يمثّل غرس ثقافة العدالة في وعي المجتمعات أحد أهم الشروط لنجاح مشاريع العدالة الانتقالية، وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون تعاون وثيق بين وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فإطلاق حملات توعية واسعة حول مخاطر تبرير الانتهاكات، والتأكيد على أهمية المساءلة العادلة، يشكّلان خطوة حاسمة في بناء مجتمع يدرك خطورة الإفلات من العقاب وعلاقته المباشرة بتكرار الجرائم عبر الأجيال.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير منظومات فعّالة لمكافحة المعلومات المُضلّلة، عبر إنشاء آليات متقدّمة لرصد التضليل الإعلامي، وتوفير برامج تدريب مُمنهجة للعاملين في الحقل الإعلامي على تقنيات التحقّق الرقمي. إن الاستثمار في هذه الأدوات ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة سيل الأخبار الزائفة والمحتوى المُضلّل الذي قد يُقوّض ثقة الجمهور ويشوّه مسار العدالة الانتقالية.
وتظلّ العدالة الانتقالية بلا روح ما لم تُبنَ على صوت الضحايا. لذلك، يُعدّ وضع المتضرّرين في صميم التغطية الإعلامية التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا، يقتضي تبنّي استراتيجيات تُعطي مساحة أكبر لرواياتهم، وتضمن إنصافهم، وتحول دون توظيف معاناتهم في الخطابات التحريضية أو تلك التي تُغذّي الانقسامات. فحين يصبح الإعلام منصّة لإعلاء صوت الضحايا لا لتوجيههم نحو الانتقام، يتحوّل إلى شريك أساسي في جعل العدالة الانتقالية عملية تصالحية تُرمّم العلاقة بين المجتمع وتاريخه، وتفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا وإنصافًا.