه في تصميمها وتأخذ شكل مستطيل. تبلغ مساحة كلٍ طابق 1000 متر مربع، يضم 28 غرفة إلى جانب كتلتين من الحمامات، وكتلتين من الأدراج تربطه بالطوابق السفلى أو العليا.
تؤكد الشهادات التي جمعها المتحف أن الطابق السابع امتلك أهمية خاصة في هذا الفرع، إذ يضم 28 قاعة استخدمت للتحقيق أو غرف للضباط والعناصر، في حين ضم القسم الآخر زنازين ومهاجع جماعية. بدءاً من عام 2011 وما بعده، استقبل هذا الطابق معتقلين على خلفية اندلاع الثورة، بغرض التحقيق معهم قبل نقل بعضهم إلى مبنى آخر مجاور يتبع أيضاً للفرع 215، بعضهم كانوا نشطاء سياسيين أو صحفيين أو عاملين في المجال الإغاثي. ويبدو أن هذا الطابق لم يكن مستخدماً لاحتجاز المعتقلين في السنوات الأخيرة، إذ حولت زنازينه التي تحمل آثار كتابات المعتقلين على جدرانها إلى غرف أرشيف ومخازن للأضابير والوثائق المتعلقة بالفرع.

ضم الطابق السابع أيضاً مهاجع وزنازين متنوعة الأحجام، بعضها تتسع لعشرة معتقلين وصولاً إلى خمسين معتقلاً. كذلك ضم زنازين استخدمت لاحتجاز معتقلين لديهم أهمية خاصة بالنسبة للنظام، قد تكون نتيجة وساطة أو نتيجة أهمية قضيتهم ضمن اعتبارات ومعايير النظام السوري السابق. شغل إحدى هذه الزنازين معتقل لبناني متقدم في السن، بقي وفق شهادات عدد من الشهود معتقلاً لعقود في سجون النظام. وكان يتلقى معاملة مميزة، ومنح حرية حركة مقبولة ضمن الممرات، كما أنه امتلك تلفازاً واستطاع طهي طعامه بنفسه.
كذلك ضم الطابق الأول ضمن هذا البرج عدداً من المكاتب المتخصصة بأمن المعلومات، وكانت مهمتها اختراق حسابات النشطاء والمعتقلين على وسائل التواصل وبريدهم الالكتروني، ومراقبة ورصد اتصالاتهم، والتحقيق معهم بما يخص محتواها، وهو ما تؤكده الصحفية والمعتقلة السابقة زينة شهلا في شهادتها لمتحف سجون سوريا، حيث اضطرت لتسليم كلمات السر المتعلقة بحساباتها بعد تعذيبها من قبل المحققين.
تجدر الإشارة هنا إلى أن متحف سجون سوريا لم ينته حتى اللحظة من دراسة بقية طوابق هذا المبنى الضخم، وهي في معظمها تتضمن مكاتب إدارية تتصل بالمجالات المختلفة التي تقع في نطاق اختصاص الفرعين 215 و 248.
2- المبنى المتناظر
أما المساحة الثانية التي شغلتها الوحدة 215 بالكامل فهي عبارة عن مبنى مؤلف من أربعة طوابق (قبو، طابق أرضي وأول وثاني)، متناظر في الشكل يتوسطه مدخل يرتبط به درجان أيمن وأيسر. تبلغ مساحة كل طابق تقديرياً 1450 متراً مربعاً.
بعد صعود بضعة درجات عند المدخل الرئيسي للبناء، يصل المرء إلى المستوى الأرضي الذي يضم مكاتب المحققين وقاعات رحبة استخدمت لتعذيب وشبح (تعليق) المعتقلين نساء ورجالاً. ضم هذا المستوى أيضاً قاعات لحفظ الأمانات وهي المتعلقات الشخصية الموجودة مع المعتقلين، وعدة مهاجع استخدم بعضها لإيداع المعتقلين الذي اقترب وقت خروجهم من السجن. إلى جانب استخدامه الوظيفي المباشرة كمساحات تعذيب وتحقيق، يحقق هذا الطابق وظيفة أخرى تتعلق ببث الرعب بقلوب الداخلين الجدد إلى المبنى، خاصة وأنهم قد ينتظرون لساعات في مواجهة الحائط ضمن قاعة التعذيب الأساسية، بينما يسمعون أصوات التعذيب تتصاعد من حولهم، أو يرون من تحت عصابات عيونهم الآلية التي يتم شبح المعتقلين وتعليقهم وجلدهم، أمام زوجاتهم وأطفالهم في بعض الحالات، كما تشير بعض الشهادات.
أما الطابقين الأول والثاني فضما عدداً من المهاجع الجماعية ونستطيع القول وفق الشهادات التي جمعها المتحف حتى الآن أن بعض مهاجع الطابق الأول خصصت لاحتجاز النساء.
ويعد القبو أحد أهم أجزاء المبنى بما يخلقه من رهبة وضيق في نفوس المعتقلين الذين دخلوه، حيث احتوى كتلة مؤلفة من ثمانية منفردات، وبجانبها زنزانتين انفراديتين أكبر قليلاً مخصصة لاحتجاز أعداد قليلة من المعتقلين. إلى جانب ذلك احتوى أيضاً صفاً من ثمانية مهاجع جماعية، أطلق عليها السجانون اسم “مهاجع الخشب”، وفي مقابلها ثلاثة مهاجع أكبر حجماً سميت بـ “مهاجع الحديد”. مهاجع الحديد ضمّت وفق الشهادات معتقلين جهاديين، في حين ضمت مهاجع الخشب نشطاء ومقاتلين في فصائل المعارضة المسلحة وعناصر من تنظيم داعش وفق رواية الشهود.

القسم الآخر من القبو ضم مجموعات أخرى من المهاجع إلى جانب قاعة كبيرة أسماها المعتقلون “قاعة الرماية” (370 متراً مربعاً) استخدمت أيضاً كمهجع جماعي تجاوزت فيه أعداد المعتقلين أحياناً المئتين. إلى جانب الاحتجاز، استخدمت مساحات القبو لتعذيب المعتقلين وأفضت في حالات كثيرة إلى موتهم.
ورغم أن معظم قاعاته صُممت لتكون مهاجع حيث زودت أبوابها بأقفال محكمة وحمامات داخلية إلا أن السجانين استخدموا بعضها، وتحديداً تلك القريبة من المدخل، كقاعات استراحة خاصة بهم. بطبيعة الحال كانت ظروف الاحتجاز في مهاجع القبو أسوأ من غيرها بسبب القذارة والرطوبة ونقص التهوية. كما أن وجود المعتقلين “تحت الأرض” بعيداً عن ضوء الشمس فاقم من أوضاعهم النفسية الصعبة، ذلك أن عدداً من المعتقلين، وتحديداً المنقولين من الطابق السابع في المبنى المجاور إلى القبو في هذا المبنى، ذكروا أن لحظة نقلهم تلك سببت لهم انكساراً مضاعفاً وجعلتهم يفقدون الأمل بالخروج أحياء من السجن.
الفصل الثالث: بيروقراطية القتل
يكاد يكون الهيكل التنظيمي لـ “الوحدة 215” قد صمم تصميماً عملياً يُحوِّل القمع إلى نشاط إداري قابل للقياس والإدارة والمساءلة داخل أروقة الجهاز الأمني نفسه. أهم وظائف هذا التصميم هي:
أولاً– تجزئة العمل، تقسيم المهمة القمعية (الاعتقال/ إلقاء القبض ـ التحقيق ـ التعذيب ـ التوثيق ـ النقل ـ الإخفاء) إلى وحدات متخصصة (قسم التحقيق، قسم المعلومات، قسم الشؤون الفنية، قسم الأرشفة، السرايا القتالية، قسم الخدمات اللوجستية) يجعل كل عنصر مسؤولاً عن جزء صغير من العملية. تجزئة العمل هذه تخفّف الحِمل الأخلاقي عن عناصر الفرع كأفراد، وتحوّل الفعل العنيف إلى عمل ممنهج وخطوة روتينية ضمن سلسلة عملياتية، كما تخلق تمييزاً وظيفياً يسمح بتعميم المسؤولية داخل هرم مكتوب: أمرٌ من القائد، تنفيذٌ من قسم التحقيق، توثيقٌ من الأرشفة، تغطية طبية من المشفى 601، ونقلٌ من وحدة اللوجستيات. بهذا الترتيب، يصبح القتل أمراً منظّماً، ولا يُنظر إليه على أنه مبادرة فردية بل كجزء من دورة معالجة المعتقل.
ثانياً– تُرسّخ هذه البنية نظاماً إدارياً صارماً يوزّع السلطة والمسؤولية بدقة: وجود مكتب قائد واضح، سكرتاريا أمنية، ووحدة متابعة إدارية يعني أن القرار يُشرعن إدارياً قبل تنفيذه، والتفويضات مكتوبة ومؤرشفة. هذه الشرعية الإدارية (وقيود الأوامر، الأختام، نسخ المراسلات) تمنح العاملين إطاراً رسمياً للتصرف، وتُنتج ما يمكن تسميته “نظام الإدارة الداخلي” للقتل، أي إجراءات معيارية تُطبَّق بغض النظر عن طبيعة المعتقل. كل توقيع أو ختم في هذه السلسلة هو إذن ضمني ومباشر للاستمرار في الممارسة ذاتها، وهو ما يحد من إمكانية المعارضة الداخلية أو التدخّل القضائي داخل سيادة المؤسسة.
ثالثاً– توفر الأقسام الفنية والتقنية (الشؤون الفنية، منظومات الاتصالات، منظومات الاختراق، محطات الحاسوب والكاميرات) بنية معلوماتية متكاملة تجعل من الفرع مركزاً لجمع البيانات وتحليلها واستخدامها كذريعة للاعتقال أو كأداة لاستهداف أفراد أو جماعات. قدرات التتبُّع والاختراق والتحليل الرقمي تتيح استهدافاً مبرمجاً للمطلوبين، كما تضمن إنتاج “أدلة” إلكترونية تُستخدم في تبرير الاعتقال داخل القنوات الإدارية. كما أن الأرشفة الرقمية والضوئية تحوّل كل إجراء إلى أثر يمكن الرجوع إليه، ما يسهّل توجيه أوامر لاحقة أو إخفاءها بطرق منهجية (تعديل تواريخ، دمج سجلات، إلخ).
رابعاً– تعمل منظومة التوثيق والأرشفة (قسم الديوان، مكتب الأرشفة، صالة الأرشفة الضوئية، قسم المتابعة والأرشفة الأمنية) كـغطاء إداري يشرعن القتل بعد وقوعه ويحوّله إلى “بيانات مُغلقة”. توثيق التحقيقات، حفظ سجلات الاعتقال، إعداد قوائم الوفيات، وإرسال تقارير دورية إلى القيادة العليا يجعل من الموت حدثاً مُنظّماً يُغلق بالقيد الإداري: “إغلاق الملف” أو “الوفاة المعتمدة”. هذه الإجراءات الإدارية تُستخدم لاحقاً لتبرير غياب التسليم للعائلات أو لطمس عناصر الإثبات، الأرشيف الرسمي بالتالي لا يكشف الجريمة فحسب، بل يُستخدم كأداة لإحكامها قانونياً داخل منظومة الدولة.

طلب استلام جثة موقوف
خامساً– تؤمّن البنية اللوجستية والطبية (مستوصف الفرع، التعاون مع المشفى 601، وحدات النقل، مستودعات الأسلحة) الاستمرارية التشغيلية لعملية القمع. وجود مستوصف ومحطة نقل ومخازن داخلية يخفف الحاجة إلى إجراءات خارجية قد تكشف الأنشطة، ويُمكّن من تحريك الجثث بسرعة وتزوير الأسباب الطبية بصورة نظامية: “توقف القلب” كصياغة طبية مرنة تُغلق الملف رسمياً. تعاون المشفى 601 مع الأرشفة الأمنية يشكل طبقة إخفاء إضافية، إذ يتحول التوصيف الطبي إلى جزء من التقنين الإداري للقتل، ما يجعل من الطب أداةً في سلسلة الإخفاء بدل أن يكون سلطة رقابية مستقلة.
سادساً– تستخدم السرايا القتالية والمفارز المنتشرة في المدن آلية التفصيل المكاني: بوجود سرايا مسلحة مهيكلة وبمفارز ثابتة في سفارات ووزارات ومواقع إعلامية وثقافية، يصبح نشاط الفرع قادراً على فرض سيطرة مكانية مستمرة، تنفيذ مداهمات منظمة، وحجز الاعتقالات في نطاق جغرافي محدد قبل إدخالها في الدورة الإدارية. التوزيع المكاني يربط إدارة المعلومات بالميدان، فيُنتج شبكة تتبُّع وتنفيذ سريعة لا تترك مجالاً لردود فعل مدنية فعّالة، كما يُسهّل جمع الضحايا بكميات يمكن إدارتها لاحقاً كتابياً.
سابعاً– تخلق الآليات الإدارية مؤشرات أداء داخل الجهاز الأمني: هذه الآليات تُحوِّل سلوك الضباط من سلوك إنساني تجاه ضحايا، إلى التزام إداري خاضع للقياس. فبدل أن يُنظر إلى القتل بوصفه جريمة ضد بشر آخرين، يصبح جزءاً من منظومة تقييم الأداء، حيث يُقاس نجاح الضابط بعدد الملفات التي أغلقها، أو بعدد “الوفيات الموثّقة” في سجلاته. بهذه الطريقة، يتحول العنف إلى مهمّة مكتبية لها مؤشرات ومعايير، ويصبح القتل نفسه إنجازاً إدارياً يُكافأ عليه صاحبه.
ثامناً– تولّد البنية مساحةً واسعةً لـ “التكامل المؤسسي”: الاتصالات بين الفروع 215 و248 و293 والمشفى 601 والشرطة العسكرية تُنشئ حلقة تنفيذية وإدارية متكاملة؛ فالفرع ليس جزيرةً، بل عقدة مركزية في شبكة أوسع تُدير القمع من داخل بنية الدولة. هذا التكامل يقلّل من احتمالات التسريب أو التدقيق خارج مؤسسات الأمن، لأن كل المستويات مشاركة في التوثيق أو الإخفاء.
إذاً، تعمل البنية على إنتاج اللامساءلة المنظّمة من خلال خلق طبقات من التصديق والمصادقة: توقيع رئيس القسم، توقيع رئيس الفرع، اعتماد من الشعبة. كل طبقة تضيف غطاءً قانونياً داخلياً، ما يجعل المساءلة الفردية صعبة دون تتبُّع تسلسلي دقيق عبر المستندات نفسها. بعبارة أخرى، الممارسات البيروقراطية تُحوّل المسؤولية الفردية إلى مسؤولية نظامية مبهمة يصعب تجريدها في غياب محكمة أو تحقيق خارجي مستقل.
ما يظهر في صور ملفات “قيصر” التي سُرِّبت من داخل أجهزة النظام يقدّم دليلاً بصرياً إضافياً على هذا النهج الإداري في إدارة القتل. الأرقام المكتوبة على الجثث، والبطاقات المرفقة بكل جثمان، ليست علامات عشوائية، إنما امتداد مباشر لمنطق الترقيم والتوثيق الذي تكشفه وثائق الفرع 215. في تلك الصور، يتحوّل الجسد إلى رقم في سجل، والجريمة إلى عملية تصنيف إداري متقنة، تُدار بالكاميرا والورقة والختم. إنها الواجهة المادية للبيروقراطية القاتلة التي تحوّل الموت إلى بيانات، وتُعيد تعريف الإنسان داخل النظام الأمني كملف مغلق يحمل رقماً بدل الاسم.
الفصل الرابع: الوظيفة العملياتية: من المراقبة إلى السيطرة الميدانية
تُظهر الوثائق التي تم تحليلها أن المهام الميدانية لـ “الوحدة 215” لم تكن تُنفّذ ضمن نطاق “الأمن الداخلي” التقليدي، بل كانت جزءاً من منظومة سيطرة شاملة على العاصمة ومحيطها، تجمع بين القوة العسكرية والمراقبة الاستخباراتية والإدارة الأمنية. حيث تعمل الوحدة كذراع تنفيذية لشعبة المخابرات العسكرية في دمشق، وتُشكّل ما يمكن تسميته “الواجهة الميدانية للعقل الأمني للنظام”، إذ تتولى مهام الانتشار، الملاحقة، الحماية، والرصد وفق خطة تشغيلية مستمرة تغطي أكثر المناطق حساسية في العاصمة.
في المستوى الأول من الوظائف، تُمارس الوحدة ما يُعرف بـ الانتشار الأمني والسيطرة الميدانية، عبر شبكة كثيفة من الحواجز ونقاط التفتيش والدوريات الراجلة والمحمولة، تمتد عبر مناطق المزة، المعضمية، كفرسوسة، دمر، خلف الرازي، اللوان، الأمويين، الربوة، البرامكة، والفحّامة. هذه المناطق تمثل البنية السياسية والإعلامية للنظام السوري السابق ومراكز البعثات الدبلوماسية، ما يجعل وجود الفرع فيها أداة مراقبة مباشرة.
