كان واضحاً، لمعظمنا، أن سقوط نظام الأسد، بحدّ ذاته، لن يكون الامتحان الأصعب في التاريخ السوري الجديد، وأن الأهم هو فيما سوف يليه. في تلك اللحظة المفصلية حين تتقاطع أو تتواجه العدالة مع الرغبة في الانتقام، وحين تتنازعنا الأفكار بين الحرية مع الميل إلى إقصاء المختلف، والأهم التوفيق بين التاريخ المثقل بالجريمة مع القدرة على التجاوز، عبر العدالة، من أجل وطن جديد.
هنا بالضبط المقياس القِيَمي لمعنى النصر السوريّ الحقيقي، وليس فقط حين نجلس ونبدأ بتعداد السجون التي تم كسر أبوابها، أو التماثيل التي سقطت. النصر هو بقدرة السوريين على تفكيك الفكرة التي حكمتهم لعقود. نعم، الفكرة بوصفها ذهنية قبل أن تكون نظاماً مُركّباً للقمع. النصر الحقيقي هو على نظام الأسد وفكرة “الأسدية”، وهو ما لم يتحقق بعد. وبالتأكيد سوف نصل إليه عندما يقول الموالي السابق لنظام الأسد، بينه وبين نفسه على الأقل: “كنتُ على خطأ، لقد تحررنا فعلاً يوم 8 من ديسمبر”.
هل تبدو لكم فكرتي رومانسية ساذجة؟ شخصياً سأجيب: لا على الإطلاق. وآمل أننا سنصل إليها في يوم من الأيام، عندما نسعى بثبات لتحقيق دولة مواطنة عادلة غير تمييزية ولا إقصائية. طبعاً لن يكون الطريق إليها سهلاً لشعب خارج من قعر جحيم الأسد. لكن المفارقة بالنسبة لي اليوم في المشهد السوريّ، هي قناعتي الراسخة أن رعونة جزءٍ مما يسمّى “حاضنة الثورة” هي ما تعيق التقدم نحو ذاك اليوم، أكثر مما تفعل السلطات الجديدة نفسها، والأخيرة تفعل من دون شك. ولكن كيف يحدث ذلك؟
لا أقصد بهذا السؤال استفزاز أي أحد. لكن التاريخ يخبرنا ببديهيةٍ مفادها أن الأنظمة الاستبدادية لا تعيش فقط عبر أدواتها الأمنية، إنما عبر إعادة إنتاج نفسها في وعي خصومها، وهي فكرة كررها الآلاف قبلي. ورغم ذلك، للأسف هناك اليوم من لم يستطع تفاديها، فيحاول تحويل الثورة من مطلب الحرية بوصفه أساس مشروع الثورة السورية، إلى معيار أخلاقي مغلق وخاص به، وأحياناً يحاول تحويل النصر من نقطة تحوّل للبدء بمشروع بناء الدولة إلى مجرد دفتر حسابات ثأري. هنا تماماً نفقد القدرة على إقناع حتى من يُفترض أنهم تحرروا بانتصارهم فعلاً.
هناك من، بطريقة تبدو مراوِغة، يكرر الحديث، خلال طرحه لما يريده لسوريا، عن “الوفاء للشهداء” كلازمةٍ يومية. ولكن هل ما أراده جميع الشهداء كان متطابقاً؟ صحيح أن هذا النوع
من الوفاء يكون عبر تحقيق أحلامهم، ولكن من خرجوا وصدحوا بأصواتهم عام 2011 كانت أحلامهم ومجمل شعاراتهم مختلفة عما يطرحه اليوم هؤلاء الذين يتصدرون المشهد، ولا أعتقد أنني أحتاج إلى تذكيركم بتلك الشعارات والهتافات لتعرفوا كم تم الابتعاد عنها!
مع ذلك، لو افترضنا أو استسلمنا لهذا المعيار، فيقيناً سنجد بعض ما يطرح اليوم من كثيرين، بمن فيهم بعض مسؤولي السلطات الجديدة ومواليهم هو خيانة صريحة لدم أولئك الأحرار الذين هتفوا بالشعارات الأولى. فما يطالب به هؤلاء من متسيّدي المشهد، لا يعدو أن يكون، في حالات ليست قليلة، سوى الوفاء لرؤيتهم الضيقة أو للأفكار التي يحملونها، بما تنطوي عليه من كراهية للمختلف والدعوة إلى الإقصاء وأحياناً الانتقام الجماعي، ومن نافلة القول أنه لا يجوز بحال من الأحوال فرضها على السوريين الآخرين، فالشهداء دفعوا أرواحهم من أجل حريتهم وحرية الآخرين أيضاً، إن وجب تذكير هؤلاء.
