
- صحيفة الثورة السورية
الثورة السورية – رنا بدري سلوم
لمحة خاطفة منك على رسمة كاريكاتير قد تثير تساؤلاً في نفسك أو تفتح باب التعجب وربما الجدل، وقد تطلّ بنقد لاذع على حقيقة قد يصعب على الحبر وصفها، إنه الكاريكاتير الذي جسّده العديد من الفنانين السوريين من خلال المعاناة اليومية لشعب عاش القمع والتهجير والقصف، ففتحوا نافذة للعالم ليطّلع على حقيقة ما كان يجري في بلدهم بعيداً عن التضليل الإعلامي والحصار المعلوماتي آنذاك.
فن الكاريكاتير أكثر من كونه تجربة فنية ونشاطاً إبداعياً، إنه مهمة إنسانية ووطنية ملتزمة، لفنان لا يستطيع أن يقف على الهامش ويتفرّج، هكذا جمع فنان الكاريكاتير بين الجرأة والصدق في رسالته الإنسانية، ليكون شاهداً على الثورة، بمقاومة بصرية حيّة وأداة لنشر الوعي والحقائق على المستويين المحلي والعالمي.
فكيف عاش رسام الكاريكاتير مرحلة الثورة؟ وكيف عبّر بريشته وألوانه عن إرادة شعبه؟ هذه الأسئلة وغيرها وجّهناها للفنان هاني عباس، الذي حدّثنا في حواره لـ«الثورة السورية» عن هذا الفن ورسوماته وكتبه المتخصصة فيه، وهو اليوم يعمل مدرساً للفنون البصرية والكاريكاتير في جنيف، بعد أن عاش أحداث الثورة وعاشت فيه ذكريات تلك المرحلة.
الكاريكاتير فن يبوح بما تعجز عنه الكلمات، فكيف كانت تجربتك معه؟
مهمة فن الكاريكاتير هي نقد الأخطاء والسلطات وبناء رأي عام حول القضايا التي يؤمن بها الفنان، والقضايا في منطقتنا العربية كثيرة ومعقّدة.
قبل الثورة السورية عام 2011 كان عملي يركّز على هذا الاتجاه، ومع اندلاع الثورة كنت في الصفوف الأولى داعماً للحراك الشعبي السلمي في جميع مناطق سوريا، ومع بدايتها وضعت كل خبرتي وتجربتي في خدمة مطالب التغيير والحرية والعدالة لجميع أبناء الشعب السوري، وهي نفس القضايا التي كنت أدافع عنها سابقاً مثل القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا المحقّة عالمياً.
منذ عام 2009 كنت رسام كاريكاتير في موقع «الجزيرة نت» وبعض الصحف الخليجية، كما نشرت أعمالي في الصحافة السورية، ومع بدء الثورة بدأت أرسم وأنشر الرسومات الداعمة للثورة السورية عبر تنسيقياتها، بدايةً من درعا مروراً بريف دمشق ومخيم اليرموك، ثم في الصحف اللبنانية مثل «النهار» و«المدن»، إلى جانب النشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
أنا والكثير من رسامي الكاريكاتير السوريين حملنا هذه الأمانة لدعم الحراك الشعبي في مواجهة القمع والقتل والتهجير والقصف والحصار الذي مارسه النظام المخلوع.
وخلال تلك الفترة تنقّلت أنا وعائلتي في عدة مناطق جنوب دمشق وريفها لتجنّب الملاحقة والقصف، وبقينا عدة أشهر تحت القصف قبل أن أتمكّن من الخروج من الحصار والتوجّه إلى لبنان نهاية عام 2012.
كيف كان فن الكاريكاتير أداة مقاومة سلمية؟
فن الكاريكاتير بطبيعة الحال فن نقدي ساخر، ويُعدّ من أصدق الفنون في التعبير عن اللحظة، ففي الأحداث الكبرى كالثورات أو الحروب أو المآسي الإنسانية يكون هذا الفن من أقدر الفنون على نقل الحقيقة، وهو حاضر دائماً لهذه المهمة النبيلة.
كما أنه فن شعبي يصل إلى شريحة واسعة من الناس، ويمكن لأي شخص قراءة الرسمة وفهم دلالاتها من النظرة الأولى، بما فيها الفكرة والرسالة والمحتوى.
يمكن أن ينتشر هذا الفن بشكل أوسع وأسرع من المقالات أو نشرات الأخبار والتحليلات السياسية، لذلك يستمد فن الكاريكاتير قوته من قوة الفكرة والصورة والتعبير عن الأحداث والأفكار والرسائل، بالنسبة للقضية السورية كان دور الكاريكاتير رائداً في توضيح ما يحدث في سوريا من قتل ودمار واعتقال على يد النظام المخلوع ضد الشعب الذي خرج مطالباً بحريته وحقوقه المغتصبة.
كيف تطوّر فن الكاريكاتير مع اندلاع الثورة السورية عام 2011؟
قبل الثورة السورية كان لهذا الفن دور مميّز عربياً وعالمياً، وكان لدينا العديد من فناني الكاريكاتير المبدعين في سوريا، وكان الفن يناقش قضايا كبيرة في المنطقة العربية كالقضية الفلسطينية أو العراقية أو اللبنانية أو المصرية، بالإضافة إلى القضايا العالمية الفلسفية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية وقضايا البيئة والمناخ والحروب والسلام.