إنّ توزيع الحواجز هنا لا يهدف فقط إلى “ضبط الأمن”، بل إلى تطبيع المراقبة وتحويلها إلى جزء من الحياة اليومية للسكان، بحيث تتحول المدينة إلى فضاء مراقب تحكمه نقاط التفتيش أكثر مما تحكمه القوانين.
على المستوى الثاني، تمتد مهام الوحدة خارج العاصمة عبر شبكة من العمليات القتالية والتنسيق مع الفروع الأخرى. تشارك سراياها وعناصرها في مهام دعمٍ ميداني للفروع 219 في حماة، 227 فرع المنطقة بدمشق و261 في حمص، إضافة إلى انتشارٍ جزئي في برزة، بيت سحم، والجنوب السوري.
هذا الامتداد الميداني يُحوّل الفرع إلى قوة تدخّل سريعة عابرة للمحافظات، تُستخدم لسدّ الثغرات الأمنية أو دعم العمليات العسكرية ضد المناطق الخارجة عن السيطرة. بذلك، لا يقتصر دوره على التحقيق، بل يتوسع ليشمل الإسناد العسكري، ما يجعل الوحدة 215 صلة وصل بين جهاز المخابرات والجيش النظامي، وذراعاً تنفيذية مباشرة للقيادة الأمنية العليا.
أما على الصعيد التقني، فقد أنشأت الوحدة ما يمكن تسميته بـ “البنية التكنولوجية للرقابة”. تضم مكاتبها منظومات تتبُّع إلكترونية قادرة على مراقبة الاتصالات وتحليل البيانات وتحديد المواقع الجغرافية للأفراد، تعمل بالتنسيق بين أقسام التتبُّع الإلكتروني ومكتب المتابعة والدوريات الميدانية.
هذه البنية سمحت بخلق فضاء استخباراتي مغلق حول العاصمة، حيث يُمكن للوحدة تعقّب الهواتف، اعتراض البريد الإلكتروني، ومتابعة تحركات المطلوبين دون الحاجة إلى أوامر قضائية أو إشراف خارجي. بهذا الشكل، تحوّلت الرقابة الرقمية إلى امتدادٍ للرقابة الميدانية، وجزءٍ من آلية الاعتقال الاستباقي.
يتجاوز عمل الوحدة نطاق الأمن الوقائي ليشمل إنتاج المعرفة الاستخباراتية عبر إعداد دراسات وتحليلات دورية تُرسل إلى رئاسة الشعبة والفروع الأخرى. هذه التقارير لا تكتفي بتقييم الوضع الميداني، بل ترصد أيضاً الولاءات الاجتماعية والاقتصادية والدينية في مناطق الانتشار، وتحدد “مستويات الثقة” بالأهالي والعناصر، أي أنها تمارس وظيفة المسح الاجتماعي–السياسي للعاصمة.
تؤكد الوثائق أيضاً أن “الفرع 215” أشرف على حماية المنشآت الحساسة والدبلوماسية والإعلامية، بما في ذلك السفارات (الأمريكية، العراقية، المصرية، العمانية)، مجلس الوزراء، وزارة الأوقاف، وزارة الخارجية، ووسائل الإعلام الرسمية مثل التلفزيون السوري ووكالة سانا وقناة الإخبارية.
هذه الحماية ليست عملاً أمنياً وقائياً بقدر ما هي مراقبة مؤسسية متبادلة، إذ أتاحت للوحدة الإشراف على النشاط الإعلامي والدبلوماسي من الداخل، وضمان عدم خروج أي خطاب أو حركة عن السيطرة السياسية. حتى المؤسسات الثقافية مثل دار الأوبرا وجامعة دمشق تقع ضمن هذا النطاق.
توسّعت المهام إلى المجال المدني من خلال التنسيق مع مراكز الهجرة والفنادق، حيث كانت الوحدة تدقق أسماء الوافدين وتتابع حركة النزول والإقامة في العاصمة. هذه الممارسة حوّلت قطاع الضيافة والإقامة إلى واجهة جمع معلومات، والفنادق إلى نقاط مراقبة غير رسمية.وبهذا، أُعيد تعريف حركة الأفراد داخل المدينة كمسألة أمنية خالصة، وخضع السفر والنزول والإقامة لإذنٍ غير مكتوبٍ من الأجهزة.
على الجانب الإجرائي، مارست الوحدة مهام التحقيق مع الموقوفين مباشرة، سواء عبر إحالات من فروع أخرى أو عبر منظومة التتبُّع الميداني. استُجوب المعتقلون في مقارّ الفرع أو داخل نقاط التفتيش، وغالباً ما نُقلوا لاحقاً إلى الفروع المركزية للمخابرات العسكرية.
إضافة إلى ذلك، أدت الوحدة مهام مواكبة ومراقبة الفعاليات العامة كالندوات الثقافية والمباريات والمجالس الدينية والوفود الأجنبية، لرصد اتجاهاتها وأفرادها، وضبط أي مظاهر قد تُفسَّر كاعتراض أو نشاط مدني مستقل. هكذا تحوّل الحضور الأمني إلى حضورٍ رمزيٍ دائمٍ في الفضاء العام، وأصبح الوعي بوجوده أداة ردعٍ نفسية.
أخيراً، مارست الوحدة مهام المسح الهندسي ومكافحة المتفجرات، وهي عمليات يومية جرى تنفيذها في المناطق الحيوية للعاصمة. هذه الوظيفة، رغم طابعها التقني، استُخدمت أيضاً لضمان هيمنة الوجود الأمني على المجال العام، وتبرير انتشار العناصر في كل زاوية تحت ذريعة “الوقاية”. لقد كانت المجال الهندسي للسيطرة، حيث تُعاد صياغة المدينة كحيّز قابل للمسح والاختراق، لا كفضاء مدني مفتوح.
من خلال هذه المهام المتشابكة، يتّضح أن “الوحدة 215” لم تعمل كجهازٍ أمنيٍ تقليدي، بل كـ “منظومة إدارة الخوف”. فهي تمارس القتل والتحقيق والمراقبة والحماية والتحليل في الوقت نفسه، وتحوّل العاصمة إلى بنية مراقَبة، تتحكم في حركة الأفراد، في الخطاب العام، وفي معنى “الأمن” ذاته.
جدول العمليات والمهام الرئيسية للوحدة 215:
| الوثائق أو المصادر الداعمة | الهدف والنتيجة | الجهة/ القسم المنفذ | النطاق الجغرافي | آليات التنفيذ | نوع المهمة | رقم |
| أوامر الانتشار الأمني (12/2020) – تقارير الدوريات – لوائح نقاط التفتيش اليومية. | فرض السيطرة الأمنية على العاصمة وتحويل المراقبة إلى ممارسة يومية للسكان. | قسم العمليات – السرايا القتالية – المفارز الميدانية | المزة – المعضمية – كفرسوسة – دمر – خلف الرازي – ساحة الأمويين – الربوة – البرامكة – الفحامة | إقامة نقاط تفتيش دائمة ومؤقتة، تنفيذ دوريات راجلة ومحمولة، مراقبة المطلوبين. | الانتشار الأمني والسيطرة الميدانية | 1 |
| مراسلات التنسيق بين الفروع (227، 219، 261) – أوامر تحريك العناصر – تقارير العمليات الميدانية. | تشكيل قوة تدخل سريعة عابرة للمحافظات لسدّ الثغرات الأمنية ودعم العمليات العسكرية. | سرايا القتال – قيادة الوحدة | دمشق – درعا – حمص – حماة – السويداء | المشاركة في عمليات دعم وإسناد ميداني للفروع الأمنية والعسكرية الأخرى. | المهام القتالية والتنسيق مع الفروع الأخرى | 2 |
| سجلات قسم المعلومات – لوائح تجهيزات المنظومة التقنية – محاضر تتبُّع الاتصالات. | دمج المراقبة الرقمية بالميدانية وتفعيل نظام الاعتقال الاستباقي. | قسم المعلومات – قسم الشؤون الفنية – منظومة التتبُّع الإلكتروني | دمشق وريفها | تشغيل منظومات مراقبة إلكترونية، متابعة المكالمات وتحليل البيانات، تتبع المواقع الجغرافية. | منظومة المراقبة والتتبع التكنولوجي | 3 |
| تقارير التحليل الأمني الشهرية – جداول تقييم الولاءات – مذكرات التحليل الاستخباري. | إنتاج معرفة استخباراتية لتوجيه قرارات القيادة والفروع الرديفة. | قسم المعلومات والتحليل | قطاعات الانتشار في العاصمة | إعداد تقارير تحليلية دورية حول الوضع الميداني والولاءات الاجتماعية والسياسية. | الدراسات الأمنية والتحليل الاستخباري | 4 |
| قوائم المفارز – أوامر الحماية الميدانية – تقارير حراسة المنشآت. | دمج الحماية بالرقابة السياسية والإعلامية والسيطرة على النشاط المدني. | سرايا الحراسة – المفارز الخاصة | السفارات – مجلس الوزراء – وزارات الدولة – الإعلام الرسمي – دار الأوبرا – جامعة دمشق | تأمين المنشآت الدبلوماسية والإعلامية والوزارات، مراقبة النشاط المؤسسي. | حماية المنشآت والفعاليات الحساسة | 5 |
| تقارير مفارز الفنادق – جداول الوافدين – مراسلات مع إدارة الهجرة والجوازات. | تحويل السفر والإقامة إلى نشاط أمني تحت الرقابة الدائمة. | قسم المتابعة الإدارية – مفارز الفنادق | دمشق والمناطق المركزية | تدقيق أسماء الوافدين، متابعة حركة النزول والإقامة، التواصل مع مراكز الهجرة. | التنسيق مع الهجرة والفنادق | 6 |
| محاضر التحقيقات اليومية – سجلات الموقوفين – مراسلات الإحالة من الفروع الأخرى. | إدارة التحقيقات وإعداد محاضر رسمية تُحال إلى الشعبة لتقرير المصير. | قسم التحقيق – مكتب القائد – منظومة المتابعة | داخل الفرع ونقاط التفتيش | استجواب الموقوفين عبر نقاط التفتيش أو بعد الإحالة من فروع أخرى، توثيق إلكتروني للنتائج. | التحقيق مع الموقوفين | 7 |
| جداول مناوبات الفعاليات – تقارير مراقبة الأنشطة – أوامر الانتشار الخاصة. | فرض حضور أمني رمزي دائم في الفضاء العام وردع أي نشاط مستقل. | مفارز ميدانية – مكتب العمليات | العاصمة وريفها | نشر عناصر لمراقبة وتأمين الأنشطة الرياضية والثقافية والدينية. | مواكبة الفعاليات العامة | 8 |
| سجلات المسوح الهندسية – تقارير التفكيك الميداني – لوائح تجهيزات الهندسة. | ضمان هيمنة الوجود الأمني وتبرير الانتشار الدائم تحت ذريعة الوقاية. | قسم الهندسة – وحدة الهندسة المركزية | مناطق العاصمة الحيوية | تنفيذ مسوح يومية وتفكيك أجسام مشبوهة بالتعاون مع وحدة الهندسة. | المسح الهندسي ومكافحة المتفجرات | 9 |
الفصل الخامس: دورة الموت: الاعتقال ثم التحقيق وصولاً إلى الدفن غير المعلن
يتناول هذا الفصل ما يمكن وصفه بـ “دورة الموت المؤسسية” داخل منظومة الوحدة 215، بوصفها عملية متكاملة تبدأ من لحظة الاعتقال الأولى وتمتد عبر التحقيق والتعذيب وصولاً إلى الإخفاء الإداري أو الدفن غير المعلن. فالموت في هذا السياق ليس حدثاً عرضياً، إنما هو نتيجة مباشرة لبنية أمنية – إدارية منظّمة تُحوّل العنف إلى عملية تشغيلية يمكن تتبّع مراحلها بدقة في الوثائق والسجلات الرسمية.
يستند المحور الأول في هذا الفصل إلى ثمان شهادات تفصيلية لمعتقلين ومعتقلات سابقين في “الفرع 215”، جُمعت ضمن مقابلات أجراها المتحف بعد تحرير الفرع، إلى جانب أرشيف موسّع من الجداول والوثائق الداخلية للفرع.
يقسم الفصل إلى ثلاثة محاور مترابطة تشكّل معاً البنية الكاملة لدورة الموت داخل الفرع 215:
- شهادات عن الاعتقال، التحقيق، والتعذيب: توثّق الظروف الميدانية والإنسانية للاعتقال وأساليب التحقيق القائمة على التعذيب الجسدي والنفسي.
- التحليل الإحصائي للوفيات: يقدّم قراءة كمّية دقيقة لحجم الوفيات وتوزّعها الزمني داخل الفرع، مع تحديد ذروة القتل وأنماط الوفاة.
- الطبّ الأمني وتقارير الموت الطبية: يدرس العلاقة بين الجهاز الطبي والأمني، وكيف استُخدمت الوثائق الطبية لتبرير القتل وتغطية آثار التعذيب عبر صيغ رسمية مضلّلة.
بهذا التقسيم، يقدّم الفصل إطاراً تحليلياً ووثائقياً متكاملاً يُظهر كيف تحوّل الاعتقال في “الفرع 215” إلى مسار مغلق ينتهي بالمحو الجسدي والإداري. وتُسهم هذه المحاور الثلاثة معاً في توثيق الجريمة بوصفها نظاماً للقتل تديره الدولة وتؤرشفه بلغتها الرسمية، ما يتيح استخدام نتائجه في التحليل القانوني والعدالة الانتقالية.
أ. شهادات عن الاعتقال، التحقيق، والتعذيب:
يعتمد هذا المحور على شهادات مباشرة لـ 8 معتقلين ومعتقلات سابقين في الفرع 215، جمعت هذه الشهادات من خلال مقابلات مطولة ومصورة أجريت في مبنى الفرع 215 بعد تحرير المبنى وسقوط نظام الأسد6. . تمتد تواريخ الاعتقال في هذه الشهادات من عام 2011 حتى عام 2020، ما يمنحها منظوراً زمنياً واسعاً يغطي المراحل المختلفة من تطوّر أساليب الاعتقال وكيفية التعامل مع المعتقلين على اختلاف التُهم الموجّهة إليهم. تتنوّع خلفيات الشهود من الرجال والنساء بين طلاب وصحفيين وعاملين في المجال المدني والإغاثي، وتُظهر رواياتهم تكراراً بنيوياً في آليات الاعتقال والتحقيق والتعذيب، ما يؤكد الطبيعة المنهجية للعنف داخل هذا الفرع الأمني.
يبدأ مسار الاعتقال عادة من الحواجز الأمنية التابعة للفرع، أو من كمائن ميدانية تنفّذها سرايا المداهمة التابعة لـ “الفرع 215″، التي تتولى القبض على المطلوبين أو المشتبه بانتمائهم إلى الحراك المدني أو فصائل المعارضة المسلّحة. ويُحال آخرون من فروع أمنية مختلفة مثل المخابرات الجوية أو الأمن السياسي، في إطار شبكة تنسيق داخلية تجعل من “الفرع 215” نقطة تقاطع مركزية بين الأجهزة الأمنية العاملة في العاصمة دمشق. تكرر مسار الاعتقال هذا في شهادات عدة، منها شهادة زهير الحلبي الذي اعتُقل عام 2014 من قبل المخابرات الجوية، قبل أن يُحال إلى الأمن السياسي، لتصل به رحلة اعتقاله إلى “الفرع 215” في العام 2018. كما ورد في شهادة حنان بردان أنها احتُجزت بداية في فرع الأمن السياسي في درعا، ثم حُوِّلت إلى فرع الدوريات والمراقبة في الأمن السياسي، المعروف بـ “فرع الفيحاء” في دمشق، وأخيراً جرى تحويلها إلى “الفرع 215″، هذه السلسلة من التحويلات بين الفروع الأمنية، تثبت التنسيق القائم بين الأجهزة، إضافة إلى الدور المركزي الذي لعبه “الفرع 215” خاصة في القضايا التي تحوي شبهات نشاط عسكري، كما في حالة المعتقل السابق زهير الحلبي والذي وجِّهت له تهمة الارتباط بخلايا نائمة تتبع لفصائل المعارضة المسلحة.
منذ لحظة الاعتقال الأولى، يواجه المعتقل عنفاً منظّماً ومتعمّداً، يهدف إلى كسر الإرادة وبثّ الرعب فيه. تُظهر الشهادات أن عناصر الأمن يهاجمون ضحايا عمليات الاعتقال بعنف مفرط، مستخدمين العصيّ والكابلات أو الهراوات وبعضها كهربائية، إضافة إلى الضرب والركل بالأقدام قبل تكبيل ضحايا الاعتقال وتعصيب أعينهم. وعند الوصول إلى مبنى الفرع، تبدأ ما يُعرف بين المعتقلين بـ “حفلة الاستقبال” وتتضمن: إذلال جماعي، تعرية قسرية، وضرب متكرر أثناء التفتيش، مع وابل من الشتائم والتهديدات. تصف عطر يوسف في شهادتها هذه اللحظة بأنها “طقس إذلال منظّم” حين أُجبرت على خلع ملابسها أمام مدير السجن وعدد من العناصر أثناء تفتيشها، وهو فعل مقصود يهدف إلى تدمير كرامة المعتقل وإعادة تعريفه كـ “جسد قابل للسيطرة”. أما سارية نجيبة فيروي أنه بعد اعتقاله في مظاهرة بمنطقة كفرسوسة، ضُرب بالهراوات والعصي الكهربائية حتى وصل إلى الطابق السابع من مبنى الفرع، حيث طُرح أرضاً مع رفاقه، وانهال عليهم السجانون ضرباً إلى أن نُقلوا إلى غرف الأمانات.
