ابراهيم زرقة
كانت اللهجة الهجينة أداة سلطة تُستخدَم للترويع وبثّ الذعر لدى متلقّيها. كان من السهل استخدام العنف النفسي بدلاً من العنف الفيزيائي، فجملة “هنت بتعرف مع مين متحكي” كفيلة بتحقيق الغرض. كانت اللهجة تعبيراً عن القوّة والعنف وبديلاً عن ممارسته، فتُستخدَم كجواز أمني يتيح العبور من أصعب الأماكن، وهو ما استغلّه كثيرون، سواء كانوا علويين أم لم يكونوا، لكسب النفوذ وامتلاك القوّة
بعد أسبوع تقريباً على هروب بشّار الأسد وانهيار نظامه، ركبت “السرفيس” لأعود إلى قريتي في الساحل السوري. جلس بجانبي شخص يتحدّث على الهاتف بصوت منخفض، بلهجة محاولاً إخفاءها قدر الإمكان، وكنت أتمنى ألا يتوقّف عن الحديث شوقاً لسماع تلك اللهجة.
لم أكن منقطعاً عن تلك اللهجة، ما يسمّى “اللهجة العلوية”، في تعميم مجحف على كلّ من ينطق حرف “القاف”، وينوّع امتداد الأحرف الصوتية، لكنّ وقعها على أذني اليوم يحمل معنى مختلفاً.
إنها لهجتي التي أعجز عن استخدامها بشكلها الصحيح، اختلفت وتلاشت وظهرت إثر سفري واعتقالي، لم تعد “لساني الأمّ” لفترة طويلة، لكنّني اليوم، أستسيغها، أنصت إلى متحدّثيها، وأدرّب لساني على استعادتها، بحيث يظهر حرف القاف حين يضرب أعلى حلقي واضحاً. لكن، كيف يفقد المرء لهجته؟ وكيف يستعيدها؟
فقدان القاف للتخفّي
تنقّلت بين مدن عدّة، من دمشق إلى جبلة وريفها، ومن ثم إلى بيروت، وعشت في الأخيرة لفترة وجيزة، كان التحدّث بأيّ لهجة سورية قد يقود إلى سلسلة من الأسئلة، التي تنتهي بكشف عدم امتلاكي إقامة نظامية، وربما الترحيل.
كان من السهل على شابّ مواكب للموضة، ويتحدّث الإنكليزية بطلاقة مع بضع كلمات فرنسية، ويتحدّث لهجة اللبنانيين، ويضع حلقاً في أذنيه، أن يُخفي هويّته. فالصورة النمطية التي رُوّجت عن السوريين، مختلفة تماماً.
“تنكّرت” في بيروت، الكلمة التي تحمل معنيين يحملان معنى “النفي”، نُفيت عن نفسي (هويّتي) هرباً، لكن أيّ هويّة أنكرت: السورية أم العلوية؟ كلاهما كان مخيفاً بالنسبة لي.
عندما عدت إلى سوريا، وانتقلت إلى دمشق لأبدأ رحلة الاختصاص في جراحة الأطفال، في حقبة حكم الأسد تعمّدت إخفاء لهجتي، خوفاً من انكشاف تاريخي السياسي وتعرّضي لملاحقة أمنية جديدة، وعدم رغبتي في معاملة متميّزة بناء على طائفتي. كان عليّ أن أختار بين صوتين: صوت يخاف من السلطة، وصوت يخاف من وصمة السلطة… اخترت الصمت.
في الطبّ هناك اضطراب في اللغة يدعى (aphasia) وتعني الحبسة، سببه اضطراب في مراكز ضمن الدماغ، لا علاقة للحبسة بالتفكير أو الذكاء، لكنّها تتسبّب بمشكلة في التواصل مع المحيط: حبسة فيرنيكه وبروكا، الأولى تعني صعوبة في التعبير وإنتاج الكلام، والثانية تعني صعوبة في فهم اللغة.
لكنّ الحبسة التي عانيت منها، أو أصبت نفسي بها، كانت حبسة الهويّة وحبسة اللهجة: لا أريد نطقها، لأسباب كثيرة نتيجة رضوض نفسية مصاحبة لها.
تواريخ اللسان وتقلّباته
لهجتي أقرب إلى اللهجة السورية البيضاء. السبب ربما أن عائلتي تنقّلت بين مناطق مختلفة من سوريا: من القنيطرة إلى ريف جبلة مروراً بسهل عكّار. أمّي بقيت محافظة على لهجتها الشامية حتى مماتها.
