تشهد مدينة تدمر والبادية السورية المحيطة بها عودةً لافتةً إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، في ظل تنامي الحديث عن طبيعة الوجود الأميركي وأهدافه في هذه المنطقة ذات الموقع الجغرافي الحساس.
فبعد سنوات من التركيز على البعد الأمني ومكافحة تنظيم “داعش”، بدأت تتكشف ملامح أدوار أكثر تعقيداً، ترتبط بالتحكم بخطوط الإمداد، ومراقبة التحركات العسكرية، إضافةً إلى إدارة توازنات دقيقة بين القوى الإقليمية الفاعلة في المشهد السوري.
وتشير تصريحات محللين وخبراء في الشأن الاستراتيجي إلى أن أهمية تدمر لا تنبع فقط من موقعها كعقدة طرق تربط وسط سوريا بشرقها، بل تمتد لتشمل ما تختزنه من موارد طبيعية ومعادن استراتيجية، مثل الفوسفات والسيليكون، والتي باتت تشكل عاملاً إضافياً في حسابات النفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تدمر تتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تُستخدم في إطار الصراع الأوسع على مستقبل سوريا، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وسط غياب تسوية سياسية شاملة.
تنافس يتجاوز البعد الأمني
يقول درويش خليفة، الكاتب والسياسي السوري، لـ”963+”: إنّ أميركا موجودة في منطقة التنف وفي البادية السورية منذ وقت طويل، ويأتي هذا الوجود، كما يوضح، في إطار مراقبة خطوط العبور التي كانت تُستخدم من الجهات القادمة من إيران باتجاه العراق، ثم إلى سوريا.
ويضيف أن هذه الخطوط كانت تُستغل لنقل السلاح من العراق باتجاه سوريا، أو إلى لبنان عبر الأراضي السورية.
بدوره، يقول البروفيسور حسن عبدالله الدعجة، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال الأردنية، لـ”963+”: إن الاهتمام الأميركي بمدينة تدمر، ينبع من موقعها الجغرافي الحساس، باعتبارها حلقة وصل بين وسط وشرق سوريا، الأمر الذي يمنحها أهميةً بالغةً في التحكم بحركة القوات وخطوط الإمداد داخل الصحراء السورية.
ويضيف أن تدمر تتيح أيضاً مراقبة الطرق المؤدية إلى دير الزور والحدود العراقية، وهو ما يخدم أهدافاً أمنيةً تتعلق بتعقب الجماعات المسلحة ومنع عودتها.
ويشير خليفة إلى أن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليشمل مناطق محددة، أبرزها تدمر والمناطق الواقعة غربها، مروراً بمنطقة القريتين باتجاه حسياء، وصولاً إلى جبال القلمون.
ويلفت إلى أن هذه المناطق تحتوي على مادة السيليكون، التي تُعدّ من أهم المعادن النادرة عالمياً، والتي تُشكّل محور تنافس دولي، لا سيما بين الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى الكبرى.
ويوضح أن السيليكون يُستخدم في إنتاج الشرائح الإلكترونية التي تدخل في صناعة الحواسيب والهواتف النقالة وغيرها من الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
كما يؤكد خليفة أن تدمر تضم أيضاً احتياطات كبيرة من الفوسفات، مشيراً إلى وجود شركات إيرانية كانت تعمل هناك، إضافةً إلى تنافس إيراني–روسي على استخراج الفوسفات في تدمر ونقله إلى بيروت لتنقيته، قبل بيعه إلى بعض الدول الإسكندنافية.
كما يلفت الدعجة إلى أن موارد الفوسفات والمعادن المحيطة بتدمر تحتل موقعاً مهماً في الحسابات الاقتصادية الدولية، نظراً لقيمتها الاستراتيجية ودورها المحتمل في دعم أي انتعاش اقتصادي مستقبلي في سوريا.
ويعتقد أن الاهتمام بهذه الموارد يندرج ضمن رؤية أوسع لإدارة النفوذ الاقتصادي، حيث تتقاطع العقوبات والقيود الاقتصادية مع محاولات السيطرة على مصادر الثروة، ليس بهدف الاستثمار الفوري فقط، بل لاستخدامها كورقة ضغط طويلة الأمد.