يتوزع المعتقلون داخل مبنيين رئيسيين في الفرع، يضم الأول غرف التحقيق وساحة مغلقة تُستخدم للتعذيب، وفي قبوه تقع الزنازين الجماعية والانفرادية، فيما خُصِّصت مهاجع الطابق الأول لاعتقال للنساء. أما المبنى الثاني المؤلف من تسعة طوابق مع القبو، فقد استُخدم بشكل مشترك مع فروع أخرى، وخُصِّص الطابق السابع منه لمعتقلي “الفرع 215” من الرجال والنساء. في كلا المبنيين، كانت تُجرى جلسات التحقيق بشكل منفرد غالباً، وتحت إشراف مباشر من رئيس قسم التحقيق، حيث تُستدعى الملفات من قسم المعلومات بعد تحليلها ورصد المكالمات والرسائل الإلكترونية واختراق الحسابات الشخصية. تصف زينة شهلا في شهادتها ما عُرف بـ”غرفة المعلوماتية”، حيث أُجبرت تحت التعذيب على فتح حساباتها الخاصة أمام المحقق، الذي قرأ مراسلاتها وسجّل ملاحظاته واستخدمها لاحقاً لإهانتها وابتزازها، في ممارسة تجمع بين المراقبة الإلكترونية والتعذيب الجسدي وانتهاك الخصوصية.
تُظهر الشهادات أن التحقيق في “الفرع 215” كان عملية استخباراتية منظّمة، تهدف إلى استخلاص المعرفة الأمنية عبر الاعترافات القسرية. كان المحققون يتعاملون مع المعتقلين باعتبارهم مصادر معلومات، فهدف التحقيق هو تفكيك الشبكات والعلاقات والخرائط الاجتماعية والسياسية التي يعتقد الفرع أنها تُهدد بنية السيطرة في العاصمة ومحيطها، بوصفها المناطق الرئيسية التي تقع تحت مسؤولية الفرع ويتوجب عليه حفظ أمنها وحماية المراكز الحيوية فيها.
كما كانت الاعترافات تُستخدم مدخلاً لبناء صورة استخباراتية أوسع، تُربط لاحقاً بتحقيقات أخرى أو تقارير المراقبة والتتبُّع الإلكتروني.
بيد أن عملية جمع المعلومات هذه كان يتخللها عنف مفرط ووحشي، أفضى في كثير من الأحيان إلى وفاة معتقلين تحت التعذيب. ذاك أن التعذيب بشكليه الجسدي والنفسي، أداة منهجية لاستخراج المعلومة. تتكرر في شهادات المعتقلين الإشارة إلى أساليب مثل الشبح والتعليق من الأطراف ما يؤدي إلى الانهيار الجسدي التام، كذلك يشير بعضهم إلى استخدام أدوات تعذيب منها الكرسي الألماني وبساط الريح لانتزاع تفاصيل دقيقة من المعتقلين أثناء الاستجواب بسبب الألم المبرح الذي تسببه مثل هذه الأدوات، إضافة إلى الصعق الكهربائي والضرب بالكابلات المعدنية.
كما استخدم التهديد بالعنف الجنسي أو ارتكابه، والحرمان من النوم والطعام، وأساليب الإهانة الشخصية لإضعاف الإرادة وكسر المقاومة النفسية، خصوصاً لدى النساء. تصف حنان بردان نوعاً آخر من التعذيب الممنهج والمتكرر ضد النساء، يتمثل في التحرّش الجنسي والتهديد بالاغتصاب، خصوصاً أثناء جلسات التفتيش أو نقل المعتقلات بين الزنازين. تقول إنها تعرّضت للضرب على الوجه مراراً أثناء التحقيق، مع تهديد مباشر بإحضار أحد أفراد عائلتها في حال لم تعترف.
عانت النساء أيضاً من الاكتظاظ الشديد في زنازين ضيقة، وصل عدد المحتجزات فيها إلى ستين معتقلة أحياناً، وسط انتشار لروائح خانقة ورطوبة مرتفعة، وإلى جانب إصابتهن بالقمل بسبب انعدام النظافة وغياب المستلزمات الصحية، لم يُسمح لهن بالاستحمام سوى بالماء دون صابون، وكانت رائحة الصرف الصحي تملأ المكان لعدم وجود فاصل بين الحمام وغرفة الاحتجاز. أما الطعام فكان رديئاً يكاد لا يصلح للاستهلاك البشري، ويُوزّع عليهن بكميات قليلة لا تكفي الجميع. بينما كانت الرعاية الطبية شبه معدومة، إذ اكتفى السجانون بتقديم مسكنات بسيطة، ولم يُستدعَ الطبيب إلا نادراً.
يروي عبد الله زهرة أنه تعرّض للتعذيب بالكهرباء من قبل المحققين أمام والده لإجباره على الاعتراف، بينما يصف عبد الرحمن موزي مشهداً صادماً حين أحضر المحقق والدة أحد المعتقلين وعرّاها أمام ابنها لإجباره على الاعتراف، وهو ما دفع الأخير إلى الإقرار بكل ما طُلب منه قبل أن يُنقل لاحقاً إلى سجن صيدنايا. كما وثّقت بعض الشهادات مقتل معتقلين تحت التعذيب أثناء التحقيق، ونقل جثثهم ليلاً إلى أماكن مجهولة، دون تسجيل رسمي لوفاتهم.
لا يقتصر العنف على غرف التحقيق، إذ امتدت ممارسات التعذيب إلى الزنازين نفسها. فظروف الاحتجاز تمثل شكلاً آخر من التعذيب البطيء والممنهج. الزنازين مكتظّة بشكل خانق، والرطوبة دائمة، والهواء شبه منعدم. يصف زهير الحلبي كيف احتُجز مع 28 معتقلاً في زنزانة صغيرة خلال صيف العام 2018، وكانوا ينامون بوضعية “التشبيك” بحيث يضع كل معتقل رأسه عند قدمي الآخر. ويشير إلى أن الطعام والماء كانا شبه معدومَين، وأن الأمراض الجلدية والالتهابات التنفسية كانت منتشرة بسبب انعدام النظافة. أما عطر يوسف، فتروي أنها احتُجزت مع نحو أربعين معتقلة في غرفة ضيقة بلا تهوية ولا فاصل بين الحمام ومكان الاحتجاز، وأن السجّانين كانوا يرشّون الماء البارد على المعتقلات عقاباً لهنّ في ليالي الشتاء. وتؤكد حنان بردان أن بعض المعتقلات كنّ يُجبرن على تنظيف الممرات بأيديهنّ العارية تحت الإهانة والتهديد.
بعد انتهاء التحقيق، تختلف مصائر المعتقلين بين الإحالة إلى الشرطة العسكرية أو القضاء العسكري، أو النقل إلى فروع أخرى، أو الوفاة تحت التعذيب. فبحسب شهادات الشهود، أُفرج عن بعض المعتقلين بعد دفع مبالغ مالية ضخمة، بينما جرى تسليم آخرين ضمن صفقات تبادل بين النظام وفصائل المعارضة المسلحة. من هؤلاء عبد الرحمن موزي الذي خرج بعد ثلاثة أشهر مقابل دفع مبلغ بقيمة 20 ألف دولار أمريكي، وحنان بردان التي أُفرج عنها بعد صفقة تبادل مع فصائل المعارضة المسلحة في درعا، جرى على إثرها تحويلها إلى فرع الأمن العسكري في السويداء، ليتم التبادل عليها مقابل جثة ضابط من قوات النظام عند جسر بلدة خربة غزالة بين درعا والسويداء. في المقابل، نُقل زهير الحلبي من “الفرع 215” إلى “الفرع 248” ثم إلى سجن صيدنايا العسكري، حيث بقي محتجزاً حتى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.
كشفت الوثائق والشهادات المرتبطة بالفرع 215 أن التُهم الموجّهة إلى المعتقلين لم تكن قائمة على أدلة قانونية أو مسار قضائي، إنما على تصنيفات أمنية فضفاضة تُحدّدها الأجهزة بحسب خلفية الشخص الطائفية، أو نشاطه أو حتى مكان سكنه.
تُظهر الجداول المجمّعة من ملفات الشهود والوثائق الرسمية أربع فئات رئيسية من التهم:
| الغاية الأمنية من الاعتقال | أمثلة من الشهادات والوثائق | نوع التهمة | الفئة |
| إسكات الحراك المدني ومراقبة الفضاء الإعلامي | زهير الحلبي (صحفي) – سارية نجيبة (مشارك في التظاهرات) – زينة شهلا (تواصل مع نشطاء عبر الإنترنت) | المشاركة في المظاهرات – تصوير الأحداث – التعامل مع قنوات إعلامية – “نشر أخبار كاذبة” | النشاط المدني والإعلامي |
| مكافحة الحركات المسلحة وتحقيق الردع عبر الترهيب | حنان بردان – عبد الرحمن موزي – عبد الله زهرة | “الانتماء إلى خلية نائمة” – “تقديم دعم لوجستي للمسلحين” – “تمويل الإرهاب” | الانتماء أو التواصل مع المعارضة المسلحة |
| توسيع نطاق الخوف وتحويل الجغرافيا إلى مؤشر خطر | حالات متعددة في الجداول دون وجود نشاط فعلي | الانتماء لمناطق “غير موثوقة” مثل داريا أو اليرموك أو دوما – أو قرابة لأشخاص مطلوبين | الاشتباه بناءً على الانتماء المناطقي أو العائلي |
| أداة ضغط واستغلال نفسي داخل بنية الاعتقال | عطر يوسف – معتقلات مجهولات الهوية في الوثائق | “علاقات مشبوهة” – “فساد أخلاقي” – “تواصل مع العدو” – تهم ملفّقة ضد نساء لابتزازهن | التهم الأخلاقية أو الشخصية الملفّقة |
ب. التحليل الإحصائي لعمليات القتل /الوفاة
التوزيع الزمني العام (2012–2023)
يقدّم هذا القسم نظرة شاملة على عدد القتل أو الوفيات الموثقة داخل الفرع عبر الزمن، استناداً إلى جداول أرشيفية رسمية7.
| الملاحظات التحليلية | النسبة المئوية التقريبية | العدد | السنة |
| بداية التصعيد الأمني في دمشق | 7% | 131 | 2012 |
| الذروة القصوى للموت داخل الفرع | 55% | 1,027 | 2013 |
| استمرار الاعتقال الجماعي بعد انهيار الجبهات | 16% | 294 | 2014 |
| انخفاض ملحوظ بسبب التحويلات إلى فروع أخرى | 2% | 35 | 2015 |
| استمرار محدود لحالات الوفاة بعد تقلص نشاط الفرع | 2% | 38 | 2016–2023 |


تشير الأرقام إلى أن أكثر من 70% من القتل أو الوفاة نتيجة الإهمال الطبي حدثت بين عامي 2013 و2014، ما يعكس ذروة نشاط القمع المنهجي في أعقاب الانتفاضة في دمشق وريفها. يمكن تمثيلها بيانياً عبر منحنى زمني يوضح الانحدار الحاد بعد عام 2014.
الذروة الشهرية داخل عام 2013: يركّز هذا الجزء على تحليل الأشهر الأكثر فتكاً داخل سنة الذروة.
| الملاحظات | عدد الوفيات | الشهر |
| قمة دورة الموت داخل الفرع. | 166 | آذار (مارس) 2013 |
| بداية الموجة الكبرى من الاعتقالات. | 133 | شباط (فبراير) 2013 |
| استمرار تصفية المعتقلين في الزنازين المكتظّة. | 115 | نيسان (أبريل) 2013 |
| مؤشرات مبكّرة على سياسة “الإخلاء بالموت”. | 68 | كانون الثاني (يناير) 2013 |
| تزايد أوّلي مع توسّع الاعتقالات. | 41 | كانون الأول (ديسمبر) 2012 |
| بداية الانتقال من التحقيق إلى التصفية المنهجية. | 40 | تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 |

هذا التركّز في بداية عام 2013 يشير إلى احتمالية تنفيذ عمليات تصفية ممنهجة أو ظروف تعذيب واختناق جماعي داخل الفرع، قد تكون متزامنة مع سياسات أمنية استثنائية لمواجهة الاحتجاجات.
كما تُظهر البيانات الإحصائية نمطاً زمنياً واضحاً يربط بين الاعتقال وفقدان الحياة، ويؤكد أن الزمن نفسه كان يُستخدم كأداة قتل داخل المنظومة الأمنية. من أصل 1,526 حالة فقدان حياة موثقة، بلغ متوسط المدة بين تاريخ التوقيف وتاريخ الوفاة 30 يوماً فقط، في حين تكشف القيم التفصيلية عن معدلات صادمة:
- 106 حالات (7%) فقدوا حياتهم خلال أقل من أسبوع من الاعتقال، في ما يُحتمل أنه نتيجة تعذيب مباشر.
- 503 حالات (33%) فقدو حياتهم بين 7 و30 يوماً، وهي الفئة الأكبر وتشير إلى تعذيب متواصل.
- 377 حالة (25%) بين 30 و90 يوماً، ما يدل على اعتقالات طويلة نسبياً تنتهي بالوفاة.
- 266 حالة تجاوزت ثلاثة أشهر من الاحتجاز، بينها 23 حالة فقط لأشخاص احتُجزوا أكثر من سنة، وغالباً ما تعود لتصفيات سياسية (عمليات قتل) متأخرة.

هذه المؤشرات تُظهر أن فقدان المعتقل لحياته كانت تحدث في الغالب خلال فترة قصيرة جداً من التوقيف، ما يجعلها مرتبطة مباشرة بعمليات التعذيب والتحقيق، لا بظروف الاحتجاز الطويل والإهمال الطبي.
عند مقارنة الأعوام، يتضح أن عام 2013 يمثّل الذروة المطلقة في عدد من فقدوا حياتهم حيث سُجّل خلاله 1,027 حالة، أي ما يعادل أكثر من ثلثي إجمالي الحالات الموثّقة. تلاه عام 2014 بـ 294 حالة، بينما انخفض العدد بعد عام 2015 إلى أقل من عشر حالات سنوياً. هذا الانخفاض الحاد يشير إلى تغيّر في سياسات الاعتقال أو في طرق الإخفاء الإداري والتوثيق داخل الأجهزة الأمنية.
تؤكد هذه المؤشرات أن الزمن داخل “الفرع 215” لم يكن عنصراً محايداً في عملية الاعتقال، بل أداة مركزية للقتل البطيء أو السريع. فكل يوم إضافي في الاحتجاز يزيد احتمالية فقدان الحياة بنسبة تراكمية واضحة، حتى يصبح الوقت نفسه جزءاً من آلية التعذيب والإبادة.
ج. الطب الأمني و تقارير الموت الطبية
امتدت جريمة القتل حتى بعد الموت إلى مرحلة من الإخفاء القانوني والطبي، شكّلت ما يمكن تسميته بـ “الطبّ الأمني”، وهو نظامٌ طبي–بيروقراطي مكرّس لتثبيت الوفاة رسمياً دون الإشارة إلى أسبابها الحقيقية. هذا الطب، الذي يُفترض أنه يعمل لحماية الحياة، أُخضع بالكامل للسلطة الأمنية، وأصبح جزءاً من بنية القتل ذاتها. في الوثائق الرسمية، لا يُذكر التعذيب، ولا تُستخدم كلمة “قتل” مطلقاً. كل شيء يُعاد صياغته بلغة الطبّ والإدارة: “توقف القلب والتنفس”، “هبوط حاد في الدورة الدموية”، “قصور عام في الوظائف الحيوية”. هكذا يتحوّل القتل داخل الزنزانة إلى “وفاة طبيعية” على الورق، وتصبح الجثة وثيقة رسمية أخرى تحمل ختم الدولة.
تشير الجداول التنظيمية الخاصة بالشعبة إلى أن “الفرع 215” كان على اتصالٍ مباشرٍ ومستمر بالمشفى العسكري رقم 601 في المزة، وهو المشفى العسكري الأقرب إلى مبنى الفرع جغرافياً، والأكثر ذكراً في سجلات الوفيات. العلاقة بين المؤسستين لم تكن طبيةً بقدر ما كانت إدارية، إذ يظهر من تكرار المراسلات أن المشفى كان يتلقّى الجثث من الفرع بصفة “حالات وفاة أثناء التحقيق”، ليُصدر بدوره تقارير طبية مختصرة تُعاد إلى الشعبة عبر “الفرع 248”. بهذه الدورة المغلقة، يُمحى السبب الحقيقي للموت، ويُستبدل بخطابٍ طبيٍّ مزيّف يضفي على القتل طابعاً رسمياً.