لكن مع اندلاع الثورة السورية وجدنا أنفسنا كرسامين محترفين أمام الحقيقة، وكان علينا أن نبدأ بالرسم من أجل قضيتنا الخاصة، القضية التي دفع من أجلها الكثير من شباب بلدنا دماءهم في الشوارع والمعتقلات، اتخذنا القرار لنكون صوتاً فنياً لهذه الثورة ونرسم من أجل تحقيق أهدافها، ومن أجل أصدقائنا الذين ضحّوا بحياتهم في سبيلها، نرسم لنعبر عن الحقيقة والألم والأمل.
لذلك تطوّر فن الكاريكاتير السوري بسرعة وأصبح أكثر واقعية وصدقاً ومواجهة، مع رسالة واضحة، يتحمّل رسامو الكاريكاتير تبعات رسوماتهم، إذ كنا نرسم تحت الخطر: خطر الاعتقال والقصف والحصار والكثير من الأخطار التي عانيناها خلال سنوات الثورة.
لذلك كان واجباً علينا أن تكون أفكارنا أقوى وأصيلة وأكثر وصولاً ووضوحاً، وأن تكون تقنياتنا الفنية أكثر احترافية لتصل إلى العالم وتوضّح الصورة الحقيقية للثورة السورية، فهي ثورة شعب ضد نظام دكتاتوري قاتل وليست حرباً أهلية كما كان النظام يصوّرها.
ما أبرز المواضيع التي تناولها فن الكاريكاتير خلال الثورة؟
كان فن الكاريكاتير يراقب الثورة والتطورات الثورية منذ اللحظات الأولى وحتى انتصار الثورة عام 2024، في البداية كان يعبّر عن مطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة وتحرير المعتقلين والتخلّص من السلطة القمعية.
وعندما بدأ النظام بقمع الثورة السلمية، كان للكاريكاتير دور كبير في وصف الحالة التي يمرّ بها الشعب السوري وقمع النظام للثورة، كما تناول الكاريكاتير قضية اللاجئين والوضع الاقتصادي الصعب والمعتقلين بشكل أساسي، بالإضافة إلى القصف والمجازر التي ارتكبها النظام المخلوع في العديد من المدن السورية.
ما دور وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار رسومات الكاريكاتير؟
حظينا بفرصة كبيرة مع بداية الثورة، حيث بدأ دخول وسائل التواصل الاجتماعي إلى الفضاء العام، مما أزال عنّا عبء احتكار النشر في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية، أصبح لكلٍّ منا صفحته الخاصة التي يعبّر من خلالها عن أفكاره ورؤيته من دون رقابة، كما يحصل على آراء المتابعين بشكل مباشر، وتتيح عالمية المنصات وصول صوتنا إلى العالم كله.
كما ساعدنا التواصل مع جميع المناطق السورية الثائرة والمحاصرة، فبعض رسوماتي عُرضت في داريا أثناء حصارها، وفي كفرنبل وسراقب وريف حلب المحرَّر، وهو ما كان مهماً وملهماً بالنسبة لي لنقل صوتنا إلى كل مكان.
وأذكر تجربة شخصية لي: أحد رسومي الكاريكاتيرية الذي انتشر انتشاراً واسعاً عام 2013 أدى إلى فرصة إقامة معرضي الأول في أوروبا، ثم الحصول على أهم جائزة دولية للكاريكاتير عام 2014، وقد أهديتها لشهداء الثورة السورية، ولصديقي الشهيد الصحفي مصعب العودة، ورسام الكاريكاتير الشهيد أكرم رسلان.
ما المخاطر التي واجهها رسامو الكاريكاتير خلال الثورة؟
مثل أي مواطن سوري، عاش رسامو الكاريكاتير كل المصاعب والأخطار والرعب الذي عانى منه الشعب السوري من ملاحقة وتكميم أفواه وقتل وقصف وتهجير، بالإضافة إلى المخاطر الناتجة عن عملهم الفني والصحفي في التعبير عن الواقع السوري وما يترتّب عليه من اعتقال أو مطاردة أو قتل.
تقريباً كل الرسامين المنتمين إلى الثورة تعرّضوا لقمع كبير من قبل النظام المخلوع، مثل الفنان علي فرزات والفنان أكرم رسلان والفنان فهد البحادي، والعديد من الفنانين الآخرين الذين نجوا وانتقلوا إلى مناطق آمنة داخل سوريا أو عبروا الحدود بطرق خطيرة، كما حدث معي.
برأيك، هل أوصل فن الكاريكاتير معاناة الشعب السوري؟
فن الكاريكاتير فن بصري فكري لا يحتاج إلى لغة في غالبية الحالات، لذا كان الأقدر على التعبير عن المأساة التي عاشها الشعب السوري من القصف والتهجير والاعتقال، وكان هذا الفن الأكثر وصولاً إلى العالم لتشكيل الرأي العام الشعبي الذي ساعد وساند السوريين في كثير من الحالات والمواقف.
إلى جانب النشر على صفحاتنا الشخصية كان هناك تعاون بين رسامي الكاريكاتير لإقامة عدة معارض عن القضية السورية، بالإضافة إلى نشر كتابين عن الكاريكاتور السوري خلال الثورة.
وبصفتي مدرساً للفنون البصرية والكاريكاتير في جنيف، قدّمت مئات المحاضرات وورش العمل منذ عام 2015 وحتى الآن عن الثورة السورية، بالإضافة إلى عشرات المعارض في عدة مدن عربية وغربية وفي المناطق المحرَّرة في سوريا قبل التحرير الكامل.