لم يترك نظام الأسد بسقوطه شيئاً سوى الخراب الشامل على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية. لم يورّث دولة يمكن إصلاحها، بل دولة مدمّرة، لذلك فإن التحدي اليوم لا يتمثل في ملء فراغ، بل في إعادة بناء ما لم يُبنَ أصلاً: سياسة تعيد للناس دورهم، ومجتمع مدني مستقل يشكّل قاعدة لأي دولة عادلة. هذا الخراب ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة غياب السياسة عن المجتمع السوري لعقود طويلة، حيث جرى تعطيلها منذ الوحدة مع عبد الناصر وما تبعها من استيلاء حزب البعث على السلطة، وبعد ذلك استئثار الأسدين بمقدرات البلد بالقمع وكمّ الأفواه، حتى صار العمل السياسي مرادفًا للخطر لا للأمل.
واليوم، بعد مضي عام على سقوط نظام الأسد، يبرز سؤال جوهري: كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟ وكيف ننهض بالمجتمع المدني ليكون فاعلاً لا مجرد متفرج؟
في سوريا اليوم لم تُستعد السياسة بعد سقوط الأسد؛ فالسلطة الجديدة ما زالت عاجزة، أو ربما لا تريد، أن تعيد السياسة إلى المجتمع، لأنها تدرك أن السياسة تعني مشاركة الناس ومساءلة السلطة. وأما الأحزاب والقوى السياسية، فلا حول لها ولا قوة، بعيدة عن الواقع اليومي للناس، ولا تملك امتداداً داخلياً أو أدوات فعل حقيقية. والمجتمع، المنهك أصلاً، ما زال يرى في السياسة عبئاً إضافيًا لا أفقاً للخلاص. لتبقى الحاجة ملحّة إلى إعادة بناء السياسة من أساسها، وربطها بحياة الناس اليومية، وجعل المجتمع المدني قاعدة لأي مشروع وطني جديد.
وفي ظل هذا الفراغ السياسي، برزت نقاشات حادة حول كيفية التعامل مع السلطة الجديدة. وقد اتخذت هذه النقاشات ثلاثة اتجاهات رئيسية:
1- المقاطعة المطلقة:
يرى بعض الناشطين أن أي تعامل مع السلطة الجديدة هو خيانة لدماء الضحايا، خصوصًا بعد المجازر في السويداء والساحل. خطابهم يقوم على رفض التعاون أو المشاركة في أي مؤسسات رسمية، معتبرين أن السلطة لا يمكن أن تتغير من الداخل. هذا الموقف المتشدد يطرح إشكالية سياسية، فالعزلة قد تترك الساحة فارغة أمام الفصائل المسلحة أو القوى المتطرفة.
2- الاشتباك السياسي المسؤول:
في المقابل، هناك من يرى أن المقاطعة المطلقة غير كافية، وأن المطلوب هو اشتباك سياسي نقدي مع السلطة الجديدة. هذا الطرح يقوم على فكرة أن المشاركة المشروطة، القائمة على النقد والمساءلة، قد تفتح مساحات للعمل المدني والسياسي، وتمنع السلطة من الانفراد بالمجتمع. أصحاب هذا الرأي يعتبرون أن الانخراط الجزئي أفضل من ترك الساحة فارغة.
3- الناس العاديون المنهكون:
غالبية السوريين اليوم غير منخرطين في هذه النقاشات أصلاً. أولوياتهم هي تأمين لقمة العيش والخدمات. هذا الموقف ليس لامبالاة، بل نتيجة الإرهاق وانعدام الثقة بعد سنوات من الحرب والقمع، حيث يرون أن السياسة لا تقدّم حلولاً بل تزيد المعاناة. بالنسبة لهم، الأولوية هي الأمن والغذاء والكهرباء والماء والتعليم والطبابة، لا المؤتمرات أو البيانات الحزبية. وهذا المزاج الشعبي يفرض على أي مشروع سياسي أن يبدأ من تحسين حياة الناس اليومية، وإلا سيبقى مشروعاً نخبوياً معزولاً مهما كانت شعاراته براقة.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟ وكيف ننهض بالمجتمع المدني؟
إن إعادة السياسة للمجتمع لا تعني فقط فتح المجال الحزبي أو إصدار قوانين، بل تعني استعادة الناس لدورهم كمواطنين فاعلين، لا مجرد متلقين أو ضحايا. وهذا يتطلب كسر الخوف التاريخي من العمل السياسي، وخلق مساحات آمنة للنقاش والتنظيم، وتجديد الخطاب السياسي ليكون واقعياً وغير نخبوي، ويضع أولويات الناس في المقدمة. كما يتطلب ربط السياسة بالعدالة الانتقالية، لأن الاعتراف بالضحايا وجبر الضرر هو المدخل الحقيقي لأي مصالحة وطنية، وأساس لأي شرعية سياسية جديدة.
وتعني أيضًا تفعيل دور المجتمع المدني الذي يُعتبر الحاضنة الطبيعية للسياسة، وما يربط الناس ببعضهم خارج منطق السلطة والسلاح. وللنهوض به، لا بد من استقلاليته عن السلطة وجماعات قوى الأمر الواقع، وبناء شبكات حماية مجتمعية، وتدريب الناس على المشاركة، وإعادة تعريف العمل المدني كفعل سياسي يومي، لا مجرد نشاط خيري. كما أن الربط بين المحلي والوطني ضروري، بحيث تكون المبادرات الصغيرة جزءًا من تصور أوسع لبناء دولة عادلة، لا مجرد رد فعل على الأزمات.
وهنا تبرز أهمية التربية السياسية، عبر المدارس والجامعات والمنتديات، لتنشئة جيل جديد يرى في السياسة خدمة عامة لا تهديدًا، ويكتسب أدوات الحوار والمساءلة.
ولا يجب أن نغفل دور السوريين في الشتات، فهو لا يقل أهمية؛ فهم قادرون على نقل خبرات وتجارب ديمقراطية من المجتمعات التي يعيشون فيها، وربط الداخل بالخارج في شبكة واحدة من التضامن والمعرفة. بهذا الشكل يصبح المجتمع المدني ليس مجرد وسيط محلي، بل فضاءً ممتدًا يتغذى من الداخل والخارج معًا، ويعيد تعريف السياسة كخبرة جماعية عابرة للحدود، قادرة على بناء الثقة وتوسيع المشاركة من القاعدة، من المبادرات المحلية، والمجالس الأهلية، والنقابات المستقلة، والمنظمات المدنية. هذه الأجسام، ورغم محدودية إمكانياتها، فإنها قادرة على خلق وعي جديد، وتدريب الناس على المشاركة، وبناء شبكات تضامن.
المطلوب اليوم هو بناء قوى سياسية جديدة تنشأ من رحم المجتمع، تخضع للمساءلة الشعبية، وتعمل على تنظيم مصالح الناس والدفاع عن حقوقهم.
لا يكفي أن نرفض السلطة أو نلعن المعارضة، بل علينا أن نبتكر أدواتنا، وننظّم أنفسنا، ونحوّل السياسة من خطر إلى أفق، ومن شعار إلى ممارسة يومية. فالمجتمع الذي يستعيد السياسة يستعيد ذاته، ويبدأ فعليًا بكتابة مستقبل مختلف. بإرادتنا الحرة ووعينا الجمعي نصنع مستقبلنا، ونحوّل الخراب إلى فرصة لبناء وطن يتسع للجميع.
المصدر تلفزيون سوريا ميشيل شماس