طلب استلام جثة موقوف
تُظهر قاعدة البيانات الخاصة بالوفيات أن ما لا يقل عن 85 % من ضحايا “الفرع 215” أُدرجت وفاتهم تحت هذه الصياغات الموحّدة التي لا تحمل أي دلالة على التعذيب. لم تُذكر كلمات مثل “إصابة، نزيف، أو كسور” في أي من السجلات التي فُحصت، رغم أنّ بعض الضحايا ماتوا بعد أيام قليلة من التوقيف. هذا التكرار في اللغة الطبية يثبت أن المشفى لم يقم بعمليات فحص حقيقية، بل استخدم نماذج جاهزة لتبرير الوفاة. في أكثر من جدول، تتكرّر العبارة نفسها عشرات المرات في الأيام ذاتها، ما يعني أن التقارير كانت تُصدر جماعياً، دون معاينة فردية للجثث.
داخل هذه الوثائق، يمكن تتبُّع الآلية الإدارية للموت من لحظة فقدان الحياة إلى لحظة إغلاق الملف. حين يموت معتقل داخل الفرع، يُدوَّن الحدث أولاً في دفتر خاص بالتحقيقات، ثم يُرسل إشعار داخلي إلى “قسم الخدمات الطبية”، وهو القسم المكلّف بتنسيق النقل إلى المشفى 601. هناك، تُسلَّم الجثة إلى وحدة الطبابة العسكرية، وغالباً دون اسم واضح، بل برقم الملف فقط. يحرّر الطبيب العسكري تقريراً مختصراً يُثبت “الوفاة نتيجة توقف قلب مفاجئ”، ويُختم بختم المشفى ورقم تسلسل. بعدها تُعاد الورقة إلى “الفرع 215” حيث تُضاف إلى ملف الضحية، ومنه إلى “الفرع 248” لتوثيق الحالة ضمن قائمة “الوفيات المعتمدة”. بهذا التسلسل، يتداخل الأمني والطبي في دورة واحدة: من التحقيق إلى الطبابة إلى الأرشيف.
اللافت أن هذه الدورة كانت تتم بدقّة إدارية عالية، وكأنها عملية محاسبية أكثر منها طبية. في أحد الجداول التي فُحصت، تُسجَّل 27 حالة وفاة في يومٍ واحد، جميعها بالعبارة ذاتها، ومن دون أي ملاحظة إضافية حول العمر أو الوضع الصحي أو الإصابات. وفي جدولٍ آخر، تظهر عشرات الحالات المتتابعة بأرقام متسلسلة، ما يعني أن الفرع والمشفى كانا يتعاملان مع الجثث كدفعات تُسلَّم وتُستلم وفق نظام تسليمٍ رسمي، تماماً كما تُدار المواد أو الوثائق في مؤسسات الدولة. هذه الممارسة وحدها كافية لإثبات أن الطب في هذه المنظومة كان وظيفة داخل جهاز القتل نفسه.
تُظهر الوثائق كذلك أنّ المشفى 601 لم يكن يستقبل الجثث فقط، بل أيضاً بعض المعتقلين الذين دخلوا في حالة حرجة أثناء التحقيق. ومع ذلك، فإن نسبة من عادوا أحياء شبه معدومة. في معظم الحالات، يُسجَّل أن المعتقل “نُقل للعلاج” ثم يُدرج بعد يومين أو ثلاثة ضمن قائمة الوفيات. يتكرر هذا النمط بشكل واضح في الجداول، ما يعني أن المشفى كان يستخدم لتغطية السبب الحقيقي للوفاة. إنّ تكرار هذه الصياغات في مئات الحالات خلال فترات زمنية متقاربة يُظهر أن المشفى كان حلقة أساسية في إنتاج الوثيقة التي تشرعن الجريمة، أو مكان تعذيب آخر يؤدي إلى القتل.
تُشير بعض الملفات الإدارية التي فُحصت ضمن أرشيف الشعبة إلى وجود وحدة اتصال بين الفرع والمشفى، تُشرف على “استلام وتسليم الحالات”. هذه الوحدة، بحسب السجلات، كانت تعمل بنظامٍ يشبه البريد الداخلي، حيث تُرسل القوائم اليومية بأسماء من نُقلوا ومن تسلّمهم المشفى ومن أُعيدت أوراقهم بعد الوفاة.
من خلال التحليل الإحصائي الذي أُجري على الجداول، يمكن ملاحظة نمط ثابت في أعمار الضحايا المحالين إلى المشفى: أغلبهم بين 20 و40 عاماً، وهي الفئة التي يُفترض أنها الأقل عرضة لأسباب الوفاة الطبيعية. ومع ذلك، فإن السبب الطبي الرسمي في أكثر من 90% من الحالات هو “توقف القلب”. هذا التناقض الصارخ بين الفئة العمرية والسبب الطبي يُعد بحد ذاته دليلاً على التزوير المنهجي. إنّ اللغة الطبية الموحدة، والمكرّرة بلا اختلاف تقريباً، تكشف عن أن التقرير الطبي لم يكن نتيجة فحص، بل وثيقة أُعدت مسبقاً لتُستخدم كغطاء إداري للقتل.
تُظهر الوثائق أيضاً أنّ عملية تسليم الجثث لذوي الضحايا كانت تخضع لقرارات أمنية منفصلة، وأن المشفى لم يكن مخوّلاً باتخاذها. في أغلب الحالات، يُكتب في خانة “التسليم” عبارة واحدة: “لم يُسلَّم”. وهذا يعني أنّ المشفى 601 لم يكن معنياً إلا بالجزء الورقي من الموت، لا بالجسد نفسه. الجثث، بعد توثيقها طبياً، تُنقل إلى جهة غير محددة – يُشار إليها أحياناً بعبارة “جهات الاختصاص” – وكانت الشرطة العسكرية غالباً هي من تنقل الجثث إلى المقابر الجماعية، بينما تبقى الشهادات الطبية في الملفات الرسمية كدليل على “وفاة طبيعية”. بهذه الطريقة، يصبح الجسد نفسه جزءاً من الأرشيف المفقود، لا أثر له إلا في الوثيقة التي أنكرته.
من منظور التوثيق، تكشف العلاقة بين الطب والأمن في منظومة الفرع 215 عن تطابق مؤسسي كامل بين الجهازين، لا مجرد تواطؤ بين سلطتين. فالمستشفى العسكري 601، الذي تُنقل إليه الجثث عادةً لتسجيل الوفاة، هو جزء عضوي من شبكة المخابرات العسكرية نفسها، يخضع إدارياً وعملياً لتوجيهات الشعبة. لذا، فإن توثيق الوفاة داخل هذا النظام لا يمرّ بمؤسسة طبية مستقلة، بل عبر جهاز طبي–أمني موحّد يعمل على تحويل الموت إلى سجل إداري مؤرشف.
تحمل وثائق الوفاة دائماً توقيع الطبيب العسكري إلى جانب ختم “الفرع 215″، ما يعني أن القتل هنا مقونن ومؤرشف في آن واحد، فالطبيب لا يحقق في أسباب الوفاة بل يدوّنها كما تمليها عليه الجهة الأمنية. بذلك، يصبح الطب جزءاً من آلية الإخفاء نفسها.
بهذه الصورة، يظهر “الفرع 215″ كمختبرٍ للقتل الإداري، و”المشفى العسكري 601” كمكتبٍ طبي لإصدار شهادات الوفاة الرسمية. بين هاتين المؤسستين تتحرك الجثث في دورةٍ مغلقة لا تخرج إلى العلن. كل جثة تتحول إلى وثيقة، وكل وثيقة إلى رقم، وكل رقم إلى “حالة وفاة طبيعية” في أرشيف الدولة. ومن خلال هذا النظام، يتحوّل القتل الجماعي إلى عملية مكتبية منضبطة، لا تترك أثراً خارج السجلات. فحين يعود ملف الضحية إلى “الفرع 248″، يكون كل شيء قد اكتمل: الجسد اختفى، الورقة وُقّعت، الموت أصبح قيداً مسجلاً في السجلات.
إنّ ما تكشفه هذه الوثائق لا يخص “الفرع 215” وحده، بل يعرض نموذجاً للكيفية التي تُدار بها الجريمة داخل مؤسسات الدولة السورية. فالمؤسسة الطبية، التي كان يُفترض أن تكون خط الدفاع الأخير عن الحياة، اندمجت في جهاز القمع لتصبح أداته في إنتاج الأكاذيب الرسمية والقتل. إنّ شهادات الوفاة الصادرة عن المشفى العسكري 601 ليست سوى المرحلة الأخيرة من عملية القتل.
د. إدارة الجثث والإخفاء بعد الوفاة
تُظهر قاعدة بيانات الوفيات الرسمية أنّ أكثر من 97% من الضحايا الموثّقين داخل “الفرع 215” صُنِّفوا في خانة “لم يُسلَّم”. هذه العبارة، المتكررة في كل الجداول تقريباً. فهي لا تقول “دُفن”، أو “فُقد”، بل فقط “لم يُسلَّم”؛ أي أنّ الجسد خرج من دائرة الحقّ العام ودخل في دائرة السيطرة الإدارية المطلقة. لم يعد للضحية أهل أو قبر، بل رقم في سجلّ مكتوب بخطٍّ رسمي. وتُظهر وثائق “الاستلام والتسليم” أن القوائم التي تتضمن أسماء المتوفين تُرسل دورياً إلى “جهات الاختصاص”، دون تحديد هذه الجهات، ما يدلّ على وجود وحدة مركزية تتولى استلام الجثث من الفروع المختلفة وتوزيعها على مواقع دفنٍ سرّية، وهي غالباً مهمة الشرطة العسكرية.
في الملفات الخاصة بالبنية الإدارية للشعبة، تظهر إشارات متكرّرة إلى التعاون بين “الفرع 215″ و”الفرع 248” فيما يتعلق بإدارة “حالات الوفيات”. يُذكر صراحة أن “الفرع “248 هو المسؤول عن “استلام قوائم الوفيات” الواردة من الفروع الميدانية وتسجيلها ضمن الجداول المركزية للشعبة. ومن خلال المقارنة بين الجداول، يتّضح أن عملية النقل تتم وفق نظام محدد: يرسل “الفرع 215” قائمة بأسماء المتوفين خلال فترة معينة، تُعتمد هذه القائمة في “الفرع 248” بعد مراجعة الوثائق الطبية، ثم يُشار في هامشها إلى “تسليم الجثث إلى الجهات المختصة”. هذا التسلسل الإداري يعني أن الجثث لا تُدفن داخل الفرع نفسه، بل تُنقل بإشراف عسكري رسمي إلى مواقع مقابر جماعية في محيط العاصمة دمشق.

وصل استلام جثة مكتوب بخط اليد
من خلال تحليل تواريخ الوفاة والاستلام في الجداول، يمكن رؤية نمط واضح في حركة الجثث: غالبية الوفيات تُسجَّل في “الفرع 215″، لكن تواريخ “إغلاق الملف” تأتي بعد يومين أو ثلاثة، وهي المدة الزمنية التي استغرقها عادةً نقل الجثة إلى المشفى العسكري ثم إلى مكان الدفن. هذا الفارق الزمني القصير والمتكرر يكشف عن نظام دوري لنقل الجثث، يُنفّذ على مدار الأسبوع، وكأنه جزء من جدول عملٍ يومي. كل مجموعة من الوفيات تُحوَّل إلى المشفى في دفعات، وتُدرج في قائمة موحدة، ثم تُنقل منها الجثث مجدداً إلى مواقع غير محددة.
التحليل الإحصائي للبيانات يؤكد أيضاً وجود نمط دفعاتٍ جماعية في الوفيات. ففي عدد من الأيام المسجّلة، يتكرر تاريخ الوفاة ذاته لعشرات الأسماء، ما يشير إلى أن الجثث لم تكن تُنقل فرادى بل جماعات. تُسجَّل هذه الحالات تحت رقم قائمة واحد، ويُشار في نهاية الجدول إلى “تسليم القائمة رقم (…) إلى الجهات المختصة”. بهذه الطريقة، يمكن تتبُّع الدفعات التي خرجت من “الفرع 215″، وهي تشكّل، وفق البيانات، مئات الجثث كل شهر في فترات الذروة بين عامي 2012 و2014. إن انتظام هذه الأرقام يدلّ على أن الجثث كانت تُدار بجدول زمني ثابت، وأن عملية الدفن كانت جزءاً من الروتين الإداري للفرع، تماماً كالأرشفة أو التحقيق.
إن المقارنة بين بيانات “الفرع 215” وبيانات “الفرع “248 تكشف عن عنصرٍ إضافي في منظومة الإخفاء: إغلاق الملف الإداري بعد الدفن. فبعد إرسال القائمة إلى “الفرع 248″، تُضاف أمام كل اسم عبارة “تم الإغلاق”، وتُدرج الحالة ضمن فئة “الوفيات المعتمدة”. هذه الصيغة القانونية تعني أن الملف أصبح مكتملاً من وجهة نظر الدولة، وأن الجريمة انتهت إدارياً حتى لو استمرت مادياً.
تدلّ المعلومات أيضاً على وجود تنسيق دوري بين الفرع 215 والمشفى العسكري 601 فيما يتعلق بالتوثيق النهائي للوفيات. في الجداول، تُسجَّل أسماء الموظفين أو الضباط الذين وقّعوا على استلام الجثث في المشفى، وأحياناً تُذكر أرقام السيارات العسكرية المستخدمة في النقل. هذا النوع من التفاصيل الصغيرة، المتكرر في السجلات، يمنحنا رؤية دقيقة لآلية العمل: شاحنات مخصّصة لنقل الجثث، يقودها عناصر محددون، تحمل قوائم بأسماءٍ مطبوعة، تتوجه إلى المشفى العسكري لتسليم “الدفعة”، ثم تعود بالأوراق الموقعة والمختومة إلى الأرشيف. كل شيء يتمّ بطريقة رسمية مكتوبة، دون أي أثر للعشوائية.
في بعض الجداول التحليلية، يظهر تكرار لعبارة “تم التسليم من دون حضور ذوي المتوفى”، وهي الصيغة التي تستخدم لتبرير غياب العائلات عن عملية التسليم. هذا يعني أن النظام الأمني حرص على إغلاق الدائرة دون أي تواصل مع الخارج، بحيث لا يمكن لأي طرفٍ مدني أو عائلي تتبّع مصير الضحية والمطالبة بجثمانها. وهكذا، يُمنع المجتمع من رؤية الموت، وتمنع عائلات الضحايا من معرفة مصير ذويهم، أو حتى إقامة عزاء لهم وإعلان الحداد. فيما تبقى حالة الوفاة ورقة محفوظة في الأرشيف.

بلاغ بوفاة معتقل
من خلال التحليل المقارن لتواريخ الوفيات والتسليم، يُستنتج أن الجثث كانت تُنقل إلى مواقع دفنٍ تقع على أطراف دمشق، في مناطق عسكرية مغلقة تخضع للشعبة نفسها. لا تذكر الوثائق أسماء المواقع، لكنها تشير إلى تكرار النقل عبر “الطريق الجنوبي” و”الطريق الغربي”، ما يرجّح وجود مواقع دفنٍ جماعيةٍ قريبة من محيط العاصمة. هذه المواقع لم تكن سرية داخل النظام، بل جزءاً من البنية العسكرية، تُدار بالحراسة نفسها التي تُدار بها مقار الشعبة.
يؤكد متحف سجون سوريا، من خلال هذا التحليل القائم على الوثائق المتوفرة، أنّ إدارة الجثث داخل “الفرع “215 تمثّل المرحلة الأكثر اكتمالاً في دورة القتل البيروقراطي. فهي المرحلة التي تلتقي فيها كل مستويات الجهاز: الأمن، الطب، الإدارة، النقل، الأرشفة، لتنتج جريمةً مغلّفةً بالأختام الرسمية. هذه الجريمة لا يمكن اختزالها في فعل قتلٍ واحد، بل هي سلسلة من الأفعال المتتابعة التي تبدأ بالاعتقال وتنتهي بالدفن الجماعي. وفي كل مرحلة، يوجد توقيع وضابط ومسؤول ووثيقة.
الفصل السادس: دراسات حالة منهجية عن منظومة الرصد والسيطرة (حالتان مفصولتان)
نظام المراقبة الذي أسسته الشعبة مركَّباً من طبقات بشرية وتقنية متداخلة، شُيِّد تدريجياً قبل عام 2011 ثم تزايد تعقيده ووتيرته بعد اندلاع الثورة السورية. على المستوى البشري، اعتمدت الوحدة على شبكة واسعة من المصادر المحلية: مخبرين، جيران، موظفين مدنيين، عناصر ميدانية موزَّعة حول السفارات والأحياء. تقوم بجمع إشعارات أوّلية عن أشخاص أو لقاءات أو تحرّكات “مريبة”، تُرفع هذه الإشعارات فوراً على نماذج رسمية موحّدة تشتمل على بيانات تعريفية دقيقة (اسم، عنوان، مهنة، أرقام هواتف، أسماء الأقارب، تواريخ سفر)، فتتحول الإشاعة الميدانية إلى ملف متابعة إداري محفوظ في سجلات الفرع. هذه الطبقة البشرية كانت متصلة بدوريات ومفارز ميدانية وقوائم انتشار داخل المدينة (مفارز لحماية منشآت، سرايا قتالية، مفارز للمراقبة حول السفارات)، ما أتاح تنفيذ رصد بصري واستجابات ميدانية سريعة (زيارات منزلية، تفتيش، ملاحقة في المطارات).