اكتشفت فشلي في لفظ حرف القاف عندما سألتني موظّفة التسجيل في الجامعة في السنة الأولى عن كنيتي: “هل تقصد زركو؟”، اضطررت يومها لتهجئتها حرفاً حرفاً، وهو الموقف الذي يتكرّر معي حتى اليوم، ويبدو أنها مشكلة عدد من أطفال العائلة في لفظ حرف القاف، حتى عمّتي عانت من لثغة في هذا الحرف في طفولتها.
عشت في قطيعة مع اللهجة، أتجنّب استخدامها وسماعها. اللهجة تعبّر عن الهويّة أحياناً، وقد يجبر الخوف الشخص التخلّي عن لهجته. وفقدان اللهجة يشبه فقدان وظيفة اللغة نتيجة لإصابة دماغية، لكنّ الإصابة هنا سياسية ونفسية، فلم تكن معاناتي مع اللهجة سوى صدى لعلاقة مشوّهة جمعت السوريين بهذه اللهجة، التي تحوّلت في ظلّ النظام السابق إلى أداة سلطة أكثر منها وسيلة تواصل.
هل يصبح الصوت خطراً؟
لم يعد الخوف من اللهجة خوفاً من السلطة، بل من قدرتها على إيقاظ الذاكرة. تشبه الفكرة تجربة بافلوف، التي مفادها أنه درس ارتباط صوت الجرس لدى الكلب بزيادة إفرازه للعاب، حسناً، أعتقد أننا كسوريين نملك مثل هذا المنعكس الشرطي تجاه أصوات مختلفة إحداها قد يكون اللهجة.
لم يكن خوفي من اللهجة خوفاً من صوتها المجرّد، بل من قدرتها على إيقاظ الذاكرة. كان صوتها كصوت المفتاح يدور في قفل الزنزانة، أو نقر العصا على الطاولة، الذي كان يعيدني إلى صوت الضرب على الأبواب. صوت المراقبين في الامتحانات بنبرتهم القوّية، يعيد لي ذاكرة تلك الأيّام.
وهكذا، صرت كلما سمعت اللهجة خاصّة عند الغضب، لا أشعر بنفسي إلا ضمن غرفة التحقيق، أتعرّض للأسئلة والشتائم نفسها. وهروبي من اللهجة، في جوهره، هروب من الذاكرة الجماعية والمشتركة التي تحملها، ومن الذكريات الشخصية التي ارتبطت بتلك النبرة. صوت واحد كان يكفي لتفعيل كلّ آليّات الخوف.
اللهجة كجهاز: من الترويع إلى الازدراء
لا يمتلك العلويون لهجة خاصّة كـ”لهجة علوية”، ولكن تستطيع في كلّ منطقة تمييز لهجتهم، فلهجة علويي حمص تختلف عن لهجة علويي حماة أو علويي طرطوس أو جبلة واللاذقية، وفي أرياف هذه المدن يزداد ثقل اللهجة كلما صعدت الجبال أكثر، ونظام الأسد، استطاع “استعمار” لسان هذه الطبقة، وخلق لهجة هجينة يسمّيها كثير من السوريين “اللهجة العلوية”، لهجة بلسان السلطة.
كانت اللهجة الهجينة أداة سلطة تُستخدَم للترويع وبثّ الذعر لدى متلقّيها. كان من السهل استخدام العنف النفسي بدلاً من العنف الفيزيائي، فجملة “هنت بتعرف مع مين متحكي” كفيلة بتحقيق الغرض. كانت اللهجة تعبيراً عن القوّة والعنف وبديلاً عن ممارسته، فتُستخدَم كجواز أمني يتيح العبور من أصعب الأماكن، وهو ما استغلّه كثيرون، سواء كانوا علويين أم لم يكونوا، لكسب النفوذ وامتلاك القوّة.
وفي ظلّ نظام مثل نظام الأسد، قلّة من كانوا يتحدّون متحدّثها، ولكنّهم يقابلونه بالسخرية في الخفاء، فمن جهة كانت لهجة سلطة، ومن جهة أخرى محطّ سخرية العوام والدراما نفسها. فقد صوّرت الدراما السورية متحدّثي هذه اللهجة كضبّاط مخابرات أو ضبّاط جيش أو فقراء محدودي التفكير، مثل النمطية التي أحاطت بها الدراما السورية سابقاً لهجات المناطق السورية كلّها.
