
من واقع مهنتي كطبيب أعرف أن الطبيب أو مُقدِّمُ الخدمة الصحية مسؤول فقط عن ما نسبته 10-30 % من الأخطاء الطبية، بينما يتحمل النظام الصحي النسبة الأكبر منها بما يصل إلى حوالي 90%. السؤال الأهم ليس من هو شخص الوزير أو المحافظ؟ بل ما هي حدود الصلاحيات التي يتمتع بها هذا الوزير، وما هو النظام والخطط التي يجب على هذا المسؤول العمل والتقيد بها. الدول المتقدمة أو الشركات الكبرى الناجحة حول العالم لا تقوم على عاتق أشخاص ولا تتحسن بتبديل المدراء.
إن الاعتماد على الأشخاص والثقة المفرطة بهم سوف يؤدي الى درجة من العشوائية والتفاوت في تقديم الخدمات ما بين فرع يديره مدير ناجح أو مدعوم، وفرع آخر يديره مدير غير ناجح، كما أنه سوف يؤدي إلى تشكيل وتنامي شبكة ولاءات ضيقة مُستمدة من طبيعة المجتمع الأهلي في سوريا. فهذا من أقاربنا.. وهذا ابن بلدنا.. وهذا ابن جماعتنا.. وهذا ابن طائفتنا.. وهذا صديق عائلتنا ونحوه، فالدول الحديثة لا تُدار بمنطق العائلة والقرابة بل تدار بمنطق المؤسسات والمصلحة العامة.
خلال الحقبة الأسدية، كلما ساءت الحالة المعيشية للمواطن السوري كان النظام يقوم بتغيير رئيس مجلس الوزراء أو محافظ هنا ووزير هناك، لامتصاص موجة التذمر والسخط الشعبي، رغم أن رئيس الوزراء نفسه لم يكن يملك صلاحيات كافية تمكنه من ممارسة الدور المنوط به. والمسؤول الحكومي مهما كبر كان خاضعاً لإملاءات الأجهزة الأمنية ونفوذ عائلة الأسد.
خلال الحقبة الأسدية، وُجدَ عدد ليس بالقليل من وزراء نزيهين وكفاءات سورية محترمة ولكنها لم تكن قادرة على ممارسة دورها المطلوب، وذلك لعدم وجود بيئة إدارة صحية قائمة على الشفافية، ولعدم وجود صلاحيات واضحة وحقيقية للمسؤول الحكومي نفسه.
إن التأسيس لنظام إدارة وحوكمة حديث على المستوى الوطني هو استثمار طويل الأمد، يضمن استقراراً وتنمية مجتمعية واقتصادية، عندئذ لن تحدث فروقات كبيرة مع تغير الوجوه والأشخاص، ومتى ألف الموظفون والعملاء التعامل مع النظام، عندئذ تتحول جودة الخدمات المقدمة إلى عادة وروتين.
سأعود إلى مثال آخر من واقع النظام الصحي ومهنة الطب، في المشفى لكل موظف مُسمى وظيفي معين وصلاحيات معينة لا يستطيع تجاوزها. فالطبيب ليس له الصلاحية للتدخل في عمل الممرضة أو عامل الخدمة الاجتماعية مثلاً، وكذلك مدير المشفى لا يتدخل في عمل رؤساء الأقسام إلا بما تسمح به الأنظمة، وفي حال حدوث خلاف بين المُوظفين أنفسهم أو مع العملاء/ المرضى. هناك توجيهات سلوكية وآليات قانونية لحل أي خلاف، ومدير المشفى -في شمال أميركا- غالباً لا يعرف الموظفون اسمه، فالعمل يسير وفق روتين مألوف، ولكل قسم من أقسام إدارة المشفى وظيفته وخطته للتحسين والتطوير.
في السياق السوري، ينبغي الاستفادة من الأتمتة والتحول الرقمي، فالحكومة الالكترونية هي أساس أي إصلاح إداري واقتصادي بما يضمن توفير البيانات والمعلومات واختصار وقت المعاملات وامكانية التعقب وتقليل الاحتكاك بالموظفين، وبالتالي تقليل الفساد والرشاوى والروتين الطويل، إضافة إلى وجود إمكانية التدقيق وقياس الأداء وتسهيل عملية التخطيط المستقبلي.
أحد أهم ميزات الأتمتة والحكومة الالكترونية هو توحيد المعايير على مستوى الدولة وعلى مستوى المحافظات، وبذلك تخف الفروقات في مدة وجودة الخدمة المُقدمة للمواطنين. المعاملة التي يتم تقديمها في محافظة دمشق تخضع لنفس نظام المعاملة التي يتم تقديمها في محافظة الرقة أو إدلب مثلاًً، وهذا سوف يختصر الكثير من الوقت والمال وتعب السفر ونحوه.
فأن تكون قريباً لرئيس الجمهورية أو تكون مواطناً عادياً في قرية نائية، فإن معاملة استخراج جواز السفر أو الحصول على سجل تجاري سوف تمر بنفس الإجراءات. وعلى مستوى الحكومة ككل، فإن وجود قاعدة بيانات إحصائية وموازنات مالية متوفرة الكترونياً سوف يعزز من حضور مبدأ الشفافية والرقابة على الإنفاق الحكومي العام.
من الأهمية بمكان في السياق السوري، الانفتاح والاستفادة من الخبرات العالمية والدولية في بناء حوكمة رشيدة لتحقيق تنمية اجتماعية- اقتصادية، وذلك بعد ملائمتها للحالة السورية. في هذا السياق يمكن التذكير بمشروع مارشال والاستفادة من الدعم والخبرات الأكاديمية الأميركية المقدمة لأوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن المثال الأقرب ربما للوضع السوري هو تجربة راوندا عقب انتهاء المجازر والحرب الأهلية بما يشابه الحالة السورية إلى حد كبير، حيث استفادت الحكومة الرواندية من خبرات دولية استشارية.
حقق الاقتصاد الراوندي انتقالاً من الزراعة باتجاه الخدمات، وتم إصلاح النظام الضريبي واختصار البيروقراطية الحكومية، وبذلك تحولت راوندا إلى بلد جاذب للاستثمارات مع معدلات نمو تتجاوز 7% في السنوات الخمسة الأخيرة، حيث سجل 8.9% في 2024.
بالمقارنة، فإن الدعم الذي حظيت به الحكومة السورية الحالية دولياً وإقليمياً هو دعم غير مسبوق سياسياً، وينبغي الاستفادة من هذا النجاح السياسي في توفير بيئة استثمارية جاذبة حقيقية؛ استثمارات حقيقية وليس فقط استثمارات بسبب توجيهات سياسية مباشرة من قبل حكوماتهم لمُستثمرين خليجيين!
على الحكومة السورية تقع مسؤولية تقديم بيئة صحية وتنافسية للاستثمار ورأس المال السوري في الخارج قبل غيره! وعليها الاستفادة من اللحظة التاريخية الفريدة لإطلاق خطط تنمية اقتصادية – اجتماعية طموحة ببرامج زمنية محددة.