على المستوى التقني، تكشف جردة الأجهزة والوثائق الخاصة بالتجهيزات أن الوحدة امتلكت بنية تقنية متكاملة صُمِّمت لخدمة ثلاث وظائف رئيسية: جمع المعلومة (التنصّت والتتبُّع والرقمنة)، إدارة الملفات (أرشفة ورقية ورقمية)، وتثبيت الرواية الإدارية للوقائع (طباعة محاضر، شهادات، قوائم). الأدوات الموثقة شملت حواسيب محلية ومحطات أرشفة، خوادم/ أقراص تخزين خارجية، طابعات وماسحات ضوئية، كاميرات مراقبة داخلية، منظومات تسجيل صوتي في غرف التحقيق، وحدات لالتقاط وتفريغ أقراص مدمجة (CD) وملفات صوتية، منظومات تتبُّع إلكتروني تُدار من قسم الإشارة، وشرائح اتصال/ أرقام خاصة مذكور استعمالها في وثائق التتبُّع. كما تُظهر مستندات استلام الأجهزة وجود قارئات باركود، UPS، شاشات مراقبة، ما يدل على استعداد لإدارة كميات كبيرة من الوثائق والبيانات وربطها بعمليات ميدانية.


قبل عام 2011 كان الأداء الأمني يعتمد بدرجة أكبر على الآليات التقليدية: مجرَّد رصد ميداني ومصادر بشرية وملفات ورقية موزّعة. الوثائق المبكرة (2010–2011) تُظهر هذا الأساس البشري مع أولى خطوات الرقمنة. تفريغ مكالمات على أقراص، صور عن جوازات. لكن بعد 2011 حصلت نقطة تحوّل واضحة: توسّعت قدرات الأرشفة الرقمية، ازدادت محطات الحوسبة والطباعة، واشتدّت عملية ربط المعلومات الميدانية بالبيانات التقنية (سجلات رحلات، سجلات اتصالات، صور ومقاطع مُسجلة)، في الوقت نفسه تضاعفت وتيرة التقارير وامتدّت الشبكة لتشمل متابعة دورية وممنهجة للسفارات، العائلات، والمؤسسات المدنية، كما ازداد استخدام تقنيات التنصّت على المكالمات الهاتفية والمراسلات الإلكترونية، وتوسعت شريحة الفئات المستهدفة بالمراقبة. ما جعل من كل حالة متابعة وحدة بيانات يمكن معالجتها آلياً أو ورقياً داخل تسلسل بيروقراطي. هذا التزايد التقني تزامن مع تحول وظيفي أيضاً: من مجرد جمع معلومات إلى إدارة دورة كاملة للضبط الأمني — من فتح ملف إلى اتخاذ إجراءات تنفيذية (منع سفر، حجز ممتلكات، إحالة إلى تحقيقات)، وإلى توثيق الوفاة وتدوينها في سجلات مغلقة حين حصلت حالات اعتقال قادت إلى ذلك.
الوثائق تُظهِر كذلك تكاملاً بين الشبكة التقنية والوحدات الإدارية الأخرى: بيانات المتابعة تُرسَل إلى فروع مركزية مثل 294 و248 للمعالجة والإحالة، والتقارير التقنية (تفريغات اتصالات، تسجيلات صوتية، لقطات مراقبة) تُرفق بالملفات الورقية كأدلة إدارية. بهذا الأسلوب، شبكة بشرية نشطة متصلة ببنية تقنية وأرشيفية متنامية، عملت “الوحدة 215” كنقطة محورية لتحويل الواقع الاجتماعي والسياسي إلى “بيانات أمنية” قابلة للتحكّم والإجراء، ومع اتساع الاضطرابات بعد 2011 استُخدم هذا النظام بنفس المنطق لكن بكثافة أكبر، ما جعل من البيروقراطية التقنية جزءاً فعلياً من آليات القمع والإقصاء الإداري.
في هذا الجزء من البحث، نعرض نموذجين توثيقيين من أرشيف “الوحدة 215” يوضحان آليات المراقبة كما طُبّقت عملياً داخل جهاز المخابرات العسكرية السوري. الحالة الأولى تتناول مراقبة جماعة الإخوان المسلمين بوصفها نموذجاً للملاحقة السياسية المنظمة التي تجمع بين الرصد الميداني، التحليل المعلوماتي، والتوثيق الإداري؛ أما الحالة الثانية فتستعرض مراقبة السفارات الأجنبية والعاملين فيها في دمشق، كنموذج على الرقابة الخارجية التي تُمارس بوسائل بشرية وتقنية متطورة تهدف إلى التحكّم بالفضاء الدبلوماسي ومراقبة التواصل الدولي داخل العاصمة. هاتان الحالتان تمثّلان مثالين دقيقين على كيفية عمل منظومة المراقبة في “الوحدة 215″، وكيف تحوّلت التقنية والإدارة الأمنية إلى أدوات لإعادة إنتاج السيطرة السياسية في الدولة السورية.
أ – نموذج من منهجية المراقبة الأمنية ضد الإخوان المسلمين في سوريا
لم يقتصر عمل “الوحدة 215” على القضايا العسكرية أو الميدانية، بل شمل مراقبة الأحزاب والمجموعات السياسية والدينية كافة، من البعثيين المنشقين إلى التيارات القومية واليسارية، وصولاً إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي مثّلت العدو الداخلي الأكثر حضوراً في الأدبيات الأمنية السورية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
كان الهدف من هذه المراقبة الدائمة بناء أرشيف اجتماعي أمني، يُخزّن فيه كل ما يمكن أن يشير إلى احتمالات الانتماء أو التعاطف أو الصلة الفكرية مع أي تيار معارض. هذا العمل لم يكن أمنياً صرفاً بقدر ما كان بيروقراطية ضبط، كل معلومة، مهما بدت هامشية، تُحوّل إلى ورقة، وكل ورقة تُدمج في ملف، وكل ملف يُحفظ ضمن نظام هرمي مركزي لتداول “الاشتباه”.
تكشف الوثائق الأمنية الصادرة عن “الوحدة “215 والموجّهة إلى “الفرع 294” خلال الأعوام 2010–2011 عن نموذج دقيق لهذه المنهجية، حيث تظهر سلسلة طويلة من المراسلات، والجداول، والتعليمات التي توضح آلية رصد وملاحقة الأفراد المتّهمين بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين أو بالتواصل مع عناصرها في الخارج.
تبدأ العملية عادة من المستوى الميداني الأدنى: تقارير يرفعها مخبرون محلّيون، أو موظفون في البلديات والمؤسسات العامة، أو حتى جيران يبلّغون عن “أنشطة غير مألوفة”. تكفي مؤشرات بسيطة لفتح ملف جديد: سفر متكرّر إلى دول معينة (قطر، العراق، تركيا، السعودية)، علاقات مهنية أو عائلية مع أشخاص خارج البلاد، أو حتى تكرار الحضور إلى المساجد.
تنتقل هذه المعلومات لاحقاً إلى المستوى الإداري داخل الوحدة، حيث تُفتح ملفات متابعة شخصية تتضمن بيانات دقيقة: الاسم الرباعي، تاريخ الميلاد، مكان الإقامة، المهنة، أسماء الزوجة والأبناء، أرقام الهواتف، صور عن البطاقات الشخصية وجوازات السفر، وأحياناً صوراً لعقارات وأملاك يُشتبه بأنها تُستخدم لتمويل الجماعة.
إحدى الوثائق المؤرخة في كانون الأول/ ديسمبر 2010 تحمل تعليمات واضحة من العميد قائد الوحدة إلى الفروع الفرعية بـحجز أملاك “الفارين من تنظيم الإخوان المسلمين” في الخارج، خاصة المقيمين في قطر.
وفي وثيقة لاحقة، يُطلب من الفروع “تحديد اسم كل عقار يعود إلى الإخوان المسلمين وإرسال البيانات العاجلة لتمكيننا من اتخاذ الإجراء اللازم”، ما يكشف أن العقوبة لم تكن أمنيّة فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضاً.
هكذا، تتحوّل التهمة من شُبهة فكرية إلى أداة لإقصاء العائلات من المجال العام، وتجريدها من مصادر رزقها، وتحويل الانتماء السياسي إلى جريمة وراثية.
في وثائق أخرى، تتّضح طبيعة التعاون بين الأفرع الأمنية المختلفة؛ إذ تُرسَل تقارير من “الفرع 248” إلى “الوحدة 215” تتضمن أقراصاً مدمجة (CDs) تحتوي على مكالمات هاتفية مسجّلة بين أفراد متهمين بالتعاطف مع الإخوان المسلمين. تتناول هذه المكالمات مواضيع مالية أو اجتماعية أو دينية عادية، إلا أن المحققين الأمنيين يرفقون بها ملخصات مكتوبة يصفون فيها الحديث بأنه “يتضمن أفكاراً متطرّفة تمجّد الإخوان المسلمين وتهاجم الدولة السورية”.
إحدى هذه المكالمات مثلًا كانت بين شخصين في اللاذقية، أحدهما يدعى مصطفى، يتحدث عن “المال الحلال والناس الجياع والإسلام المظلوم”. ورغم أن مضمون الكلام لا يتعدى شكوى أخلاقية من الفساد، فسّره المحقق الأمني بوصفه دليلاً على “نشاط دعوي محظور”، وأُدرج الملف ضمن تقارير “الإخوان المسلمين – الاتصالات المشبوهة”.
تُبرز هذه التقارير لغة بيروقراطية موحّدة تتكرر في كل المراسلات، مثل:
“وردتنا معلومات من مصدرنا الخاص”.
“يرجى الاطلاع واتخاذ ما ترونه مناسباً”.
“يربط بصورة عن البيانات المذكورة”.
تبدو هذه الجمل كإجراءات إدارية روتينية، لكنها في الحقيقة تشكل البنية اللغوية للعنف البيروقراطي السوري. فهي لا تبحث عن إثبات التهمة، بل عن تثبيت الانتماء — تحويل الاشتباه إلى صفة دائمة تبرّر المراقبة والعقاب.
كل وثيقة تُوقّع بختم “سري للغاية – فوري”، ما يعكس الطابع الاستعجالي المنظّم في آلية اتخاذ القرار داخل هذه الأجهزة.
في بعض الملفات، تظهر تفاصيل دقيقة للغاية: تحديد الشوارع التي يسكنها الأشخاص (مثل شارع خالد بن الوليد أو حي الميدان في دمشق)، أماكن عملهم (مراكز طبية، مزارع خاصة، مدارس، محلات)، وحتى المهن البسيطة مثل اللحّام أو المحاسب أو موظف السوبرماركت تُدرج ضمن سياق الاشتباه الأمني.
كما تسجل الوثائق متابعة العائلات الممتدة عبر الحدود: أبناء في الخارج، زيارات لأقارب في الخليج، أو تواصل عبر الهاتف مع “مطلوبين”، وكل ذلك يوثّق في ملفات تظل مفتوحة لسنوات.
تعتمد “الوحدة 215” في هذه العملية على شبكة وطنية من الفروع الأمنية المركزية (294، 248، 235 وغيرها)، تعمل كوحدة أرشيفية ضخمة تُحدَّث فيها المعلومات بشكل دوري. ويبدو أن هذا النظام كان بمثابة قاعدة بيانات اجتماعية وطنية، تربط بين المعلومات الأمنية والاقتصادية والإدارية في آن واحد، وتتيح مراقبة تحرّكات الأفراد والعائلات، وتقييم “درجة الخطر” لكل شخص بحسب موقعه وعلاقاته وسلوكه الديني أو الاجتماعي.
تكشف الوثائق أيضاً عن طبيعة العلاقة العضوية بين الأمن والإدارة المدنية، فقرارات الحجز على الممتلكات تُرسل إلى دوائر العقارات، وبلاغات المنع من السفر إلى إدارة الهجرة والجوازات، وتقارير المراقبة إلى الشرطة العسكرية أو البلديات. بهذا المعنى، لا تبدو “الوحدة 215” مجرد جهاز أمني، بل مركز إدارة أمن الدولة من خلال بيروقراطية الدولة نفسها.
من خلال هذا النموذج، تتضح صورة أشمل: جهاز أمني يراقب المجتمع لا عبر القوة المباشرة فقط، بل عبر تصنيع المعرفة الإدارية عنه.
كل وثيقة، كل ختم، وكل ملاحظة مكتوبة بخط اليد، تمثل جزءاً من هندسة الخوف السورية التي جعلت من الورق والسجل والملف أدوات للهيمنة والرقابة والسيطرة على تفاصيل الحياة اليومية.
ب- مراقبة السفارات العربية والأجنبية
جانباً آخر من نشاطها قلّما تناولته الدراسات، وهو مراقبة السفارات والبعثات الدبلوماسية الأجنبية والعربية في دمشق. تكشف هذه المراسلات، التي تمتد بين عامي 2011 و2013، عن شبكة مراقبة أمنية معقدة ومنظّمة، تُدار بأسلوب بيروقراطي صارم، وتعتمد على التنسيق بين عدة فروع أمنية داخل العاصمة.
كانت المراقبة تُنفَّذ وفق آلية يومية دقيقة تبدأ من الميدان، حيث يتولى عناصر ميدانيون تابعون للوحدة تسجيل تحركات الدبلوماسيين وأعضاء السفارات ساعة بساعة، مواعيد مغادرتهم منازلهم، وجهاتهم، أسماء مرافقيهم، وأرقام السيارات التي يستخدمونها. وغالباً ما تُرفق التقارير بعبارة نمطية: “يرجى الاطلاع”، في إشارة إلى أنها جزء من تسلسل إداري يومي تجري أرشفته وإرساله إلى “الفرع 294” (فرع أمن القوات)، الذي بدوره يوزّع المعلومات على فروع أخرى مثل 235 فرع فلسطين و216 فرع الدوريات و227 فرع المنطقة وذلك بحسب مناطق السيطرة.
تُظهر الوثائق أن هذه المراقبة لم تكن عشوائية، بل ممنهجة وموزعة جغرافياً ووظيفياً. فمثلاً، كانت متابعة السفارة السعودية تقع ضمن مسؤولية قطاع المزة الغربية، بالتعاون بين “الوحدة 215″ و”فرع 216” (القطاع الجنوبي)، بينما تُحال المعلومات النهائية إلى “الفرع 294” للمراجعة المركزية. هذا التقسيم الإداري يؤكد أن النظام كان يدير عمله الأمني الخارجي بالمنطق نفسه الذي يُطبَّق داخل المعتقلات: تسلسل هرمي صارم، تقارير يومية، وأرشفة مركزية دقيقة.
وتُبرز إحدى الوثائق المؤرّخة في 8 تشرين الثاني 2012 كيف رصدت الوحدة نشاط رجل أعمال سوري كان يتردد على السفارة السعودية في المزة، ويجتمع مع دبلوماسيين سعوديين. بناءً على ذلك، أُمر “فرع 227” بإجراء “دراسة ميدانية” حول الشخص وعلاقاته التجارية، في عملية أشبه بما يُعرف في الاستخبارات بـ “المراقبة المركّزة” التي تهدف إلى الكشف عن الروابط المحتملة بين السوريين والسفارات الأجنبية.
أما في وثيقة أخرى، مؤرخة في 17 حزيران 2012، فتتبع الوحدة زوجة دبلوماسي سعودي، سورية الجنسية، وتُعدّ دراسة كاملة عن خلفيتها العائلية ومكان إقامتها وسلوكها الاجتماعي، مع استجواب الجيران وأصحاب العقار للتأكد من “الأصول الأخلاقية” لسكان المبنى. وتوصي الوثيقة بمتابعة زوجها الدبلوماسي بعد أن شوهد يغادر البلاد إلى بلد عربي ثالث. هذه الوثائق تُظهر أن المراقبة امتدت إلى المجال الشخصي والعائلي، في خرق فاضح للأعراف الدبلوماسية، وأن السلطة كانت تعتبر كل تواصل أجنبي محتمل “تهديداً أمنياً”.
وثيقة أخرى بتاريخ 14 كانون الثاني 2012، تتحدث عن أعمال صيانة في منزل القائم بالأعمال السعودي في المزة، وتذكر بدقة نوع السيارات التي دخلت المنزل (سوزوكي رمادية اللون برقم كذا، وبيضاء من نوع هونداي)، وعدد العمال السوريين وأسماؤهم، وحتى أوقات دخولهم وخروجهم. وتصف الوثيقة المنزل بأنه “قيد الترميم بإشراف جهة مقاولات محلية”، وتطلب من “الفرع 216” التحقق من هوية العاملين في الورشة. هذه الدقة في التفاصيل تكشف أن المراقبة لم تكن مقتصرة على الجانب السياسي، بل امتدت إلى الحياة اليومية لكل شخص يرتبط بالسفارة، حتى ولو كان عاملاً في ورشة بناء.