ويضيف الدعجة أن تدمر يمكن أن تلعب دوراً مهماً في أي رؤية أميركية لإنعاش الاقتصاد في الصحراء السورية، لا سيما من خلال ربط الموارد الطبيعية بالتحالفات المحلية أو بالمشاريع الصغيرة.
إلا أنه يؤكد أن هذا الدور يبقى ثانوياً ما لم يُرافقه مسار سياسي واضح وضمانات أمنية مستدامة، معتبراً أن السيطرة على الموارد وحدها غير كافية، لكنها قد تُستخدم أداةً لدعم البدائل المحلية وتحقيق توازنات جديدة داخل المنطقة.
وفي المقابل، يحذر الدعجة من أن تحوّل النفوذ في تدمر من البعد الأمني إلى البعد الاقتصادي ينطوي على مخاطر إقليمية واضحة، أبرزها ازدياد التنافس بين القوى المختلفة على الموارد والعقود، مما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الأمني.
الموقع والموارد يحكمان الاهتمام
كما يشير إلى أن هذا التحول قد يُفاقم النزاعات المحلية ويؤسس لاقتصاد هش قائم على الصراعات بدلاً من اقتصاد قائم على التنمية. ويخلص إلى أن تسييس الاستثمار الاقتصادي قد يُعقّد فرص التوصل إلى تسوية سياسية، ويحوّل تدمر إلى بؤرة توتر طويلة الأمد بدلاً من كونها عاملاً للاستقرار.
ويرى أن أهمية منطقة البادية السورية لا ترتبط فقط بالشق الأمني، ولا بالتحركات التي تقوم بها مجموعات أو خلايا من تنظيم “داعش” مستغلةً الطبيعة الجغرافية التي تُعدّ شبه خالية من الكثافة السكانية، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل أبعاداً اقتصادية واضحة.
ويعتقد خليفة أن تدمر، في المرحلة الراهنة، ليست مجرد منطقة صراع عسكري، بل أصبحت ساحة تنافس إقليمي ودولي على الموارد الطبيعية المتوافرة فيها.
كما يوضح أنها تمثل اليوم إحدى نقاط تثبيت النفوذ الأميركي على حساب النفوذ الإيراني والروسي. وبناءً على ذلك، يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة من الاصطفافات السياسية داخل سوريا، ما يجعل من تدمر أحد أهم المواقع الجغرافية التي تعتمد عليها أميركا لترسيخ وجودها في منطقة البادية السورية.
ويشير خليفة أيضاً إلى أن الوجود الأميركي في تدمر أو بالقرب منها، وعلى مسافة تتراوح بين مائة ومائة وعشرين كيلومتراً من مطار التيفور، يحمل دلالات إضافية.
وينوّه إلى أن هذا المطار كانت السلطات في تركيا تنوي استخدامه قاعدةً تركيةً لتدريب القوات السورية، الأمر الذي يجعل من الوجود الأميركي وسيلةً لمراقبة هذا التوجّه ومنع أي اشتباك إقليمي محتمل بين تركيا وإسرائيل في تلك المنطقة، لا سيما أن البلدين يُعدّان حليفين لـ الولايات المتحدة الأميركية، وللإدارة الحالية على وجه الخصوص.
ويخلص خليفة إلى أن أهمية تدمر تنبع من كونها منطقةً استراتيجيةً وعقدةَ طرقٍ دولية، فضلاً عن احتوائها على موارد ومعادن نادرة تجعلها محوراً أساسياً في معادلات النفوذ الإقليمي والدولي.
ويرى الدعجة أن تدمر تُشكّل ورقة ضغط جيوسياسية في أي ترتيبات مستقبلية تخص الملف السوري، معتبراً أن أهميتها تتجاوز كونها هدفاً عسكرياً تقليدياً. ويؤكد أن الوجود الأميركي فيها يمثل عامل توازن غير مباشر بين الفاعلين الإقليميين، مثل تركيا وإسرائيل، دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع أي طرف.
ويشير إلى أن هذا النفوذ يمنح واشنطن القدرة على مراقبة التحركات الاستراتيجية والتأثير فيها داخل العمق السوري، ويُستخدم بالدرجة الأولى كورقة ضغط سياسية وأمنية في المفاوضات الإقليمية، وليس كموقع عسكري هجومي بحت، مما يعزز مرونة الدور الأميركي.
موقع 963