(سعد يكن)
تميل الأنظمة عادةً، في لحظات ما بعد الكوارث الكبرى، إلى استبدال اللغة بالفعل السياسي، بوصفها آليةَ إدارةٍ واحتواءٍ أكثر من أن تكون أداةَ تواصل لإنتاج رؤية مشتركة. يظهر هذا بوضوح في “الطاعون” لألبير كامو، فوهران في الرواية لا تتقدّم نحو مواجهة الوباء عبر تغيير قواعد الحكم أو إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإنما عبر تضخيم خطاب أخلاقي عامٍّ: الهدوء، التضامن، المسؤولية الجماعية. اللغة هنا لا تطلب الكذب بقدر ما تؤجّل الفعل، وتُحوّل الأزمة من مسألة سياسية قابلة للنقاش إلى حالة إنسانية يُطلب من الجميع التكيّف معها.
هذا النمط تحديدًا يظهر اليوم في الخطاب السوري الرسمي حول “عدم الإقصاء الطائفي”. العبارة في ذاتها لا تحمل إشكالاً بقدر ما تُقدَّم قيمةً جامعةً تتجاوز الانقسام. وفي الوقت نفسه، تُطرح لتكون بديلاً من سياسات مطلوبة: “دستورية، تمثيلية، قضائية” يحتاجها المجتمع. وبالتالي، تتحوّل من وعد واستحقاق سياسي إلى مجرّد أداة ضبط تحاول احتجاز الصراع داخل خطاب محايد ظاهرياً. وفي هذا السياق، تُستخدَم اللغة لإغلاق المجال العام مؤقتاً؛ فهي عندما لا تُحدّد مَن يُقصي مَن، ولا كيف، ولا وفق أيّ بنية للسلطة (تماماً كما في وهران) يصبح الخطاب الأخلاقي وسيلةً لتفريغ السياسة من مضمونها، وتحويلها إلى مسألة نيات حسنة أكثر من أن تكون علاقاتِ قوةٍ مُضمَرة. وهنا يكمن الخطر: حين تُخفى النزاعات تحت البساط لغوياً، وتبقى كامنةً بانتظار لحظة انفجار جديدة.
في الرواية لا تتجسّد الكارثة فقط في انتشار الوباء، بقدر ما تظهر في الطريقة التي تتحوّل بها حالة الطوارئ إلى نظام حياة. ما يبدأ إجراءً مؤقّتاً (إغلاق المدينة، تقييد الحركة، تعليق الزمن) يتحوّل تدريجيّاً إلى واقع مألوف. لا يعود السؤال: متى ينتهي الطاعون؟ وإنّما: كيف يمكن الاستمرار في العيش داخله؟ يتم التطبيع مع الاستثناء ليصبح الإطار الوحيد الممكن لتنظيم المجتمع.
هذا المنطق نفسه ما يصف الحالة السورية بعد الحرب. فـ”ما بعد سقوط النظام” يُقدَّم زمناً مفتوحاً، بلا بداية محدّدة ولا نهاية منظورة، ولا يُقدَّم مرحلةً انتقاليةً ذات أفق زمني وسياسي واضح، رغم تسميته كذلك في البداية. وفي هذا السياق، يأتي خطاب الطمأنة وعدم الإقصاء ليعمل ضمن هذا الاستثناء لا ضدّه؛ فهو لا يعلن الخروج من منطق الأزمة، وإنّما يسعى إلى جعلها قابلةً للإدارة طويلة الأمد. وكما في وهران، لا يُطلب من المجتمع أن يستعيد قدرته على الفعل السياسي، بل أن يتكيّف مع واقع مُعلَّق، تُؤجَّل فيه الأسئلة البنيوية إلى أجل غير مُسمَّى. هكذا يتحوّل الاستثناء من وضع عابر إلى أفق دائم، ويصبح الاستقرار ذاته مرادفاً لتعليق التاريخ بدلاً من استئنافه.
وهنا لا ينهار النظام الاجتماعي بسبب الوباء وحده، بل بسبب غياب أيّ محاولة لتحديد المسؤولية. الكارثة تُقدَّم حادثاً أو ردّة فعل، خارج سياق التاريخ والسياسة، ما يعفي السلطة من المحاسبة ويحوّل المعاناة إلى تجربة جماعية بلا فاعل. هذا الإلغاء المُتعمَّد لمسألة المسؤولية لا يُنتج فوضى مباشرة، وبإمكانه أن يخلق شكلاً من الاستقرار المُزيَّف القابل للاستمرار، لأنّه يقوم على تجنّب الصدام بدلاً من حلّه. فالمجتمع لا يُستبعَد من المشهد، بل يُعاد تعريف دوره: الأفراد حاضرون، متضامنون، متألّمون، لكنّهم غير فاعلين سياسياً. يُطلب منهم الامتثال، الصبر، والتحمّل الأخلاقي، ولا تُطلب منهم المشاركة في القرار أو الحقّ في مساءلته. هكذا يتحوّل المجتمع من فاعل تاريخي إلى كتلة تُدار ويُنتظر منها الطاعة، ويُختزل وجودُ المجتمع في قدرته على التكيّف مع ما يُفرض عليه.
إذا كان الطاعون عند كامو هو العطب الكامن في بنية المجتمع، وليس الجرثومة ذاتها، فإن الطائفية في سورية تؤدّي الدور نفسه؛ الطائفية هي طاعون سورية الذي يجب عدم التوقّف لحظة عن التفكير في كيفية التخلّص منه. مجتمعات ما بعد الكارثة لا تُبنى على النسيان، وإنما على القدرة على تحويل الكراهية والنزاعات إلى معرفة مشتركة. من دون ذلك، يبقى شعار “عدم الإقصاء” لغةً بلا جذور، وشعاراً قابلاً للتآكل عند أول اختبار فعلي للتعايش.