ولا تقتصر الوثائق على السفارة السعودية وحدها، إذ تُظهر أيضاً مراقبة السفارة الدنماركية التي رُصدت تحركات طاقمها بالكامل في وثائق عامي 2010 و2011، حيث سُجلت تحركات السفيرة ومرافقيها، وتفاصيل رحلاتهم من دمشق إلى الدوحة، مروراً بتركيا. كما تشير إحدى المراسلات إلى أن “القبو في المزة” الذي يضم ملفات الفرع يحتوي على “مكتبة أرشيف شاسعة فيها ملايين الوثائق الورقية”، ما يعني أن التقارير اليومية كانت تُحفظ ضمن أرشيف بيروقراطي ضخم يضم تفاصيل دقيقة عن النشاط الدبلوماسي في البلاد.
وفي وثيقة بعنوان “نشرة معلومات حول السفارة السعودية” صادرة بتاريخ 26 كانون الأول 2011، تؤكد “الوحدة 215” أنها “نشرت عناصر حماية لشركة خاصة” قرب السفارة السعودية بعد ورود معلومات عن تهديد أمني. إلا أن صيغة التقرير تُظهر أن الهدف لم يكن الحماية بقدر ما هو تعزيز المراقبة الميدانية، إذ يُختتم التقرير بجملة: “يرجى الإطلاع على الموضوع استناد\ًا إلى قرار السيد اللواء رئيس شعبة المخابرات”، وهي الصيغة نفسها المستخدمة في تقارير الاعتقال والمداهمة داخل سوريا.
تكشف هذه الوثائق أن “الوحدة 215” كانت تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة مسؤولة عن التحقيقات الميدانية والاعتقالات داخل البلاد، ومن جهة أخرى تتولى جمع المعلومات الخارجية عن السفارات والبعثات. وهذا ما يجعلها نموذجاً مصغّراً عن طبيعة الدولة الأمنية السورية، حيث يتشابك الداخلي بالخارجي، والبيروقراطي بالاستخباراتي، والمكتبي بالميداني.
إن الطريقة التي كانت تُدار بها هذه المراقبة – عبر تقارير يومية مؤرّخة وموقّعة، تتضمن أسماء دقيقة وأرقام وثائق سفر، وأحيانًا نسخاً من جوازات الدبلوماسيين – تعكس ما يمكن وصفه بـ “العقل الإداري للأمن السوري”، عقل يوثق كل شيء، يحوّل الأشخاص إلى ملفات، ويتعامل مع كل حدث بوصفه معلومة يجب أن تُحفظ وتُصنّف، لا بوصفه واقعة بشرية.
هذا النهج الإداري الصارم، الذي نراه في متابعة الدبلوماسيين، هو نفسه الذي تجلّى في إدارة ملفات المعتقلين داخل الفروع الأمنية، وفي صور قيصر التي أظهرت أرقاماً مسلسلة على الجثث. إنها اللغة نفسها، البنية نفسها، والعقل الأمني نفسه الذي يربط بين المكاتب الباردة في المربع الأمني وغرف التحقيق تحت الأرض.
الفصل السابع: القيادة والمسؤولية القانونية
تُظهر الوثائق التي حلّلها متحف سجون سوريا أن الجرائم التي ارتُكبت داخل “الفرع 215” لم تكن نتيجة فوضى أو تجاوزات معزولة، بل نتاجاً مباشراً لهيكل قيادي واضح يمتد من رئاسة شعبة المخابرات العسكرية حتى أصغر غرفة تحقيق في دمشق. كل وثيقة، كل توقيع، وكل ختم، يبرهن أن ما جرى لم يكن انحرافاً عن الأوامر، بل تنفيذاً دقيقاً لها. هذه البنية القيادية، كما تصفها الملفات الإدارية، تُثبت أن المسؤولية عن القتل والتعذيب والإخفاء لا تقع على أفرادٍ مجهولين، بل على نظامٍ متكامل صُمِّم لإدارة القمع بوصفه وظيفة رسمية للدولة.
“الفرع 215″، بحسب ملف “البنية الإدارية للوحدة 215″، يخضع إدارياً وعملياتياً إلى رئاسة شعبة المخابرات العسكرية، وهي بدورها تتبع مباشرةً لوزارة الدفاع السورية، أي أنها جزء من المؤسسة العسكرية الرسمية. في رأس هذه السلسلة يقف رئيس الشعبة، وهو الذي يصدر التعليمات والأوامر التي تحدد سياسات التحقيق والتوقيف والتعامل مع المعتقلين. ترد في الوثائق إشارات متكررة إلى برقيات وتعاميم صادرة عن “رئاسة الشعبة” موجهة إلى “رؤساء الفروع”، تتضمن أوامر تنفيذية تحمل ختم وزارة الدفاع. هذه المراسلات تُعدّ دليلاً إدارياً مباشراً على أن القرارات المتعلقة بملفات التحقيق، والإحالات، وإغلاق الملفات، صدرت من القيادة العليا وليس من داخل الفرع نفسه.
في المستوى الثاني من الهرم، يظهر رئيس “الفرع 215” بصفته صاحب الصلاحية التنفيذية على الأقسام التسعة والسرايا الخمس المندرجة تحت إمرته. رئيس الفرع يتلقى الأوامر من الشعبة، ويحوّلها إلى أوامر داخلية مكتوبة، تُرسل إلى قادة الأقسام، مثل قسم التحقيق، والأرشفة، والخدمات الطبية، والنقل. كل هذه الأوامر تحمل توقيعه، ما يجعل الخط الإداري للقرار واضحاً: من رئاسة الشعبة إلى رئيس الفرع إلى قادة الأقسام. داخل هذا النظام، لا يوجد قرارٌ دون توقيع، ولا إجراءٌ دون ورقة، وهذا ما يمنح الجريمة شكلها المؤسسي الكامل.
تظهر في بعض الوثائق الإدارية نسخٌ من تقارير يومية مرفوعة من الفرع إلى القيادة، تتضمن قوائم بأسماء المعتقلين الجدد، والمحكومين، والمتوفين. تُرسل هذه القوائم إلى المكتب المركزي للشعبة، الذي يُعرف بـ “الفرع 293″، ويُشار في الملاحظات إلى “إيداع نسخة لدى القيادة”. هذه الصيغة تكررت في عشرات المراسلات، ما يعني أن القيادة العليا كانت تتلقّى بشكلٍ دوري تحديثاتٍ عن سير العمل داخل الفرع، بما في ذلك عدد الوفيات اليومية. لا يمكن لأي نظامٍ إداري أن يدوّن الموت بهذا الانتظام دون علم القادة الذين يشرفون عليه. إن وجود هذه التقارير في الأرشيف يثبت أن المعرفة كانت شاملة، وأن الصمت كان قراراً.
من خلال مقارنة تسلسل الأوامر مع تواريخ الوفيات، يتضح أن النشاط القاتل لـ “الفرع 215” بلغ ذروته في الفترات التي ترافقت مع زيادة التوجيهات الصادرة من الشعبة إلى الفروع بهدف “تسريع الإجراءات” و”عدم تأخير التحقيقات”. هذه اللغة، الواردة نصاً في أكثر من وثيقة، تُظهر أن القيادة كانت تستخدم لغة إدارية تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها في الواقع تعني تسريع دورة التحقيق التي غالباً ما تنتهي بالموت. إن استخدام هذه الصياغات المجردة هو جزء من البنية التي تسمح بإدارة القتل دون أن يُذكر القتل صراحة، بحيث تتحول الجريمة إلى “تنفيذ تعليمات”.
تُظهر الجداول التنظيمية أن رئيس الفرع كان يعيّن نواباً ومساعدين لإدارة الأقسام، وأن كل قسم يمتلك رئيساً وضباط صفٍّ يشرفون على العناصر. هذه البنية الهرمية تُنتج طبقات متتالية من المسؤولية، بحيث لا يمكن لأي انتهاك أن يحدث دون علم المستويات الأعلى. فالموقوف لا يدخل إلى الزنزانة إلا بقرار توقيف موقّع، ولا يُنقل إلى التحقيق إلا بأمرٍ داخلي، ولا تُرسل جثته إلى المشفى إلا بكتاب رسمي. إن التوقيع والختم في كل مرحلة هما ما يجعل الجريمة ذات طبيعة إدارية، أي أنها منظمة على مستوى الدولة.
في الوثائق الخاصة بشعبة المخابرات العسكرية، وردت أوصاف واضحة لوظائف الأقسام التابعة للفرع، مثل قسم التحقيق العملياتي وقسم المتابعة الفنية وقسم الخدمات الطبية. كل قسم من هذه الأقسام مرتبط مباشرة بمكتب رئيس الفرع، الذي بدوره يرفع تقاريره إلى رئاسة الشعبة. هذا الترابط الإداري العمودي يعني أن المعلومات تتدفق في اتجاهين دائمين: من القيادة العليا إلى الميدان، ومن الميدان إلى القيادة. بهذا الشكل، تتكرّس المسؤولية المشتركة: من يصدر الأمر يعلم بما سيحدث، ومن ينفّذه يعلم أن ما يفعله مشروعٌ ومطلوب، لأن الورقة موقعة والختم رسمي.
إن تحليل الوثائق الإدارية للوفيات يُظهر أن معظم الأوراق المتعلقة بالموت كانت تحمل توقيعين أساسيين: توقيع رئيس القسم الذي يبلّغ عن الوفاة، وتوقيع رئيس الفرع الذي يصدقها قبل إرسالها إلى الشعبة. ثم يُضاف توقيع ثالث في القيادة عند “اعتماد الوفاة”. هذا التكرار الثلاثي للتوقيعات يعني أن عملية القتل مرّت عبر ثلاثة مستويات من الإقرار: المستوى التنفيذي، والمستوى الإشرافي، والمستوى القيادي. كل مستوى صادق على النتيجة، ما يحوّل الجريمة من فعلٍ فردي إلى قرارٍ إداريٍّ مكتمل الأركان.
كما تُظهر المراسلات أن عملية الدفن ونقل الجثث لم تكن تتمّ إلا بعد موافقة القيادة المركزية، وأن “الفرع 248” لا يستطيع استلام الجثث دون “اعتماد القائمة من الشعبة”. هذه الآلية تبرهن أن الإخفاء كان أيضاً قراراً مؤسساتياً، لا مجرد نتيجة جانبية. عندما تُرسل برقية موقعة من رئاسة الشعبة إلى الفرع تقول “تمّت الموافقة على تسليم القائمة إلى الجهات المختصة”، فهذا يعني أن رأس الجهاز هو من يعطي الإذن بنقل الجثث، أي أن القيادة لم تكن فقط على علمٍ بالموت، بل تشارك في إدارته خطوة بخطوة.
في المستوى الأعلى من الهرم، تقع رئاسة شعبة المخابرات العسكرية التي تتبع رسمياً لقيادة الجيش والقوات المسلحة. هذا الارتباط المؤسسي يجعل من الجرائم التي ارتُكبت داخل “الفرع 215” جرائم تقع ضمن مسؤولية وزارة الدفاع والدولة السورية نفسها. فالتقارير التي تُرفع من الفروع إلى القيادة لا تُرسَل إلى جهةٍ حزبية أو أمنية غير معروفة، بل إلى مكتبٍ رسمي داخل بنية الدولة. تحمل عدد كبير من المراسلات الواردة في الوثائق عبارة “القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة – إدارة المخابرات العسكرية”، وهو ما يُثبت أن الفرع جزءٌ من مؤسسة الدولة لا من كيانٍ موازٍ لها. وبذلك، فإن الجرائم المرتكبة داخله هي جرائم دولة من الناحية القانونية، وليست تجاوزاتٍ أو أخطاء أفراد.
إنّ تتبع هذا التسلسل الإداري يوضّح أن المسؤولية القانونية عن الجرائم تبدأ من أعلى نقطة في الهرم. رئيس الشعبة هو من يصدر التعليمات، ورئيس الفرع هو من ينفّذها ويشرف على الأقسام، وضبّاط الأقسام ينفّذون الأوامر المباشرة على المعتقلين. هذه السلسلة لا تترك مساحةً للمبادرة الفردية، لأن النظام الأمني بُني على الطاعة والانضباط. وفي ظلّ هذا البناء، لا يمكن أن يحدث التعذيب والقتل والإخفاء آلاف المرات بالأسلوب نفسه إلا إذا كان ذلك هو الأسلوب المطلوب. إن انتظام الجريمة على مدى سنوات، ووجود آلاف الوثائق التي توثّقها بنفس اللغة ونفس الأختام، هو في ذاته دليل على وجود قرارٍ مركزيّ من القيادة.
كما تُظهر التقارير الشهرية الصادرة عن “الفرع 215” أن القيادة كانت تتلقى جداول دورية تتضمن مؤشرات أداء مثل “عدد الحالات المنجزة” و”نسبة الإنجاز الشهري”. وتكشف مراجعة مضمون هذه البنود أن مصطلح “الإنجاز” لا يشير فقط إلى التحقيقات المكتملة أو الإحالات النظامية، بل يشمل أيضاً الحالات التي انتهت بقدان الحياة داخل الاحتجاز. ففي بعض التقارير، تُدرج عمليات “تسليم المتوفين” ضمن خانة “الملفات المنجزة”، ما يعني أن الموت نفسه كان محسوباً ضمن مؤشرات الكفاءة الأمنية. بهذا الشكل، يتحول القتل إلى نتيجة إدارية قابلة للقياس، وتتحوّل الجريمة إلى معيار للإنجاز في منطق البيروقراطية الأمنية.
من خلال هذه الوثائق، يمكن القول إنّ “الفرع 215” لم يكن يعمل ككيان منفصل عن القيادة، بل كأداةٍ تنفيذية ضمن شبكة مترابطة، تُدار أوامرها من الأعلى وتُراقب نتائجها بشكلٍ دوري. فالمسؤولية لا تقف عند رئيس الفرع، بل تمتد إلى كل من شارك في إصدار التعليمات والمصادقة على التقارير، وصولاً إلى من سمح للنظام بالاستمرار في هذه الممارسات دون مساءلة. إنّ وجود هذه السلسلة الإدارية الواضحة يحوّل الجرائم إلى سياسة رسمية للدولة السورية، ويجعل من القيادة العسكرية والسياسية العليا شريكة في التنفيذ بحكم الإشراف والتوقيع والمعرفة.
في ضوء ما تقدّمه هذه الوثائق من تسلسلٍ إداري، يُثبت متحف سجون سوريا أنّ المسؤولية عن جرائم “الفرع 215” هي مسؤولية قيادية ممنهجة. فالموت لم يكن نتيجة انفلات أو غضب أو ردّ فعل، بل نتيجة قرارٍ إداريٍّ صيغ بالأوامر ووُقِّع بالأختام. كل مستوى في الهرم كان يؤدي دوره المحدد: القادة يقرّرون، الضباط ينفذون، والأطباء يغطّون، والإداريون يؤرشفون. هذه السلسلة المغلقة هي التي جعلت الجريمة ممكنة ومستدامة. إنها ليست فوضى، بل نظام، وليست انحرافاً عن القانون، بل القانون نفسه وقد تحوّل إلى أداة للقتل.
إنّ توثيق هذا التسلسل، من القرار إلى التنفيذ، هو الخطوة الأولى نحو المساءلة. فكل توقيعٍ في هذه الوثائق هو شاهد، وكل ختمٍ هو دليل، وكل ورقةٍ تحمل عبارة “تمّت الموافقة” هي إقرار رسمي بمسؤولية الدولة. وبهذا المعنى، فإنّ الجرائم التي ارتُكبت في “الفرع 215” ليست مجرّد انتهاكاتٍ ضد أفرادٍ مجهولين، بل جرائم منظّمة ارتكبتها مؤسسة الدولة بحقّ مواطنيها، بتخطيطٍ وإشرافٍ وتنفيذٍ جماعي.
الفصل الثامن: الوثيقة كدليل قضائي، توصيات لتجهيز ملف جنائي
تُشكّل الوثائق الصادرة عن “الفرع 215” واحدة من أندر الحالات في التاريخ المعاصر لما يمكن وصفه بـ “الجرائم الموثقة ذاتياً”، أي تلك التي تنتج مؤسساتُها بنفسها الأدلة الكفيلة بإدانتها. فالمئات من الجداول والمراسلات والتقارير الأمنية التي كُتبت بخطّ الضباط والعناصر، لا تكشف فقط تفاصيل الانتهاكات، بل تفضح البنية الإدارية التي جعلت الجريمة ممكنة، وتحوّل الوثيقة من مادة أرشيفية إلى دليل قضائي مكتمل الأركان. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الأرشيف الأمني كمصدر معلومات عن الماضي فحسب، بل كبنية إثبات حيّة تُظهر التسلسل القيادي والوظيفي الذي نُفّذت ضمنه عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل.