تحويل الشهداء إلى ملكية سياسية حصرية، هو أحد أخطر أشكال الخيانة الرمزية لهم. فالشهادة، في جوهرها جاءت ضمن سياق فعلِ التحرّر وطلب الكرامة لجميع السوريين، ولا يجب أن تكون بحالٍ من الأحوال بمثابة تفويض مفتوح لمن جاء بعدهم، كي يصادر هؤلاء المجتمع باسمهم. لا أحد يملك الحق في احتكار دماء السوريين، ولا في تحويلها إلى صكوك شرعية أبدية تخص طرفا ما على حساب باقي السوريين. ولو انتبهنا قليلاً، فإن خطاب الكراهية الذي ما زال يفتت المجتمع اليوم، هو أكثر ما يسعد بشار الأسد في منفاه، وإخالهُ يفرك كفَّيه حماسةً كلما زاد منسوب الكراهية في هذا الخطاب. حين يجد من يتابع تنفيذ برنامجه ببراعة ومثابرة.
يعلم أغلبنا أن “الأسدية”، إضافة إلى أنها كانت مُكتنَفة ضمن دولة قمعٍ، فهي ثقافة تدفع إلى تقسيم وتفتيت المجتمع، ونجاحها الأكبر كان في جعل السوريين يشككون ببعضهم أكثر مما يشككون بالسلطة. وكل خطاب يعيد إنتاج ثنائية “نحن الطاهرون، وهم الخونة”، غالباً على أساس طائفي وأحياناً عبر السيرة الذاتية للأفراد، هو في جوهره امتداد غير واعٍ لذاك البرنامج.
الأدهى، المضحك حقيقةً، أن المناحرات أحياناً تستخدم عامل الزمن ومن هو الأسبق في الالتحاق بالثورة! مع أن الثابت أن لا أحد يستطيع أن يزاود على أحد إن كان انضم للثورة قبل الآخرين بعام أو عامين أو أكثر. في إدلب، وهي مثال غير قابل للشك لدى أهل الثورة على الأقل، باعتبارها احتضنت السوريين في السنوات الأخيرة، وكانت المنطلق للتحرير.
في إدلب هناك من لم ينضموا للثورة إلا بعد خروج مدينتهم عن سيطرة قوات الأسد، ودخول “جيش الفتح” إليها عام 2015. وذلك مفهوم، فهم ببساطة كانوا تحت سطوة القمع. بماذا يستطيع هؤلاء أن يُعيِّروا من تحرروا من حكم الأسد وسطوته نهاية عام 2024؟
للطرافة، بحسب تلك السياقات المختلّة والساذجة، يستطيع كثرٌ ممن ناضلوا وسُجنوا منذ ثمانينات القرن الماضي، أن يصفوا جيل ثوار 2011 الذي دفع من دمه ومستقبله، على أنهم مُحدَثي الثورة! لكم أن تتصوروا تلك المفارقة الكوميدية. بالتأكيد كل ما سلف هو نوع من المزاودات في محاولة مصادرة تضحيات الآخرين، وبالتالي مصادرة رؤية كلٍّ من هؤلاء وحقوقهم الكاملة في سوريا الجديدة. فالأهم هنا وجوب القناعة التامة، أنه لا يمكن بناء دولة على نظام نقاطٍ يمنح امتيازات سياسية وأخلاقية بحسب تاريخ الانضمام، ولا حتى لمن أسقط الأسد عسكرياً كتتويج لكل ذاك المخاض. هذا المنطق، بما فيه الإقصاء على أساس طائفي أو عرقي، هو الوجه الآخر لفكرة “الأسدية” التي قامت على الإقصاء والاستئثار، وهو ما يجعل الاستبداد قابلاً لإعادة التشكّل بأسماء ووجوه جديدة.
سوريا يجب أن تتسع للجميع لتوفي ديون كل شهداء الثورة. هناك آلاف الشهداء خصوصاً في السنوات الأولى للثورة، ممن لهم دَين علينا بما لا يتناسب مع المتطرف الذي ما زال يريد “دولة خلافة” على مقاس أفكاره المتطرفة، وهؤلاء يجب أن نوفيهم دَينهم. وبالمقابل هناك من ضحى بحياته لأهداف أخرى، وعلى من هم على أفكاره أن يوفوه دينه الذي لهُ عليهم. من دون أن يفرض أيّ طرف رؤيته على الآخرين.
وحدها دولة المواطنة والعدالة والقانون، لا دولة الثأر ولا دولة الوصاية والاستئثار، قادرة على كسر هذه الآليّات. وحده الاعتراف المتبادل بالخطأ، وبالحق في الاختلاف، يمكن أن يُقنع السوري، أياً كان موقعه السابق، بأن ما جرى لم يكن مجرد تبديل وجوه، إنما هو تحررٌ فِعليّ. عندها، وعندها فقط، يمكن أن نقول جميعاً: “إننا انتصرنا”.
تلفزيون سوريا
