إن التفكير في مستقبل سوريا بعد غياب الرئيس بشار الأسد عن السلطة لا يمكن أن يُختزل في التحليل السياسي أو الأمني وحده، بل يتطلب مقاربة شاملة تربط بين المسارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، مع إدماج الدور العربي والإقليمي والدولي في آن واحد. فبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، وتعدد مراكز القوى، وتدخلات إقليمية ودولية واسعة، فإن أي تغيير في رأس السلطة لا يمكن عزله عن إعادة توزيع القوة العسكرية، وإعادة صياغة الاقتصاد المنهك، وإعادة بناء العقد الاجتماعي الممزق، في ظل مصالح متشابكة لدول الجوار والقوى الكبرى.
على المستوى الأمني، يُتوقع أن يشهد الجيش السوري والأجهزة الأمنية حالة من إعادة التشكل، حيث سيؤدي غياب القيادة المركزية إلى تنافس بين الفرق العسكرية والشبكات الاستخباراتية التي راكمت نفوذًا خلال سنوات الحرب. هذا التنافس قد يُترجم في صورة انقسامات أو ولاءات متباينة، خصوصًا في ظل ضعف الانضباط المؤسسي وتراجع القدرة على التمويل والتسليح. كما أن الميليشيات المحلية، التي لعبت دورًا محوريًا في حماية المدن والمناطق، ستسعى إلى تعزيز استقلاليتها، مما يفتح الباب أمام مزيد من التشرذم الأمني.
لكن هذه المعادلة الأمنية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد. فالمؤسسة العسكرية التي تفتقر إلى التمويل المستدام ستجد نفسها عاجزة عن إعادة بناء قدراتها، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الاعتماد على الدعم الخارجي. كما أن الميليشيات المحلية ستسعى إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية، سواء من خلال الضرائب غير الرسمية أو عبر شبكات التهريب، مما يجعل السيطرة العسكرية مرهونة بالقدرة على تأمين الموارد المالية. هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد يعكس واقعًا جديدًا حيث تصبح القوة العسكرية مرتبطة مباشرة بالقدرة على إدارة الموارد.
الانقسامات الطائفية والإثنية ستجعل من الصعب صياغة مشروع وطني جامع في فترة قصيرة. ومن المرجح أن تستمر حالة التشرذم مع بروز دعوات إلى اللامركزية كحلول لتخفيف حدة الصراع
على المستوى الاجتماعي–الإنساني، فإن غياب الأسد قد يُنظر إليه من قبل قطاعات واسعة من المجتمع بوصفه فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، غير أن الانقسامات الطائفية والإثنية، إضافة إلى آثار الحرب الطويلة، ستجعل من الصعب صياغة مشروع وطني جامع في فترة قصيرة. ومن المرجح أن تستمر حالة التشرذم، مع بروز دعوات إلى اللامركزية أو الفيدرالية كحلول لتخفيف حدة الصراع، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف الهوية السياسية للدولة السورية. لكن هذه الدعوات لن تكون قابلة للتنفيذ ما لم تُدعَم بموارد اقتصادية كافية، وما لم تُترجم إلى ترتيبات أمنية تضمن الاستقرار.
البعد الإنساني يتجلى أيضًا في قضية اللاجئين والنازحين. فبعد أكثر من عقد من النزوح، يعيش ملايين السوريين في دول الجوار أو في مخيمات داخلية، ويشكل غياب الأسد فرصة لإعادة التفكير في سياسات العودة وإعادة الإدماج. غير أن هذه العودة لن تكون ممكنة دون ضمانات أمنية قوية، ودون مشاريع اقتصادية توفر فرص العمل والخدمات الأساسية. وهكذا يصبح ملف اللاجئين مثالًا صارخًا على الترابط بين الأمن والاقتصاد والمجتمع.
على المستوى الإقليمي والدولي، فإن غياب الأسد سيُحدث ارتباكًا في موازين القوى. فروسيا، التي بنت إستراتيجيتها على دعم النظام، ستجد نفسها أمام خيار إعادة صياغة تحالفاتها الداخلية، بينما قد ترى إيران في المرحلة الانتقالية فرصة لتعزيز نفوذها عبر دعم شبكات محلية. في المقابل، قد تعتبر تركيا أن غياب الأسد يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة في الشمال، فيما ستسعى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي بعملية انتقالية ذات مصداقية.