يقدّم هذا الفصل قراءة قانونية وتحليلية لهذه الوثائق، بوصفها أدلة داخلية على جرائم دولة، تكشف الطابع المنهجي للقتل والإخفاء في الوحدة 215، وتتيح تتبّع المسؤولية من المنفّذين المباشرين إلى القيادة العليا في شعبة المخابرات العسكرية. كما يسعى إلى إبراز القيمة القانونية والإنسانية لهذا الأرشيف في إطار العدالة الانتقالية، بوصفه ذاكرة مضادة تسجّل الجريمة بلغة الجناة، وتحوّل الورق الذي وُقّع بالأوامر الأمنية إلى أداة إثباتٍ وعدالة. بهذا المعنى، لا يقتصر هذا الفصل على عرض الوثائق، بل يقدّمها كـ “ملف جنائي مكتمل” يمكن البناء عليه في أي مسار قضائي مستقبلي، ويطرح سؤالاً جوهرياً: كيف تتحوّل الوثيقة، التي صُمّمت لإخفاء الجريمة، إلى أداةٍ لكشفها؟
أ- الوثيقة كذاكرة وعدالة مضادة
تقدّم الوثائق التي درسها متحف سجون سوريا حول “الفرع 215” نموذجاً فريداً في التاريخ المعاصر لما يمكن تسميته بـ “الجرائم الموثقة ذاتياً”، أي تلك التي سجّلتها الجهة المرتكبة نفسها. فالآلاف من السجلات، الجداول، المراسلات، والتقارير التي أنتجها “الفرع 215″، لم تترك مجالاً للشك في أن القتل والإخفاء والتعذيب لم تكن حوادث فردية أو طارئة، بل عمليات مؤسسية منظَّمة نُفِّذت بأوامر رسمية وتحت إشراف إداري متكامل. من خلال هذه الوثائق، يصبح “الفرع 215” ليس فقط موقعاً للجريمة، بل دليلاً قضائياً مكتملاً على طبيعتها وهيكليتها ومسؤوليتها. فكل ورقة تحمل توقيعاً، وكل توقيع يحمل تسلسلاً وظيفياً، وكل تسلسل يقود إلى رئاسة الشعبة، أي إلى الدولة نفسها.
إنّ ما تكشفه الوثائق ليس مجرد أرقام، بل لغة بيروقراطية للجريمة. في كل صفحة من ملفات الفرع، تتكرر المصطلحات ذاتها: “تمّت الإحالة”، “نُقل إلى الجهات المختصة”، “توفّي أثناء التحقيق”، “أُغلق الملف”. هذه اللغة، التي تبدو إدارية ومحايدة، هي في جوهرها لغة القتل الرسمي. فهي تخفي الجريمة داخل جملة قانونية، وتحوّل العنف إلى فعلٍ إداريٍّ مشروع. لهذا السبب، تشكل الوثائق الموقّعة والمختومة داخل “الفرع 215” مادةً قانونيةً لا غنى عنها لأي مسار للعدالة الانتقالية، لأنها تبرهن أن الجريمة لم تكن خفية، بل موثّقة، موقّعة، ومصرّح بها داخل النظام.
من الناحية القانونية، يمكن تصنيف الأدلة الواردة في هذه الوثائق ضمن ثلاثة مستويات مترابطة. الأول: هو الدليل الإداري، المتمثّل في الأوامر والمراسلات الرسمية الصادرة عن رئاسة الشعبة والموجَّهة إلى رؤساء الفروع. هذه الوثائق تثبت التسلسل القيادي للقرارات وتؤكد أن التعليمات المتعلّقة بالتوقيف والتحقيق والتصفية كانت تصدر من القيادة العليا. أما الثاني: هو الدليل المادي، المتمثل في الجداول الرقمية للوفيات، ودفاتر الاستلام والتسليم، وقوائم النقل إلى المشفى العسكري 601، وكلها تحمل أختاماً وتواقيع رسمية. هذه المواد تُظهر العدد، التكرار، والأسلوب، وتحوّل الموت إلى بياناتٍ قابلة للتحليل الكمّي. في حين أن الثالث: هو الدليل البنيوي، أي الترابط بين الأمني والطبي والإداري، الذي يجعل الجريمة جزءاً من بنية الدولة وممنهجة لا مجرد ممارساتٍ فردية. هذه المستويات الثلاثة، عند جمعها معاً، تشكل ملفاً قضائياً متكاملاً يمكن استخدامه لإثبات مسؤولية القيادة في الجرائم ضد الإنسانية.
“الفرع 215” ليس موقعاً مادياً فحسب، بل وثيقة بحد ذاته. فالمؤسسة التي نظّمت القتل ودفنت ضحاياها في المقابر الجماعية هي نفسها التي وثّقت كل ذلك بخطّها وأختامها. لذلك، لا يحتاج الباحث أو المدّعي العام إلى إعادة بناء الجريمة من الصفر، يكفي تحليل الوثائق التي أنتجها النظام نفسه ليدرك أن الجريمة كانت سياسة دولة مكتوبة بلغة البيروقراطية. عندما تسجَّل مئات الوفيات في يومٍ واحد بالعبارة ذاتها “توقف القلب والتنفس”، وعندما تُعتمد القوائم بتوقيعات ضباطٍ في القيادة، فهذا لا يترك مجالاً لأي تبرير. الوثائق هنا ليس شاهداً على الجريمة فقط، بل شريكاً في ارتكابها.
من خلال تحليل آلاف الوثائق يمكن تتبّع دورة الموت الكاملة داخل “الفرع 215”: من الاعتقال إلى التحقيق إلى القتل وفقدان الحياة إلى التوثيق الطبي إلى النقل ثم الدفن بمقابر جماعية لا تحترم شعائر الدفن أو طرائقه. هذه الدورة، التي تتكرر حرفياً عبر مئات الحالات، تكشف عن نظام قتل بيروقراطي مغلق، يشبه في طبيعته الأنظمة التي أُدينت دولياً في جرائم الإبادة الجماعية. غير أن خصوصية الحالة السورية تكمن في أن الأدلة لم تُنتزع من الخارج، بل وُجدت داخل مؤسسات الدولة نفسها. فالموظفون الأمنيون الذين وثقوا الوفيات، والأطباء الذين كتبوا أسبابها، والضباط الذين صدّقوا عليها، جميعهم تركوا أثراً خطياً يُظهر التسلسل الكامل للجريمة. هذه الآثار هي ما يمنح السوريين قدرةً استثنائية على تحويل الذاكرة إلى دليل.
إنّ قيمة هذه الوثائق لا تكمن في قدرتها على إدانة أفرادٍ بعينهم فحسب، بل في كشف المنهج الذي حوّل أجهزة الدولة إلى آلة قتلٍ مؤسسية في خدمة نظام الأسد. ففي كل وثيقة يظهر وجه الدولة الإدارية — الأختام، الأرقام، الخطوط الرسمية، التعليمات، الجداول — وكلها تدل على عقلٍ بيروقراطيٍ منظّم جعل الجريمة ممكنة. لذلك، عندما الحديث عن “الفرع 215 كدليل قضائي”، فالإشارة لا تتم إلى مبنى أو ملفات محددة، بل إلى نظامٍ من الوثائق يبرهن أن القتل كان سياسةً مكتوبةً، لا سلوكاً استثنائياً.
تُبرز الوثائق أيضاً بُعداً آخر للعدالة، هو الذاكرة المؤسسية. فبينما تسعى الأنظمة القمعية إلى محو آثار ضحاياها، أعادت هذه الملفات إليهم وجودهم الموثّق. الأسماء التي وردت في الجداول، وأرقام الملفات، والتواريخ، كلها تشكل ذاكرة جماعية مضادة، ذاكرة توثق من قُتل ومن وُقّع على قتله. هذه الذاكرة ليست عاطفية أو رمزية فقط، بل قانونية أيضاً. فهي تتيح تحديد هوية الجناة والمسؤولين، وتعيد بناء سلسلة القيادة والأوامر، وتحوّل الألم الشخصي إلى شهادة موضوعية. في هذا المعنى، يصبح التوثيق نفسه فعل مقاومة، وتصبح الذاكرة أداة للعدالة.
يمكن اعتبار كل وثيقة من وثائق “الفرع 215” دليلاً أولياً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وفقاً للمعايير الدولية التي تحدد هذه الجرائم: القتل المتعمد، التعذيب، الإخفاء القسري، والإبادة من خلال الاحتجاز. فوجود سياسة منهجية، قائمة على أوامر وتكرار واستمرارية، يفي بجميع شروط “الطابع المنهجي” و”المعرفة القيادية” المنصوص عليها في القانون الدولي. كما أنّ استخدام مؤسسات الدولة — الشعبة، المشفى، الأرشيف، والجيش — في تنفيذ هذه الجرائم، يجعلها جرائم دولة بالمعنى الكامل للكلمة، أي أن المسؤولية فيها ليست فقط جنائية فردية، بل مسؤولية سيادية تقع على عاتق القيادة السياسية والعسكرية العليا.
لكن البعد الأهم في هذا الملف هو ما يتيحه من تحويل التوثيق إلى عدالة ملموسة. فكل وثيقة يمكن أن تكون ورقة في ملف قضائي، وكل جدول يمكن أن يشكّل ملحقاً اتهامياً في دعوى أمام المحاكم الوطنية أو الدولية. هذا هو جوهر عمل متحف سجون سوريا: تحويل المعرفة إلى إجراء يفضي إلى تحقيق العدالة للضحايا، وحفظ الأدلة وتحليلها وإتاحتها للعدالة المستقبلية، ضمن منظومة أرشفة رقمية وأخلاقية تحفظ سياقها القانوني والإنساني. بذلك، يصبح المتحف ليس فقط شاهداً على الماضي، بل طرفاً فاعلاً في صناعة العدالة القادمة.
إنّ “الفرع 215″، كما تكشفه هذه الوثائق، لم يكن مجرد فرعٍ أمني، بل مختبراً للدولة القاتلة. والآن، بفضل هذه الوثائق المحفوظة، صار أيضاً مختبراً للعدالة الممكنة. ففي كل صفحةٍ من أرشيفه، نرى توازٍ بين موتٍ وُقّع عليه بالأختام، وذاكرةٍ تُوقّع عليه اليوم بالأدلة. بين جريمةٍ حوّلها النظام إلى معاملةٍ رسمية، وعدالةٍ تحاول تحويل تلك المعاملة إلى إدانةٍ قانونية. بهذه العملية، يتحوّل الأرشيف الأمني من أداةٍ للسيطرة إلى أداةٍ للمساءلة، ومن رمزٍ للرعب إلى وثيقةٍ للحقيقة.
هذه الوثائق، التي تحمل تواقيع ضباطٍ وجنودٍ وأطباء، تشكّل اليوم حجر الأساس في مسار العدالة السورية القادمة، لأنها تربط بين الذاكرة الفردية والجماعية، بين الألم والإثبات، بين الرعب والحقّ. إنّ تحويل هذا الأرشيف من أداةٍ للقتل إلى أداةٍ للعدالة هو الفعل الحقيقي للمتحف: أن يجعل من الورق الذي خُطّ باسم الدولة القاتلة، وثيقة إدانةٍ للدولة نفسها. وهكذا، يخرج “الفرع 215” من الظلمة لا كموقعٍ للانتهاك فحسب، بل كذاكرةٍ حيّة، وكدليلٍ قضائيٍّ على أن الحقيقة، مهما تأخرت، تُكتب في النهاية بحبر الجناة أنفسهم.
ب- سلسلة القيادة والمسؤولية القانونية
يُظهر تحليل البنية الإدارية والتنظيمية لـ “الفرع 215” أن الانتهاكات المرتكبة داخله جرت ضمن منظومة قيادية متسلسلة تمارس سلطة قانونية باسم الدولة السورية. هذا الواقع القانوني يجعل المسؤولية الجنائية تمتدّ تصاعدياً من المنفذين المباشرين إلى أعلى المستويات القيادية في شعبة المخابرات العسكرية، وصولاً إلى القيادة العامة للجيش ومكتب الأمن الوطني، بموجب مبدأ “مسؤولية القيادة والسيطرة” (Command Responsibility) المنصوص عليه في المادة (28) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
تُحدّد هذه المادة أن القائد العسكري أو من يتصرّف بصفته تلك يتحمّل المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوه، إذا علم بها أو كانت لديه أسباب معقولة للعلم، ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها. وبالنظر إلى تسلسل الأوامر في “الفرع 215″، يتضح أن كلّ حالة اعتقال، تحقيق، أو فقدان حياة نتيجة للأسباب غير الطبيعية تمرّ عبر مسارٍ إداري مضبوط بالأوامر والتواقيع والمراسلات الرسمية، ما يوفّر سلسلة دليل إداري–جرمي تربط بين الفعل والقرار.
في المستوى التنفيذي الأدنى، يقف المحققون وعناصر الأمن العاملون في أقسام التحقيق والمفارز، الذين ينفذون عمليات الاعتقال ثم الاستجواب والتعذيب. هؤلاء يُعدّون “المنفذين الماديين” (Direct Perpetrators) للجرائم. إلا أن تقارير الوفاة التي تحمل توقيعات “رئيس قسم التحقيق” أو “رئيس الديوان” تُظهر أن الأوامر بمتابعة التحقيقات أو المصادقة على الوفاة تصدر من مستويات أعلى.
في مستوى أعلى يتولى رؤساء الأقسام (التحقيق، الأرشفة، المعلومات، الشؤون الفنية) مسؤولية الإشراف المباشر على سير العمل اليومي، وتوقيع التقارير، ومراقبة النتائج. هذه الوظائف، وفق القانون الدولي، تُعتبر “مواقع قيادة تنفيذية” (Operational Command) لأن أصحابها يملكون سلطة إصدار الأوامر والإشراف على مرؤوسيهم. وبالتالي، فإن علمهم بالجرائم وعدم اتخاذهم أي إجراء لإيقافها أو الإبلاغ عنها يجعلهم شركاء في المسؤولية الجنائية.
الطبقة التالية تضمّ مكتب القائد، الذي يشرف على كل الأقسام، ويتولى المراسلات مع رئاسة الشعبة والمشفى العسكري والشرطة العسكرية. هذا المكتب يمثّل حلقة الربط الإدارية بين القائد والدوائر التنفيذية، ويتحمل مسؤولية تنظيم عملية “الإبلاغ عن الوفيات”، بما في ذلك توقيع كتب الإحالة وبيانات التسليم. وجود ختم المكتب على وثائق الوفاة يجعل كلّ ما يصدر عنه دليلاً إدارياً على علم القيادة بالنتائج المميتة للتحقيقات، وتبنيها بشكل مباشر.
أما قائد الوحدة 215 نفسه، فهو الحلقة الأكثر أهمية في سلسلة القيادة والأوامر، ويُعتبر من منظور القانون الدولي صاحب المسؤولية القيادية العليا داخل نطاق وحدته. وفقاً لوثائق شعبة المخابرات العسكرية، فإن القائد يمتلك صلاحية التوقيع على قرارات التوقيف، المصادقة على محاضر التحقيق، إقرار النقل إلى المشفى العسكري أو الفروع الأخرى، وتثبيت حالات الوفاة في السجلات الرسمية. هذه الصلاحيات تجعل من القائد شخصاً “يعلم أو عليه أن يعلم” بوقوع الانتهاكات، لأن الوثائق الإدارية الخاصة بكل حالة وفاة تمرّ عبر مكتبه.
الطبقة التالية من المسؤولية تتجسد في رئاسة شعبة المخابرات العسكرية “الفرع 293” التي تشرف على جميع الفروع التابعة لها، بما فيها 215، 227، و235. وتؤكد سجلات المراسلات أن الفرع يرفع تقاريره الدورية إلى رئاسة الشعبة مباشرةً، ما يعني أن علم القيادة العليا بمعدلات الوفيات داخل الفرع كان أمراً مؤكداً. ووفق مبدأ المسؤولية القيادية، فإن الصمت الإداري أو عدم اتخاذ إجراءات عقابية يُعدّ موافقة ضمنية على استمرار الجريمة، وهو ما يرتقي إلى تواطؤ مؤسسي.
فوق الشعبة، يأتي مكتب الأمن الوطني التابع مباشرة لرئاسة الجمهورية، والذي ينسّق بين فروع الأجهزة الأمنية كافة. هذا المكتب يُصدر أوامر أمنية عليا، ويصادق على خطط العمليات. إدراج “الفرع 215” ضمن نطاقه العملياتي يعني أن الأوامر التي أدّت إلى الاعتقالات والتصفيات كانت تحمل طابعاً رسمياً صادراً عن جهاز الدولة من أعلى المستويات. هذه الصلة المباشرة تؤسس لمفهوم “المسؤولية على مستوى الدولة”، أي أن القتل الممنهج في “الفرع 215” هو فعل سياسي مؤسساتي وليس جريمة أفراد.
قانونياً، يمكن تقسيم المسؤولية إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
- المسؤولية المباشرة (Direct Responsibility) عن الفعل المادي: الاعتقال، التعذيب، القتل، التصفية، الإخفاء.
- المسؤولية القيادية (Command Responsibility) لمن أصدر أوامر أو أشرف أو تغاضى عن التنفيذ.
- المسؤولية المؤسسية (Institutional Responsibility) للأجهزة التي وضعت السياسات وسهّلت تنفيذها.
التحليل المقارن بين الوثائق الرقمية (جداول الوفيات، سجلات التسليم، محاضر التحقيق) والهيكل الإداري يُظهر تطابقاً واضحاً بين النظام البيروقراطي للإدارة والنظام العملياتي للقتل. هذا التطابق هو ما يجعل أرشيف “الفرع 215” دليلاً قضائياً مكتمل الأركان، يمكن استخدامه لتحديد سلسلة القيادة والأوامر، وإثبات توافر الركنين المادي والمعنوي للجريمة، كما يتيح تتبّع القرار من لحظة الاعتقال حتى تسجيل الوفاة في النظام الإداري للدولة.