أخيراً، ظهرت تسريبات لمستشارة الرئيس السابق بشّار الأسد، لونا الشبل، وضمنها ظهرت سخريتها من اللهجة وتحديداً من حرف القاف، إذ تقول الشبل في أحد المقاطع: “أفيه إذا ما قاقى!”، وذلك بعد حديث أحد الضبّاط مع الأسد بلهجة ساحلية واضحة.
تملكني الغضب والحزن وقتها. بعيداً عن مجمل التسريبات المهينة بحق السوريين جميعاً، لكن هذا التسريب تحديداً يوضح كيف تتعامل السلطات الديكتاتورية مع حاضنتها: تستعمر لهجتها وتستبدل محتواها الإنساني بدلالات القوة والخوف.
ولم يكن أبناء المتنفذين، وحتى أبناء الأسد أنفسهم، أقل ازدراء للهجة من غيرهم. فكثيراً ما شاهدهم السوريون وهم يسخرون من متحدثي هذه اللهجة وينظرون إليهم كـ”رعاع” أو وقود لحروبهم.
والكثير ممن كانوا يقلّدون “اللهجة العلوية” ليظهروا قربهم من السلطة القديمة، أضحوا اليوم ساخرين منها بعد تغيّر الاتجاهات. شبيحة الأمس الذين كانوا يملأون أصواتهم بقاف خشنة ليكسبوا هيبة، أصبحوا شبيحةً جُددَ يتهكّمون على أصحاب هذه اللهجة نفسها كي يثبتوا ولاءهم للسلطة الجديدة، التي حولت الكثيرين منهم إلى “ناشطي سلم أهلي”. وكأن اللهجة ليست هوية، بل زيّ يرتدونه حسب السلطة القائمة.
ومع اندلاع الثورة في سوريا، سخر كثر ممن لحقوا بركب الثورة من هذه اللهجة باعتبارها “لهجة الشبيحة”. فقد استخدم معظم الشبيحة وعناصر المخابرات هذه اللهجة لترويع الناس. ولكن ومنذ سقوط نظام الأسد، انتشرت سخرية اللهجة بكثرة، وتحولت فجأة من لهجة قوة إلى لهجة ضعف وموضع اتهام.
لم تكن سوريا أول مكان تتحول فيه الكلمة إلى حكم مسبق؛ ففي لبنان انتشرت قصة بعد حادثة بوسطة عين الرمانة، أن الحواجز اللبنانية كانت تطلب من المارين لفظ كلمة “بندورة” لكشف هوية الشخص إن كان لبنانياً أم فلسطينياً. وهنا كانت اللهجة تهمة قد تكلفك حياتك. واليوم في سوريا، تتحول اللهجة الى محط اتهام حقيقي، من أن تعرف أنك علوي من لهجتك.
بعد سقوط نظام الأسد، تغيّر شكل الخوف. لم يعد الخوف من اللهجة لأنها صوت السلطة، بل لأنها قد تُقرأ كدليل إدانة. كثيرون صاروا يخفون لهجتهم لا طلباً للقوة، بل هرباً من الوصم: فلول، شبيحة، أو شركاء في جريمة لم يرتكبوها.
العودة إلى القاف
لم تبدأ استعادتي اللهجة من فراغ. كانت هناك شذرات منعزلة بدأت تكسر حاجز الخوف. سابقاً، استخدم كثر من مهرجي السلطان “اللهجة العلوية ” كأداة للسخرية في المسرحيات، ولاحقاً انقلبوا على السلطان واستمروا باستخدام اللهجة للسخرية.
لكن، وقبل سقوط نظام الأسد بسنوات عدة، بدأ أحد المؤثرين على صفحات الميديا بالتحدث بهذه اللهجة بشكل عفوي من دون سخرية أو ازدراء، وهو رائد مظلوم. بل إنه أعطى بعداً جديداً للهجة بعيداً عن ضباط ومخابرات ومحدودي التفكير. قام بدبلجة بعض المقاطع من أفلام ومسلسلات مستخدماً “لهجته العلوية” بدون تحميلها أكبر من حجمها أو تجميلها، فلاقت هذه المقاطع استحساناً لدى عدد كبير من السوريين.
وبدأت ألاحظ تحولاً طفيفاً في نفسي. عندما لم أعد أتجنب ما يقال بهذه اللهجة، إلى حين ظهر مسلسل “الزند” عام 2023 الذي يتحدث كثر من الممثلين ضمنه بـ”اللهجة العلوية”، حتى أن الأغنية وشارة المسلسل تتناولان هذه الطبقة بحكم قصة المسلسل وحكايته. ولاحقاً، كانت “لينا دنورة”(صفحة لينا دنورة على الفيسبوك)، مؤثرة على السوشال ميديا، تحضر أطباق الطعام بلهجتها من دون تكلف. كل هذا وغيره من أشخاص أعادوا بعضاً من الحياة الى هذه اللهجة، وبدأت أذني تعتاد عليها في سياقات جديدة.