وهنا يبرز الدور الإسرائيلي كعامل لا يمكن تجاهله. فقد كثّفت إسرائيل تدخلاتها العسكرية في سوريا بشكل غير مسبوق، إذ تشير تقارير بحثية مثل دراسة الصادرة عن “شتام هاوس”(2024) إلى تنفيذها أكثر من ألف غارة خلال عام واحد، استهدفت مواقع مرتبطة بإيران وحزب الله، إضافة إلى بنى تحتية عسكرية سورية. هذا التصعيد يعكس إستراتيجية إسرائيلية متعددة المحاور، تهدف إلى منع إعادة تموضع القوات الإيرانية في الجنوب، وتوسيع نطاق نفوذها العسكري في العمق السوري، وخلق واقع أمني جديد حول الجولان المحتل. تقرير “مركز كارنيج لدراسات الشرق الأوسط” (2025)يؤكد أن هذه الضربات أسفرت عن تدمير نسبة كبيرة من القدرات العسكرية التقليدية السورية، وأعادت رسم حدود النفوذ في الجنوب بما يخدم المصالح الإسرائيلية طويلة الأمد. لكن هذه الضربات ليست أمنية فقط، إذ إنها تُضعف قدرة الدولة السورية على حماية بنيتها الاقتصادية، وتزيد من هشاشة مشاريع إعادة الإعمار، مما يربط الأمن بالاقتصاد بشكل مباشر.
أما الدور العربي، فهو لا يقل أهمية عن الأدوار الدولية. فالأردن، الذي يتأثر مباشرة بما يجري في الجنوب السوري، معني بترتيبات أمنية تضمن استقرار الحدود وتحد من تهريب السلاح والمخدرات، إضافة إلى منع موجات نزوح جديدة قد تُثقل كاهله الاقتصادي والاجتماعي. لبنان، بدوره، يواجه معضلة مزدوجة؛ من جهة يعتمد حزب الله على خطوط إمداد عبر سوريا، ومن جهة أخرى يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية تجعل أي موجة نزوح جديدة كارثية. لذلك، لبنان معني بوجود ترتيبات تقلص النفوذ الإيراني وتحد من تدفق اللاجئين.
غياب الأسد لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني
أما قطر والسعودية، فقد لعبتا أدوارًا سياسية ودبلوماسية بارزة. قطر استثمرت في دعم المعارضة سياسيًا وإعلاميًا، وهي اليوم تطرح نفسها كوسيط قادر على فتح قنوات تفاوض بين الأطراف المتصارعة، إضافة إلى دعمها مشاريع إنسانية وإغاثية تمنحها نفوذًا ناعمًا في الملف السوري. السعودية، من جانبها، انتقلت من مرحلة المواجهة المباشرة مع النظام إلى تبني سياسة أكثر براغماتية، خصوصًا بعد الانفتاح على دمشق في إطار المصالحات الإقليمية. هذا التحول يهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني، وفي الوقت ذاته إلى فتح الباب أمام ترتيبات أمنية–اقتصادية جديدة. ومن المهم الإشارة إلى أن الرياض لعبت دورًا في تهيئة الأرضية لمحادثات بين أطراف سورية والبيت الأبيض، في محاولة لإيجاد صيغة توافقية تضمن مصالحها ومصالح واشنطن.
إن إدماج الدور العربي في التحليل يوضح أن مستقبل سوريا لا تحدده فقط القوى الكبرى، بل أيضًا مصالح دول الجوار التي لا تستطيع تحمل استمرار الفوضى. فالأمن الأردني واللبناني مرتبط مباشرة بالاستقرار السوري، والدور الخليجي مرتبط بترتيبات إعادة الإعمار والمصالحة السياسية. وهكذا يصبح البعد العربي جزءًا لا يتجزأ من المعادلة الأمنية–الاقتصادية–الاجتماعية.
بعد عام من غياب الأسد، يمكن القول إن سوريا ستظل في حالة سيولة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، حيث لم تتبلور بعد مؤسسات بديلة قادرة على إدارة الدولة بشكل مستقر. إن التحدي الأكبر يكمن في بناء شرعية جديدة، سواء عبر انتخابات انتقالية أو عبر توافقات داخلية–خارجية، لكن هذه الشرعية ستظل هشة ما لم تُدعَم بإصلاحات بنيوية في مؤسسات الدولة، وبإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس أكثر شمولًا وعدالة. وفي هذا السياق، فإن أي إصلاح اقتصادي لن يكون ممكنًا دون استقرار أمني، وأي استقرار أمني لن يكون ممكنًا دون موارد اقتصادية كافية، وأي عقد اجتماعي لن يكون ممكنًا دون معالجة ملف اللاجئين والنازحين، وأي ترتيبات إقليمية لن تكون ممكنة دون إدماج الدور العربي في المعادلة.
في المحصلة، فإن غياب الأسد لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، بل قد يشكل بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني. هذه المرحلة ستتسم بقدر كبير من عدم اليقين، لكنها قد تفتح أيضًا نافذة لإعادة التفكير في مستقبل سوريا كدولة متعددة المكونات، تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس جديدة تتجاوز منطق الهيمنة الفردية نحو منطق المشاركة والتوازن، مع إدراك أن الأمن والاقتصاد والمجتمع والدور العربي والدولي في هذه المرحلة ليسوا مسارات منفصلة، بل منظومة واحدة متشابكة تحدد معًا ملامح المستقبل السوري.
العرب اللندنية