إن جوهر المسؤولية في هذا السياق لا يقوم على إثبات التعذيب فقط، بل على إثبات أن التعذيب والقتل كانا سياسة متبعة ومؤسّسية. وهذا ما تثبته وثائق “الفرع 215” بشكل لا لبس فيه: من الأوامر الصادرة، إلى الجداول المحوسبة، إلى الأختام الرسمية التي تُحوّل الموت إلى إجراء إداري روتيني. بناءً عليه، فإن كل مستوى قيادي في هذه السلسلة يتحمل المسؤولية الجنائية الدولية عن الجرائم التي ارتُكبت، ضمن مبدأ أن “السلطة التي تُصدر الأمر أو تُجيزه تُدان بقدر من نفّذه”.
الخاتمة والتوصيات
يقدّم هذا البحث، في إطار عمل متحف سجون سوريا، تصوراً علمياً وتوثيقياً لموقع “الفرع 215” بوصفه نموذجاً لنظام القتل البيروقراطي، كما يضع أمام الجهات القانونية والبحثية والحقوقية والتوثيقية مجموعة من التوصيات العملية التي تهدف إلى:
- حفظ الأدلة المادية والرقمية وضمان سلامتها.
- دعم مسارات العدالة المستقبلية.
- تعزيز حق الضحايا وعائلاتهم في المعرفة والذاكرة.
1. توصيات موجّهة للجهات القضائية والحقوقية
- الاستفادة من قاعدة البيانات التي طوّرها المتحف لبناء ملفات قانونية لدى الجهات القضائية المختصة، وطنياً ودولياً.
- اعتماد نموذج “المسؤولية القيادية” في التحليل القانوني للوثائق الصادرة عن “الفرع 215”.
- تشجيع التعاون بين المنظمات الحقوقية السورية والدولية لتوحيد ملفات الاعتقال والإخفاء القسري وضمان تكامل الأدلة.
2. توصيات توثيقية
- تطوير أرشيف رقمي وطني مركزي وفق معايير الحفظ وسلسلة الحيازة القانونية.
- استكمال الربط بين سجلات الوفيات والمقابر الجماعية لتوثيق المسار الكامل للضحايا.
- إعداد دليل منهجي لتوثيق الجرائم البيروقراطية مستند إلى تجربة “الفرع 215”.
3. توصيات توثيقية وبحثية
- الحفاظ على مبنى “الفرع 215” كموقع ذاكرة وطنية، ومنع أي أعمال تخريب أو تعديل في الجدران التي تحتفظ بآلاف الرسائل والأسماء، والعمل على ترميمها علمياً وتحويل الموقع إلى متحف عام للذاكرة والعدالة.
- إتاحة الأرشيف للعائلات والأفراد من خلال منصة آمنة ومنظمة تمكّن كل عائلة من الوصول إلى ملف أحبائهم المفقودين ضمن إطار قانوني وأخلاقي يحمي الخصوصية ويعزز التعافي المجتمعي والسلم الأهلي.
- دمج مفهوم الجرائم الموثقة ذاتياً في الدراسات الأكاديمية والبحثية لتطوير فهم نقدي لبنية الدولة القمعية في سوريا.
- – شُعبة المخابرات العسكرية تُعد واحدة من أقدم أجهزة الاستخبارات في سوريا، وتأسّسَت بشكلها المعروف عام 1969، إذ كانت تُعرف قبلها باسم المكتب الثاني الذي تعود جذوره إلى فترة الانتداب الفرنسي. لاحقاً، شكّلت شُعبة المخابرات العسكرية، المعروفة أيضاً باسم “الأمن العسكري”، أحد أبرز أجهزة الاستخبارات التابعة لنظام الأسد. ورغم تبعيّتها رسمياً لهيئة الأركان العامة وبالتالي وزارة الدفاع؛ إلا أنها لعبَت أدواراً محورية في تسمية رئيس هيئة الأركان ووزير الدفاع، كما أنها ارتبطت بمكتب الأمن الوطني. وقد اضطلعت الشعبة بجملة من المهام، أبرزها: جمع المعلومات الاستخباراتية العسكرية، تأمين الحدود، مراقبة الاتصالات العسكرية، ومتابعة سلوكيات العناصر العسكرية للكشف عن التهديدات الأمنية الداخلية، كما كانت مسؤولة عن مراقبة مراكز الاحتجاز العسكرية.ولم تقتصر مهامها على الجانب العسكري، بل شاركت على نطاق واسع في عمليات الاعتقال والاحتجاز والإخفاء القسريّ، ومثَّلت الجهاز الأكثر تغولاً في حياة المدنيين، إذ كانت الجهة المسؤولة عن إصدار أكبر عدد من مذكرات التوقيف بحق السوريين، بالإضافة لسطوتها المعروفة داخل الجيش ذاته.اعتمدت الشعبة نظاماً مرجعياً رقمياً ثلاثياً لترميز فروعها، سواء المركزية في دمشق أو الإقليمية في المحافظات، ومن أبرز فروعها المركزية: فرع التحقيق (248)، فرع فلسطين (235)، فرع المداهمة (215)، فرع المنطقة في دمشق (227)، وفرع حلب (290). إضافة إلى أقسام فرعية في مختلف المدن، وكذلك مئات الحواجز والمفارز التي انتشر فيها عناصر الشعبة خصوصاً بعد عام 2011. علماً أن الشعبة قد أسَّسَت على مدار السنوات اللاحقة عدداً كبيراً من الميليشيات التابعة لها، والتي مارست ذات الأدوار المُناطة بعناصر الشعبة، خاصة في تنفيذ الاعتقالات والانتهاكات، وأبرزها ميليشيا “درع الأمن العسكري”.المصدر: متحف سجون سوريا – “إحالة المدنيين إلى السجون العسكرية”، قسم “الأجهزة الأمنية في سوريا: البنى والصلاحيات – شعبة المخابرات العسكرية”،prisons.museum/ar/syria/investigations/إحالة-المدنيين-إلى-السجون-العسكرية ↑ ↑
- – المشافي العسكرية في سوريا هي مؤسسات طبية تتبع إدارياً وتنظيمياً لوزارة الدفاع، وتُعنى بتقديم الرعاية الصحية للعسكريين وعائلاتهم، ومعالجة الجرحى والمصابين من وحدات الجيش والأجهزة الأمنية.
تُشكّل هذه المشافي جزءاَ أساسياً من البنية اللوجستية للمنظومة العسكرية والأمنية، وتُستخدم أيضاً كمراكز طبية استراتيجية في أوقات النزاعات. لكن دورها لم يقتصر على الجانب الطبي؛ إذ أدّت في مراحل مختلفة وظائف أمنية وإدارية مرتبطة بعمل أجهزة المخابرات، من خلال توثيق حالات الوفاة داخل الفروع الأمنية، وإصدار تقارير طبية وبيروقراطية لتبرير أسباب القتل أو الإخفاء القسري، وهو ما جعلها حلقة أساسية في منظومة الانتهاكات التي مورست داخل مؤسسات الدولة.من أبرز هذه المشافي العسكرية في سوريا:- مشفى تشرين العسكري: يقع في منطقة برزة بدمشق، ويتبع لوزارة الدفاع، افتُتح عام 1982 ويقدّم خدمات طبية للعسكريين والمدنيين.
- مستشفى يوسف العظمة العسكري (المعروف أيضًا بـ«601 العسكري» أو «مشفى المزة العسكري»): يقع في منطقة المزة بدمشق، ويُعدّ من أكبر المراكز الطبية التابعة للجيش، اعتمدت عليه أفرع شعبة المخابرات العسكرية لتوثيق حالات القتل.
- مستشفى حمص العسكري (المعروف رسميًا باسم «مستشفى الشهيد عبد القادر الشقفة»): يقع في مدينة حمص، ووردت تقارير حقوقية عن استغلاله في سياقات الاعتقال والتعذيب خلال النزاع السوري.
- قائمة الوثائق والمواد التي خضعت للتحليل في هذا التحقيق: 1. وثائق إدارية وأمنية رسمية
- أكثر من 2,300 وثيقة رسمية صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية السورية بين عامي 2009 و2018، تحمل أختام وتواقيع من فروع:
- الفرع 215 (الوحدة 215 / سرية المداهمة)
- الفرع 294
- الفرع 248 (فرع التحقيق العسكري المركزي)
- الفرع 291 (الفرع الإداري المركزي)
- تشمل هذه الوثائق:
- أوامر قبض وتوقيف وتحقيق.
- مذكرات تنسيق بين الفروع حول مراقبة شخصيات أو مجموعات.
- مراسلات أمنية بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، وسفارات أجنبية، وموظفين في مؤسسات حكومية.
- تعليمات أمنية داخلية حول “الإجراءات الواجب اتخاذها” في حالات الوفاة أو الاختفاء.
2. سجلات الوفيات الرسمية (Excel + أرشيف ورقي)
- ملف رقمي يحتوي على 1,526 حالة وفاة داخل الفرع 215، موثّقة بتواريخ الاعتقال والوفاة.
- الجداول تتضمن:
- رقم الملف الأمني لكل معتقل.
- تاريخ الاعتقال وتاريخ الوفاة (بعضها بفارق أيام معدودة).
- العمر، المنطقة، المهنة (إن وُجدت).
- أسباب الوفاة الرسمية (“توقف قلب وتنفس”، “قصور في الدوران”).
- تمّ مطابقة هذه البيانات مع:
- سجلات المشفى العسكري 601 (إشارات رقمية وتواريخ تسليم).
- جداول وزارة الدفاع المسرّبة بين 2013 و2014.
- شهادات من معتقلين سابقين حول الأسماء المتداولة في الفرع.
3. مراسلات بين الفروع (215 ↔ 294 ↔ 248)
- مراسلات متبادلة حول:
- مراقبة وتحليل نشاطات جماعة الإخوان المسلمين (2010–2011).
- التنسيق بخصوص مواطنين “مشتبه بهم” على صلة بدول عربية.
- حجز أملاك الفارين خارج البلاد (خاصة المقيمين في قطر والسعودية).
- المراسلات مؤرّخة بختم “سري للغاية – فوري”، وموقّعة من ضباط برتبة عميد أو مقدم.
- بعضها يتضمن مرفقات ميدانية (صور هويات، جوازات سفر، جداول ممتلكات).
4. محاضر التحقيق وتقارير الاستجواب
- أكثر من 120 محضر تحقيق داخلي مع معتقلين، تتنوّع بين:
- تحقيقات حول الانتماء السياسي أو الطائفي.
- ملفات تتعلق بالتواصل مع الخارج (عبر الإنترنت أو الهواتف).
- تقارير متابعة بعد الإفراج أو الوفاة.
- أغلبها يستخدم لغة إدارية نمطية:
“تم اتخاذ اللازم”، “جرى التحقيق”، “يرجى الاطلاع واتخاذ ما ترونه مناسباً”. - تكشف هذه اللغة الطابع البيروقراطي لعملية القتل والتصفية.
5. سجلات القوى البشرية والسرايا القتالية (2012–2016)
- جداول تنظيمية للوحدة 215 توضح:
- عدد السرايا القتالية (5 سرايا رئيسية).
- توزيع العناصر على المهام الميدانية (بيت سحم، المزة، درعا، حمص، السويداء…).
- قوائم بأسماء الضباط وصف الضباط والمجندين.
- سجلات المهمات الأمنية اليومية وتقارير الحواجز الدورية.
- بعض الجداول تشير إلى “سرايا المتطوعات” و”سرية المفارز والحراسة”.
6. وثائق طبية وإحالات إلى المشفى العسكري 601
- عشرات الوثائق التي تربط بين الفرع 215 والمشفى 601، وتشمل:
- كتب إحالة جرحى ومعتقلين “سوء الحالة العامة”.
- سجلات استلام الجثث وتحديد أرقامها التسلسلية.
- شهادات وفاة رسمية مختومة بختم “إدارة الخدمات الطبية العسكرية”.
- تُظهر تطابقاً تاماً بين أرقام الحالات في سجلات الوفاة وبين أرقام الجثامين المسجلة في صور “قيصر”.
7. صور مسرّبة وأدلة بصرية (ملفات قيصر + صور من الداخل)
- مجموعة صور من ملف قيصر تطابق تواريخ وأرقام الجثث مع سجلات الفرع 215.
- صور داخلية من مقرات الفرع (منشورات المراسلين المنشقين 2012–2013) تُظهر غرف التحقيق والمكاتب الإدارية.
- بعض الصور تحتوي على أسماء ورسائل مكتوبة بخط المعتقلين على الجدران، جرى توثيقها فوتوغرافياً ضمن أرشيف المتحف.
8. بيانات المراقبة الإلكترونية والاتصالات
- مذكرات داخلية حول تتبُّع المكالمات الهاتفية وتسجيلها.
- إشارات إلى “الأقراص المدمجة” (CDs) المرفقة في ملفات تحقيق تتعلق باتصالات مع الخارج.
- نصوص تفريغ جزئية لمكالمات استخدمت كـ”دلائل” ضد الموقوفين.
9. خرائط تنظيمية ومخططات ميدانية
- خرائط توضح توزيع السرايا والمفارز في دمشق ومحيطها.
- رسومات تنظيمية للبنية الإدارية للوحدة (مكتب القائد – الأقسام – السرايا – اللوجستيات – المستوصف – الأرشفة).
- مصادرها: وثائق داخلية وجداول مرفقة في تقارير الأمن الميداني.
- أكثر من 2,300 وثيقة رسمية صادرة عن شعبة المخابرات العسكرية السورية بين عامي 2009 و2018، تحمل أختام وتواقيع من فروع:
- – الجدول “وفاة شاملة معتمدة” هو قاعدة بيانات مركزية أعدّها الفرع 248 لتوثيق حالات الوفاة داخل شبكة فروع شعبة المخابرات العسكرية. تضم القاعدة بيانات 14,088 حالة وفاة موزعة على أكثر من 20 فرعاً أمنياً من مختلف المحافظات السورية، وتغطي الفترة الممتدة بين 12 كانون الأول/ ديسمبر 2011، وهو أقدم تاريخ وفاة مسجل، و4 تموز/ يوليو 2020، وهو أحدث تاريخ وفاة موثّق في السجلات.تمثل هذه القاعدة السجل الرسمي الداخلي للموت الأمني في الشعبة، إذ توثّق كل حالة وفاة ضمن نظام أرشفة إداري دقيق يشمل رقم الملف، وتاريخ الوفاة، واسم المتوفى (أو رقمه الأمني في حال كان مجهول الهوية)، والفرع المرسل والمستلم (غالباً المشفى العسكري 601 أو فروع أخرى مثل 215 و291)، بالإضافة إلى رقم الكتاب الرسمي وتاريخ التسليم.تُظهر هذه البيانات أن الوفاة داخل الفروع الأمنية لم تكن نتيجةً لأحداث طارئة أو فردية، بل جزءاً من منظومة بيروقراطية متكاملة تُدار بالمراسلات والإحالات والتواقيع الرسمية، حيث تمر كل جثة بسلسلة من الإجراءات الإدارية حتى تُدرج ضمن قوائم «الوفيات المعتمدة».
تشكل هذه القاعدة أحد أهم الأدلة الرقمية الموثقة على البنية الإدارية للموت داخل أجهزة المخابرات العسكرية السورية، وتكشف كيف تحوّل التعذيب والقتل إلى ملفات رسمية مؤرشفة ضمن نظام الدولة، تمتد عبر تسع سنوات متواصلة من العمل الأمني المنظّم. ↑ - قسم المهمّات فهو أحد المكوّنات الإدارية الأساسية التي تضمن تشغيل الفرع يومياً، ويُعدّ العقدة اللوجستية التي تربط بين أقسامه المختلفة. لا يشير اسم القسم هنا إلى «المهمّات الميدانية» أو عمليات المداهمة، بل إلى المهمّات الإدارية والتنظيمية التي تسمح للفرع بالعمل بوصفه منشأة أمنية مغلقة ومكتفية ذاتياً. يتولى القسم تسجيل دوام العناصر وحركتهم، تنظيم الإجازات والمناوبات، إصدار أوامر النقل والمرافقة، وتنسيق تنقّل الملفات والمستندات بين المكاتب، إضافة إلى تدوين السجلات اليومية ورفعها إلى القيادة. بهذا المعنى، يشكل قسم المهمّات العمود الفقري للمنظومة اللوجستية، إذ يدير الحركة البشرية والمستلزمات الضرورية ويضمن استمرار العمليات الأمنية عبر إدارة دقيقة للموارد والمهام. ↑
- متحف سجون سوريا، “ثماني شهادات مصوّرة لمعتقلين/ات سابقين في الفرع 215 بعد التحرير”. مقابلات مصوّرة، 2025 ↑
- على طول الدراسة وأينما وردت كلمة “وفاة” فلا يقصد بها وبأي حالة من الحالات الوفاة الطبيعية للأشخاص، وإنما تشير إلى حالات القتل المباشر أو تحت التعذيب وكذلك فقدان الحياة الناجم عن إنعدام الرعاية الطبية أو الإهمال المتعمد من قبل نظام الأسد وفروعه الأمنية. ↑