الموال: ليس مجرد أغنية بل ذاكرة جماعية
كنت أسمع جملة “طيّب الله عيشك” من جدتي كثيراً، وكنت أسمعها من كثيرين بعد سماعهم أحد المواويل الشعبية التي تميز الساحل السوري. لم أفهم وقتها أن طرب العلويين بهذه المواويل نوع من انتمائهم الى هويتهم وتمسكهم بها. وبقيت لا أستسيغ هذه الأغاني إلا في مناسبات الأفراح والحفلات.
لم أعجب سابقاً بأغاني فؤاد غازي، أو كما يحلو لنا نحن العلويين تسميته “فؤاد فقرو” نسبة الى قريته فقرو، وتمسكاً بهويته وهوية قريته المنسية دوماً، لكن أغنية “تعب المشوار” التي رددها كثيرون، أسمعها اليوم مجدداً بتوزيع جديد قامت به فرقة “شكون“، لأشعر أن تحت طبقة العنف هذه توجد طبقة أعمق، وكثير من أغانيهم تحمل تاريخ الكدح والفقر والظلم. قد يكون ذلك محاولة غير واعية من متحدثي هذه اللهجة ليظهروا في أغانيهم الحزن الجماعي والأمل، وأن لهجتهم ليست فقط لهجة سلطة وشبيحة.
تعمقت علاقتي باللهجة كثيراً منذ سقوط نظام الأسد، وتغير مفهومي وارتباطي بها. بدأ كل شيء يتحول بالنسبة إلي من لهجة تحمل العنف والخوف، إلى لهجة بسيطة يرددها أهالي قريتي والقرى المجاورة، تحمل نغماً خفيفاً على أذني.
ولكن اللحظة الفارقة كانت عند مجازر الساحل في آذار/ مارس. وقتها، كنت أنتظر ولا أترك الهاتف من يدي، خائفاً من أي خبر قد يصلني عن أهلي. فمر أمامي فيديو قصير على الإنستغرام لإحدى القرى العلوية، يظهر منازل محروقة. كلمات الأغنية كانت تقول: “رحت لديرتهم بالعتم لافي، تبكي دلتهم وسراجهم طافي”.
أذكر أني بكيت للمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد بشكل هستيري. أحسست بكثير من الذنب وتأنيب الضمير، لكرهي أشخاصاً يتحدثون “اللهجة العلوية” فقط لموقف شخصي وتاريخ قديم. في تلك اللحظة تحديداً، تحولت اللهجة بالنسبة إلي الى لهجة الضحايا والمهمشين. فلم يعودوا في موقع السلطة، ولهجتهم كانت قريبة من الحزن والأسى.
استعادة الصوت
كيف نستعيد لهجة أُخذت بالقوة؟ الإجابة ليست سهلة، ولكنها تبدأ بقرار شخصي: قرار الإنصات من جديد، ولكن بأذن مختلفة. أعتقد أن استعادة اللهجة ليست قراراً واعياً فقط، بل هي عودة “طبقات الذاكرة” مثل الرائحة. اللهجة تستحضر الذاكرة العاطفية الدفينة، واستعادتها تتطلب تعويد الأذن، وتغيير الدلالة الداخلية.
بالنسبة إلي، بدأت استعادتي عندما توقفت عن الهرب من الصوت. عندما سمعت اللهجة في سياقات جديدة: في أغنية تحكي عن التعب، في فيديو طبخ يعبر عن الحنين، في حديث جار طيب. بدأت أمارسها بشكل دائم، لا كواجب، بل كحق. أتحدث بها مع أهلي في القرية، أحاول نطق القاف من دون خجل، وأتقبل أن يكون نطقي مختلفاً. لأن صوتي أخيراً أصبح ملكي.
تحويل نقطة الضعف المتصورة إلى مقاومة يتطلب مواجهة الذاكرة نفسها. أن تسمع الصوت من دون أن تهرب منه. أن تفصل بين اللهجة كوسيلة تواصل، واللهجة كأداة سلطة. ربما لن أستعيد لهجتي “النقية” أبداً، ولكنني أستعيد حقي في أن يكون لي صوتي الخاص، الذي يحمل تاريخي ويعبر عن حاضري، من دون خوف من ماضٍ لم أصنعه.