عام على سقوط نظام الأسد السفاح، مر سريعا لكنه كان حاشدا بالحزن والفرح والبكاء والغناء والاحتفالات ومحاولات اكتشاف السوريين للحياة، وإعادة وصل ما انقطع بين هذا البلد الغني الشاسع وباقي دول العالم. ما زال السوريون، وما زلنا، تحت تأثير الصدمة وعدم التصديق لتحقق الحلم، الذي آمنا به في بيروت وانتظرناه منذ 2005، بعد انسحاب جيش الأسد من لبنان، ما أنهى احتلالا وقمعا لعشرات السنوات. فبعد نضال سنوات، تحولت في السنوات الأخيرة الى ما يشبه الجمود، ساد الاعتقاد أن الأسد باق، بفعل جهود إعادة التدوير الحاصلة، حتى بدا أن القابضين على جمر الثورة وإسقاط النظام من زمن مضى، يقاتلون طواحين الهواء، ويتعرضون لشتى أنواع التنمر السياسي والتهديد الأمني من “الرماديين” و”الموالين” حينها –”المكوعين” حاليا- ومن كل جهابذة المحور الإيراني الذي انتشى بانتصاره وتثبيت اقدامه.
ونحن اللبنانيين، أول ما تعنينا الثورة السورية بكل مآلاتها، وانحيازنا لكل ثائر ضد إسقاط الأسد ينبع من دوافع قيمية وسياسية وكذلك وطنية صرفة. الانحياز للثورة السورية، إلى جانب كونه انحيازا أخلاقيا وسياسيا، لكنه أيضا، وبحده الأدنى انحياز لقيامة لبنان التي منعها نظام الأسدين الذي عاث في لبنان فسادا وقتلا واغتيالا ومجازر على امتداد البلاد من الأشرفية إلى زحلة وصولا إلى طرابلس، وما بين ذلك من توكيل عمليات القتل واستمرار الحرب إلى وكلاء- أذناب لبنانيين كانوا– وما زال بعضهم – جزءا من المافيا اللبنانية – السورية المشتركة والمشاركة جنبا إلى جنب في تحويل لبنان واللبنانيين إلى ساحة اختبار وصراع، يمت دمن الأمن إلى الاقتصاد وصولا إلى نهب الثروات وتبييض الأموال. لكن كل سنوات الطغيان هذه في لبنان وسوريا انتهت في صبيحة الثامن من كانون الاول ٢٠٢٤، وبعد عشرة أيام من اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. وإذا أضفنا إليها أن عشرة أيام فصلت ما بين تفجيرات البيجر في لبنان واغتيال أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله، بين ١٧ و٢٧ أيلول ٢٠٢٤، نستطيع القول إن المحور الايراني بأمه وأبيه، انهار في ٢٠ يوما كانت كفيلة بتغيير المشهد جذريا. فالتحول الحاصل كبير واستراتيجي، ليس على مستوى سوريا فقط، بل في إعادة تشكيل الإقليم وإعادة توزيع مناطق القوى والنفوذ والسيطرة.
تنكفئ إيران وتزداد عزلتها، بينما يتشكل نظام إقليمي جديد تقوده السعودية وتركيا، ويضم دولا فاعلة هي قطر، ومصر والإمارات والأردن، يسعى للحد من الخسائر والفوضى في المنطقة التي ما زالت إسرائيل تدفع نحوها، ما يجعلها في خانة واحدة مع إيران لناحية تضررها من تغير المشهد الإقليمي الذي تبرز فيه سوريا، كلاعب يزداد أهمية وانخراطا في مشاريع الإقليم وخطط الولايات المتحدة الأميركية والغرب.
نجح الرئيس السوري أحمد الشرع في قيادة تحول هائل في علاقات سوريا الدولية والإقليمية، ونقل سوريا من المحور الإيراني إلى المعسكر العربي، وانحاز إلى الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الدولي ضد “داعش”، من دون أن يتوقف عن السعي لبناء علاقات أفضل مع روسيا، والحفاظ على العلاقة مع الصين. لكن هذه الخطوات الجبارة على صعيد العلاقات الخارجية، وتثبيت حضور سوريا ودورها في منظومة الأمن الإقليمي، لا تنعكس بما يكفي على المشهد الداخلي الذي يحتاج إلى المزيد من الانتباه، لا بل إلى إيلائه الأهمية القصوى.
ذلك أن تأخير حل القضايا الداخلية ومعالجة هواجس الفئات السورية المختلفة الإثنية والدينية، يزيد من افتراق هذه الجماعات عن الدولة الجديدة إلى حد الغربة حتى عن المكون السوري الديني الأكبر. وهذه الهواجس، ليس مخاوف نظرية، بل تعززت بعد مجازر الساحل والسويداء التي تركت جراحا لا تمحى وخوفا في نفوس الناس. ذلك أنه بغض النظر عن ما دفع إلى نشوب هذه المعارك في المنطقتين، وعلى رأسها رهانات خاسرة للرؤوس الحامية في الساحل والسويداء، فإن النتيجة واحدة: آلاف السوريين من كل الجماعات خسروا أرواحهم وذهبوا ضحية حسابات سلطوية كانوا في غفلة عنها، لا بل شكلوا وقودها.
الأمر نفسه يتعلق بتنفيذ “اتفاق آذار” ٢٠٢٥ بين قسد ممثلة بمظلوم عبدي والشرع، والتعامل الإيجابي مع الكرد وحقوقهم المحرومين منها منذ حكم الأسد، والتي دفعوا أثمانا باهظة نتيجة حرمانهم منها. وإذا كان الحكم الجديد غير قادر على ضبط الأمور التي أدت إلى ما أدت إليه، فإنه بالتأكيد قادر على المحاسبة وذلك أول الغيث لتستعيد الدولة هيبتها وسيادتها فيأنس إليها –ممثلة بالأجهزة الأمنية والقضاء- جموع المواطنين من كل الأهواء. من المفهوم أن التنكيل الذي عاناه السوريون طيلة سنوات الثورة، كان يمكن أن يحول سوريا بعد سقوط الأسد إلى “رواندا” الشرق الأوسط، لكن ذلك لم يحصل وهذا إنجاز يسجل للسوريين، وهذا يعني أن كل ما حصل بعد ذلك كان مخططا وليس من باب الانتقام البدائي كداع أول. الحفاظ على هذا النصر، يعني الإسراع في الانفتاح على الشعب السوري بقدر الرغبة في الانفتاح الخارجي. ذلك أن كل تأخير في معالجة هذه القضايا الأساسية للاستقرار وبناء مستقبل زاهر يستحقه السوريون، يغذي الفكر المتطرف لدى كل الفئات الدينية والإثنية في سوريا، ويحوله من مطالبات سياسية واجتماعية مشروعة، إلى مشروع عنفي يزيد من جراح وسنوات ضياع لا يستحقها السوريون.
بعد سنة على الانتصار وسقوط الأسد، لا يملك الحكم الجديد ترف الوقت للم شمل السوريين كي يبنوا دولتهم وفق ما يرونه من عقد اجتماعي جديد متحرر من عقد الماضي وإرث الأسد. فالتحديات القادمة كبيرة وهي تحتاج سوريا ذات رؤية موحدة ومحصنة داخليا.
هنيئا لرفاقنا السوريين، الرفاق منذ ٢٠١١، ولادتهم الجديدة، وهنيئا لهم وهم يحتفلون بالحياة وبتجارب جديدة في ممارسة الحق بالحياة والاعتراض والنشاط السياسي. هنيئا نصرنا المشترك على النظام الذي أوغل في دمائنا ودمائهم. والمجد والرحمة والخلود لرفاقنا الشهداء الذين كان النصر أجمل لو كانوا معنا.
وإذا كان وجودهم الجسدي غير متحقق، لكن من الممكن أن نستلهم الإرث الذي زرعوه فينا لنبي مستقبلا حلموا به، وهنا استرجع ما قاله الشهيد غياث مطر: “أنا وأنت إخوة… والوطن يتسع للجميع”.
تلفزيون سوريا
